احتفالية إطلاق الليرة السورية الجديدة: رمزية الثقة وآفاق الاستقرار الاقتصادي

بوابة الأعمال السورية | دمشق، 30 كانون الأول 2025
في 29 ديسمبر 2025، أضاء قصر المؤتمرات في دمشق بأنوار الاحتفال الرسمي لإطلاق الليرة السورية الجديدة، برعاية وحضور الرئيس أحمد الشرع وعقيلته السيدة لطيفة الدروبي. لم يكن هذا الحدث مجرد مراسم إجرائية لتغيير تصميم عملة، بل كان لحظة رمزية عميقة تعكس تحولاً سياسياً واقتصادياً في سوريا ما بعد الأزمة. في هذا التحليل، نستعرض دلالات الاحتفالية، ونقيم تأثيرها على الثقة الاقتصادية، ونستشرف آفاق التنمية المستقبلية، مع الاستناد إلى الخطابات الرسمية والردود الأولية من الأسواق.
الرمزية السياسية: إعادة بناء الثقة الوطنية
كان الرئيس الشرع، في كلمته خلال الحفل، يؤكد على “العامل الحاسم” في نجاح أي عملة: الثقة. هذا الإعلان لم يأتِ اعتباطاً، بل يعكس استراتيجية حكومية ترى في الليرة الجديدة – التي حُذِفت منها صفرين لتبسيط قيمتها الاسمية – ركيزة لإعادة صياغة الهوية الاقتصادية السورية. بحضور وزراء الاقتصاد والمالية، وشخصيات بارزة من القطاع الخاص، تحول الحفل إلى منصة حوارية، حيث أجرت جلسة مفتوحة مع الرئيس، سُجِّلت ونُشرت على نطاق واسع، مما يُظهر التزاماً بالشفافية غير المسبوقة في السابق.
من الناحية السياسية، يُمثل هذا الحدث تأكيداً على استقرار النظام الجديد بعد التحولات السياسية في 2025، بما في ذلك رفع بعض العقوبات الدولية. كشف الرئيس الشرع وزوجته عن النسخ الأولى للفئات الجديدة (من 50 إلى 500 ليرة) لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل إشارة إلى مشاركة المجتمع الأسري في بناء المستقبل، مما يعزز الجانب الإنساني للإصلاحات. هذا النهج الرمزي يُشبه حملات إعادة الإطلاق النقدي في دول مثل تركيا (2005) أو لبنان (حيث فشلت بسبب عدم الثقة)، لكنه يتميز بسياق سوري يجمع بين التعافي من الحرب والانفتاح الدولي.
الجوانب الاقتصادية: بين التبسيط والتحديات الهيكلية
اقتصادياً، تهدف الليرة الجديدة إلى تبسيط المعاملات اليومية، حيث كانت العملة القديمة تُثقل كاهل التجار بأرقام هائلة، مما أدى إلى تضخم نفسي يعيق الاستثمار. حذف الصفرين، كما أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، يُعادل إعادة تقييم يُعزز القدرة الشرائية الاسمية دون تغيير جوهري في الاحتياطيات. ومع ذلك، يظل التحدي في الحفاظ على استقرار سعر الصرف أمام الدولار، حيث بلغ التضخم السنوي 45% في 2025، وفقاً لتقديرات المرصد الاقتصادي.
الاحتفالية نفسها كشفت عن خطة تدريجية: تعايش العملتين لستة أشهر، مع ميزات أمان متقدمة (مثل الخيوط الأمنية والحبر المتغير) لمكافحة التزييف، الذي يُقدر بنسبة 15% من المعاملات النقدية حالياً. هذا الإطلاق يتزامن مع اتفاقيات تجارية جديدة، كتلك مع بريطانيا، مما يفتح أبواباً لتدفق رأس المال الأجنبي. ومع ذلك، يُحذر التحليل من مخاطر “الصدمة النقدية” إذا لم تُدعم الإصلاحات بسياسات هيكلية، مثل تعزيز الإنتاج المحلي ومكافحة الفساد، حيث أشارت تقارير أولية إلى زيادة طفيفة في النشاط التجاري بنسبة 3-5% في الأسابيع الأولى.
ردود الفعل والتأثير الاجتماعي: بين التفاؤل والحذر
ردود الفعل على الحفل كانت إيجابية بشكل عام، مع تغطية واسعة على وسائل التواصل، حيث وُصِفَ الحدث بـ”مبروك للسوريين” في بث مباشر للإذاعة. السوريون، الذين عانوا من تآكل الليرة لسنوات، رأوا في الكشف عن الفئات الجديدة – المستوحاة من التراث السوري مثل الآثار التاريخية – عودة إلى الاستقرار. ومع ذلك، يُلاحظ حذراً من بعض الاقتصاديين، الذين يرون في الاحتفالية “عرضاً سياسياً” قد يُغطي على التحديات الأساسية مثل البطالة (25%) والديون الخارجية.
اجتماعياً، يُعد الحدث خطوة نحو تعزيز الثقة العامة، خاصة مع مشاركة النساء والشباب في الفعاليات الجانبية، مما يعكس توجهاً نحو الشمولية الاقتصادية. في استطلاع أولي أجراه المرصد، أعرب 68% من المشاركين عن تفاؤلهم بتحسن القوة الشرائية، لكن 32% يطالبون بضمانات أكبر ضد التضخم.
نظرة مستقبلية: نحو اقتصاد مستدام
تُمثل احتفالية إطلاق الليرة السورية الجديدة نقطة انطلاق لمرحلة التعافي الشامل، حيث يُتوقع نمو الناتج المحلي بنسبة 4-6% في 2026، مدعوماً بالاستثمارات في الطاقة والزراعة. نجاحها يعتمد على ربط الرمزية بالإجراءات العملية: تعزيز الاحتياطيات، وتنويع الاقتصاد، وتعميق الشراكات الدولية. في المرصد الاقتصادي، نرى في هذا الحدث دليلاً على إمكانية سوريا للنهوض، شريطة أن تُترجم الثقة إلى نمو حقيقي.
المرصد الاقتصادي يتابع التطورات، ويدعو إلى مزيد من الإصلاحات لضمان استدامة الازدهار.




