احتياطي الذهب السوري وتغطية الكتلة النقدية: قراءة تحليلية في الشكل والمضمون والآثار الاقتصادية

بوابة الأعمال السورية | دمشق، 8 شباط 2026
أثار تصريح حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، حول أن قيمة احتياطي الذهب باتت تغطي الكتلة النقدية المطبوعة بنسبة 100%، نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإعلامية. وبين من اعتبره مؤشراً إيجابياً على متانة الوضع النقدي، ومن رآه تصريحاً محاسبياً أكثر منه تحولاً اقتصادياً فعلياً، تبرز الحاجة إلى تحليل متوازن يفسّر الخبر من حيث الشكل والمضمون، ويقيّم أثره المحتمل على الاقتصاد السوري ومستقبله.
أولاً: الشكل – ماذا يعني التصريح من الناحية الحسابية؟
من حيث الشكل، يستند التصريح إلى مقارنة قيمة احتياطي الذهب مع قيمة الكتلة النقدية المطبوعة:
- يقدَّر احتياطي الذهب السوري بنحو 26 طناً، وهي كمية مستقرة منذ سنوات طويلة.
- مع الارتفاع الكبير في أسعار الذهب عالمياً، ارتفعت القيمة السوقية لهذا الاحتياطي عند تحويلها إلى الليرة السورية.
- بحسب هذا الحساب، تجاوزت قيمة الذهب حاجز 42 تريليون ليرة سورية، وهو رقم يقارب – أو يعادل – تقديرات الكتلة النقدية المطبوعة والمتداولة.
بالتالي، فإن نسبة “التغطية 100%” هي تغطية بالقيمة الاسمية وفق أسعار السوق، لا إعلان عن تغيير في النظام النقدي أو العودة إلى معيار الذهب.
ثانياً: المضمون – ما الذي لا يقوله الخبر؟
من حيث المضمون الاقتصادي الحقيقي، من الضروري توضيح عدة نقاط:
- لا يعني التصريح أن الليرة السورية أصبحت قابلة للتحويل إلى ذهب، ولا أن المصرف المركزي يضمن استبدال النقد بالذهب.
- لا يعني أيضاً أن هناك زيادة فعلية في أصول المصرف أو في قدرته على التدخل النقدي.
- المقارنة تتم بين أصل واحد (الذهب) وبين جزء من الالتزامات النقدية (الكتلة المطبوعة)، دون الأخذ بالحسبان باقي الالتزامات، أو دور السيولة، أو حجم الاقتصاد الحقيقي.
بعبارة أدق، نحن أمام تحسن محاسبي في الميزانية الاسمية ناتج عن ارتفاع أسعار الذهب، لا عن تحسن بنيوي في الاقتصاد.
ثالثاً: التأثير على الاقتصاد السوري في المدى القصير
على المدى القصير، يحمل هذا التصريح بعض الآثار الإيجابية النفسية والمؤسسية:
- تعزيز الثقة: يبعث برسالة أن المصرف المركزي يمتلك أصلاً حقيقياً ذا قيمة مرتفعة.
- تهدئة التوقعات التضخمية: إذ يُستخدم التصريح كإشارة إلى أن الكتلة النقدية ليست “مكشوفة بالكامل”.
- دعم الخطاب النقدي الرسمي: في ظل ضغوط داخلية وخارجية على العملة.
لكن في المقابل، فإن أثره العملي على:
- سعر الصرف،
- مستوى التضخم،
- النشاط الاستثماري،
يبقى محدوداً ما لم يُترجم إلى سياسات نقدية ومالية منسجمة.
رابعاً: التأثير في المدى المتوسط والطويل
في المدى المتوسط والطويل، لا يمكن لاحتياطي الذهب وحده أن يشكّل ضمانة لمستقبل الاقتصاد السوري، ما لم يترافق مع:
- نمو حقيقي في الإنتاج (صناعة، زراعة، تصدير).
- ضبط العجز المالي وتقليص التمويل بالعجز.
- استعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
- زيادة الشفافية في البيانات النقدية والمالية.
الذهب هنا يؤدي دور شبكة أمان رمزية أكثر منه محركاً للنمو. فهو يحسّن صورة الميزانية، لكنه لا يعالج جذور الخلل الاقتصادي.
خامساً: قراءة واقعية للمستقبل
يمكن القول إن التصريح:
- صحيح من الناحية الحسابية.
- محدود الأثر من الناحية الاقتصادية العملية.
- إيجابي من حيث الرسالة، لكنه غير كافٍ بمفرده لإحداث تحول.
المستقبل الاقتصادي السوري لا يُبنى على قيمة الذهب وحدها، بل على قدرة الاقتصاد على توليد الدخل الحقيقي، وتحقيق الاستقرار النقدي، واستعادة دورة الاستثمار والإنتاج.
خلاصة تحليلية
تصريح تغطية احتياطي الذهب للكتلة النقدية بنسبة 100% هو مؤشر محاسبي إيجابي ورسالة طمأنة، لكنه ليس إعلاناً عن تعافٍ اقتصادي شامل. أهميته تكمن في كونه عنصراً داعماً ضمن منظومة سياسات أوسع، لا حلاً بحد ذاته. والرهان الحقيقي يبقى على الإصلاحات الاقتصادية، لا على ارتفاع أسعار الذهب وحده.
إذا رغبت، يمكنني تكييف هذا المقال بصيغة افتتاحية صحفية، أو تحليل مبسّط للجمهور العام، أو نسخة احترافية مخصصة للنشر على بوابة الأعمال السورية.