الأمومة والعمل في سوريا: ما الذي تقرره القوانين النافذة، وما الذي يبقى معلقاً في التطبيق؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
حين تُطرح قضايا الأمومة في بيئة العمل، تُناقَش أحيانًا بوصفها ملفًّا اجتماعيًّا أو إنسانيًّا فقط. لكن في الحقيقة، الأمومة في سوق العمل السوري هي أيضًا قضيةٌ اقتصاديَّةٌ مباشرةٌ، لأنها تمسّ قرار المرأة بالعمل، وقدرتها على الاستمرار فيه، واستعداد أصحاب العمل للتوظيف، وشكل الحماية التي تبقي الوظيفة ممكنةً بعد الولادة.
ولهذا فإن أي حديثٍ عن المرأة في الاقتصاد لا يكتمل من دون فهم الإطار القانوني المرتبط بالأمومة والعمل.
ما الذي تقرره القوانين النافذة؟
في القطاع الخاص، يظل قانون العمل رقم 17 لعام 2010 هو المرجع النافذ الظاهر حتى 30 مارس 2026، وهو يمنح العاملة:
- إجازة أمومة مدفوعة الأجر 120 يومًا للولادة الأولى
- 90 يومًا للولادة الثانية
- 75 يومًا للولادة الثالثة
- مع حظر فصل العاملة أثناء إجازة الأمومة
- ومنح فترتي رضاعةٍ يوميًّا وفق ما يقرره النص النافذ.
أما في إطار العاملات في الدولة، فما يزال المرسوم التشريعي رقم 35 لعام 2002 ظاهرًا في قواعد البيانات القانونية الدولية بوصفه مانحًا إجازة أمومة مدفوعة بالمدد نفسها، مع ساعة رضاعةٍ يوميًّا حتى يبلغ الطفل سنةً. وهذا يعني أن حماية الأمومة ليست فكرةً جديدةً في البنية القانونية السورية، لكنها تبقى مرتبطةً بنوع القطاع، وبشكل علاقة العمل، وبقابلية التنفيذ العملي.
لماذا تُعد هذه الحماية اقتصاديةً لا اجتماعيةً فقط؟
لأن أثرها المباشر يظهر في نقاطٍ مثل:
- قدرة المرأة على عدم فقدان دخلها فجأةً بعد الولادة
- إمكان العودة إلى العمل بدل الخروج القسري من السوق
- تقليل كلفة الانقطاع المهني
- تخفيف الضغط بين متطلبات الرعاية ومتطلبات الوظيفة
- تحسين الاستقرار الوظيفي ولو جزئيًّا
وفي اقتصادٍ منخفض المشاركة النسائية أصلًا، فإن أي عاملٍ يزيد أو يضعف بقاء النساء في العمل يصبح عاملًا اقتصاديًّا مهمًّا. وتؤكد البيانات الحديثة أن مشاركة النساء في سوق العمل السوري ما تزال عند مستوياتٍ منخفضةٍ جدًّا، ما يجعل بقاء المرأة في العمل بعد الأمومة مسألةً أكثر حساسيةً من بيئاتٍ أخرى.
هل النص القانوني وحده كافٍ؟
لا.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تُقال بوضوحٍ في المنصة. فوجود النص مهمٌّ، لكنه لا يعني بالضرورة:
- أن كل النساء يعملن ضمن علاقة عملٍ موثقةٍ
- أو أن كل أصحاب العمل يلتزمون بالنصوص على نحوٍ كاملٍ
- أو أن المرأة تملك دائمًا القدرة على المطالبة بحقها
- أو أن سوق العمل المنهك أصلًا يطبق الضمانات كما ينبغي
ولهذا فإن المسافة بين الحماية على الورق والحماية في الواقع تبقى مسألةً حاسمةً. وهذا منسجم مع تقارير حديثة تُظهر أن النساء في سوريا يواجهن عوائق تنفيذٍ عمليةً في حقوقهن الاقتصادية والمرتبطة بالوصول إلى الموارد والعدالة، لا سيما في البيئات الهشَّة وما بعد النزاع.
ما الذي تغيّر بعد 2024؟
بعد التحرير، حصل تطورٌ سياسيٌّ مهمٌّ عبر الإعلان الدستوري في مارس 2025، الذي أكد المساواة وعدم التمييز على أساس الجنس، وكفالة الدولة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمرأة. كما أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في مارس 2026 خطةً وطنيةً تشمل تمكين المرأة والحماية من العنف وتعزيز الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. لكن حتى مارس 2026، لا يمكن القول إن هذا التحول أنتج بعدُ نظامًا تشريعيًّا وتنفيذيًّا مكتملًا جديدًا في ملف الأمومة والعمل. الأدق أن نقول: هناك اتجاهٌ رسميٌّ داعمٌ، لكن النصوص الأساسية في العمل ما تزال قديمةً نسبيًّا، وفجوة التطبيق ما تزال قائمةً.
أين تظهر فجوة التطبيق أكثر؟
تظهر غالبًا في الحالات الآتية:
- العمل غير الموثق
- الأعمال الصغيرة وغير الرسمية
- العمل القائم على الاتفاقات الشفوية
- ضعف المتابعة الإدارية أو القانونية
- خشية بعض النساء من خسارة العمل أصلًا إذا طالبن بحقوقهن
- غياب الخدمات المساندة التي تجعل العودة إلى العمل ممكنةً عمليًّا
وهذا يعني أن الأمومة لا تُقرأ فقط من زاوية الإجازة القانونية، بل من زاوية بيئة العمل كلها.
ما الذي ينبغي الانتباه إليه عملياً؟
ينبغي للمرأة العاملة أو المقبلـة على عملٍ أن تنتبه إلى:
- طبيعة عقد العمل
- توثيق بدء العمل وشروطه
- طريقة حساب الأجر
- وضع الإجازات
- ما إذا كانت الجهة واضحةً في سياساتها تجاه الأمومة
- متى تحتاج إلى استشارةٍ قانونيةٍ متخصصةٍ إذا حصل نزاعٌ أو تعسفٌ
الخلاصة
الأمومة والعمل في سوريا ليسا ملفين منفصلين. فالحماية القانونية القائمة، سواء في القطاع الخاص أو لدى العاملات في الدولة، تملك أثرًا اقتصاديًّا مباشرًا على بقاء النساء في سوق العمل، واستقرار دخلهن، وإمكان استمرارهن المهني. لكن حتى مارس 2026، تبقى المشكلة الأساسية في فجوة التطبيق، وفي هشاشة بعض علاقات العمل، وفي بطء تحول الضمانات القانونية إلى واقعٍ عمليٍّ متماسكٍ بعد.