الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير في سوريا: فرصة اقتصادية ضمن مسار الاقتصاد الأخضر

بوابة الأعمال السورية | دمشق، مارس 2026
مع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية وارتفاع تكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات، بدأت مفاهيم الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير تكتسب أهمية متزايدة على مستوى العالم. ويقوم هذا النموذج الاقتصادي على فكرة أساسية تتمثل في تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد قدر الإمكان بدلاً من الاعتماد على نموذج الاقتصاد التقليدي القائم على الإنتاج والاستهلاك ثم التخلص من النفايات.
في السياق السوري، يبرز الاقتصاد الدائري كأحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة استخدام الموارد وخلق فرص اقتصادية جديدة، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد المحلي في مجالات الطاقة والمواد الأولية وإدارة النفايات.
ما هو الاقتصاد الدائري؟
يعتمد الاقتصاد الدائري على إعادة تصميم دورة الإنتاج والاستهلاك بحيث يتم:
- تقليل النفايات إلى الحد الأدنى
- إعادة استخدام المنتجات والمواد
- إعادة تدوير المخلفات وتحويلها إلى مواد أولية جديدة
- إطالة عمر المنتجات عبر الصيانة والإصلاح
وبذلك تتحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه في إنتاج سلع وخدمات جديدة.
واقع إعادة التدوير في سوريا
رغم محدودية البنية التحتية المتخصصة في إعادة التدوير، إلا أن سوريا تمتلك بالفعل نشاطاً اقتصادياً غير رسمي واسعاً في هذا المجال. ففي العديد من المدن، نشأت شبكات لجمع وفرز النفايات القابلة لإعادة التدوير مثل:
- البلاستيك
- المعادن
- الورق والكرتون
- الزجاج
وغالباً ما يتم جمع هذه المواد من قبل أفراد أو ورش صغيرة تقوم ببيعها إلى معامل أو ورش تقوم بإعادة معالجتها وتحويلها إلى مواد خام تدخل في صناعات مختلفة.
وقد أدى ارتفاع أسعار المواد الأولية خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة الاهتمام بهذا النشاط، مما جعله قطاعاً اقتصادياً قائماً بحد ذاته في بعض المناطق.
مجالات إعادة التدوير القابلة للتوسع
هناك عدة مجالات يمكن أن تشكل أساساً لتطوير قطاع الاقتصاد الدائري في سوريا، من أبرزها:
إعادة تدوير البلاستيك
يُعد البلاستيك من أكثر المواد القابلة لإعادة التدوير انتشاراً في السوق السوري، حيث يتم:
- جمع المخلفات البلاستيكية
- فرزها حسب النوع
- طحنها وتحويلها إلى حبيبات بلاستيكية
- استخدامها مجدداً في الصناعات البلاستيكية
ويمثل هذا المجال فرصة لتطوير مشاريع صناعية صغيرة ومتوسطة مرتبطة بإعادة التدوير.
إعادة تدوير المعادن
تشكل المعادن، وخاصة الحديد والألمنيوم، أحد أهم الموارد التي يتم إعادة تدويرها، حيث يتم جمع الخردة المعدنية وإعادة صهرها أو استخدامها في صناعات مختلفة.
ويكتسب هذا المجال أهمية اقتصادية خاصة بسبب ارتفاع أسعار المعادن عالمياً.
إعادة تدوير الورق والكرتون
يُستخدم الورق والكرتون المعاد تدويره في إنتاج:
- الكرتون الصناعي
- مواد التعبئة والتغليف
- بعض المنتجات الورقية
وهو قطاع يرتبط بشكل مباشر بنمو النشاط التجاري والصناعي.
إعادة استخدام المخلفات الزراعية
يمتلك القطاع الزراعي في سوريا إمكانات كبيرة ضمن الاقتصاد الدائري، حيث يمكن استخدام المخلفات الزراعية في:
- إنتاج الأسمدة العضوية
- إنتاج الطاقة الحيوية
- تصنيع بعض المنتجات الصناعية
وهو مجال ما يزال في مراحله الأولية لكنه يحمل إمكانات مهمة.
فرص اقتصادية في الاقتصاد الدائري
يمكن للاقتصاد الدائري أن يفتح المجال أمام عدة أنواع من المشاريع الاقتصادية في سوريا، مثل:
- شركات جمع وفرز النفايات القابلة لإعادة التدوير
- معامل إعادة تدوير البلاستيك والمعادن
- مشاريع إنتاج الأسمدة العضوية
- شركات متخصصة في إدارة النفايات الصناعية
كما يمكن أن يسهم هذا القطاع في خلق فرص عمل جديدة خاصة في مجالات الجمع والفرز والمعالجة الصناعية.
التحديات التي تواجه القطاع
رغم الفرص المتاحة، يواجه قطاع إعادة التدوير في سوريا عدة تحديات، منها:
- نقص البنية التحتية المتخصصة في إدارة النفايات
- محدودية الاستثمارات في هذا المجال
- ضعف أنظمة الفرز من المصدر
- الحاجة إلى تطوير الأطر التنظيمية الداعمة للاقتصاد الدائري
ومع ذلك، فإن تزايد الوعي البيئي وارتفاع تكاليف المواد الأولية قد يدفعان إلى زيادة الاهتمام بهذا القطاع خلال السنوات القادمة.
الاقتصاد الدائري كأحد محركات الاقتصاد الأخضر
يُعد الاقتصاد الدائري أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الأخضر، حيث يساهم في:
- تقليل الضغط على الموارد الطبيعية
- خفض التلوث البيئي
- تعزيز كفاءة استخدام المواد
- دعم الابتكار في مجالات الإنتاج المستدام
وفي الحالة السورية، يمكن أن يلعب هذا النموذج دوراً مهماً في تحويل بعض التحديات البيئية والاقتصادية إلى فرص استثمارية وتنموية.
خلاصة
رغم أن قطاع إعادة التدوير في سوريا ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات الفردية والأنشطة الصغيرة، إلا أنه يمثل نواة محتملة لتطوير نموذج الاقتصاد الدائري في المستقبل.
ومع تطور السياسات البيئية وزيادة الاهتمام بإدارة الموارد بشكل أكثر كفاءة، قد يتحول هذا المجال إلى قطاع اقتصادي منظم يوفر فرصاً استثمارية ويعزز مسار الاقتصاد الأخضر في سوريا.
وبالنسبة لمنصة بوابة الأعمال السورية، فإن متابعة تطورات الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير تمثل جزءاً مهماً من فهم التحولات الاقتصادية والبيئية التي يمكن أن تشهدها البلاد خلال السنوات القادمة.