الاقتصاد السوري بين محاولات التعافي وتحديات الواقع

بوابة الأعمال السورية | دمشق، 2026
شهد الاقتصاد السوري منذ مطلع كانون الأول 2025 سلسلة من التطورات اللافتة التي تعكس مزيجًا معقدًا من محاولات التعافي الحذر والتحديات البنيوية العميقة التي ما زالت تكبح أي نمو حقيقي ومستدام. ورغم أن المؤشرات لا ترقى إلى مرحلة الانتعاش الاقتصادي، إلا أنها تكشف عن حراك اقتصادي وسياسي متزايد له دلالات مهمة على المديين المتوسط والطويل.
تحركات دولية وإشارات انفتاح اقتصادي
من أبرز المستجدات خلال هذه الفترة إعلان بريطانيا عن قواعد جديدة للتجارة مع سوريا، في خطوة عكست تحولًا نسبيًا في المقاربة الغربية تجاه الاقتصاد السوري، خاصة مع الحديث المتزايد عن تخفيف بعض القيود والعقوبات. هذه الخطوة، وإن كانت محدودة التأثير الفوري، إلا أنها تحمل دلالة سياسية واقتصادية مهمة، مفادها أن الملف الاقتصادي السوري بدأ يعود تدريجيًا إلى طاولة النقاش الدولي، ولو من بوابة ضيقة وحذرة.
الاستقرار النقدي: تحسن شكلي أم هدنة مؤقتة؟
على الصعيد النقدي، لوحظ استقرار نسبي في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار خلال شهر كانون الأول 2025، وهو استقرار اعتبره بعض المراقبين مؤشرًا إيجابيًا على ضبط السوق، بينما يرى آخرون أنه استقرار هش ناتج عن إجراءات إدارية وتقييد السيولة أكثر من كونه نتيجة تحسن فعلي في الإنتاج أو الميزان التجاري. هذا الجدل يطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة السياسات النقدية الحالية على تحقيق استقرار مستدام دون إصلاحات اقتصادية أعمق.
العملة الجديدة: خطوة تقنية أم رهان سياسي؟
إعلان السلطات السورية عن طرح عملة وطنية جديدة مع بداية عام 2026 شكّل أحد أكثر الأخبار الاقتصادية إثارة للاهتمام. فالخطوة تهدف رسميًا إلى دعم الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالعملة المحلية، إلا أن نجاحها يبقى مرهونًا بعوامل تتجاوز الشكل النقدي، مثل ضبط التضخم، وتحسين الإنتاج، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي. فالتجارب الاقتصادية تشير إلى أن تغيير العملة بحد ذاته لا يكفي ما لم يُرفق بحزمة إصلاحات مالية وهيكلية واضحة.
الطاقة والغاز: رهان على قطاع حيوي
في قطاع الطاقة، أعلنت الحكومة عن خطط لمضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي بحلول عام 2026، في محاولة لمعالجة أزمة الطاقة المزمنة التي تعيق النشاط الصناعي والخدمي. ويُعد هذا التوجه من أكثر المسارات واقعية لدعم الاقتصاد، نظرًا للدور المحوري للطاقة في تحفيز الإنتاج، إلا أن نجاح هذه الخطط يعتمد على التمويل، والبنية التحتية، والاستقرار الأمني، إضافة إلى الشراكات الفنية.
الدعم الإقليمي: فرص مشروطة
إلى جانب ذلك، برزت مبادرات دعم تنموي من بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها قطر، التي أكدت التزامها بدعم مسار التعافي الاقتصادي في سوريا. هذا النوع من الدعم يحمل فرصًا مهمة، لكنه يبقى مشروطًا ببيئة استثمارية أكثر شفافية، وإطار قانوني واضح، وقدرة مؤسسات الدولة على إدارة الموارد بكفاءة.
خلاصة: اقتصاد في المنطقة الرمادية
يمكن القول إن الاقتصاد السوري يقف اليوم في منطقة رمادية بين الجمود والتعافي، حيث تظهر مؤشرات حراك وتحسن نسبي، لكنها لا تزال غير كافية لإحداث تحول حقيقي في الواقع المعيشي أو الإنتاجي. المرحلة المقبلة ستتطلب أكثر من إجراءات جزئية أو رسائل سياسية، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتربط الاستقرار النقدي بالإنتاج، والانفتاح الخارجي بإصلاح داخلي حقيقي.