التعافي الرقمي أم التعافي الحقيقي؟ قراءة في دلالات فائض الموازنة السورية لعام 2025

بوابة الأعمال السورية | دمشق، شباط 2026
أثار التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي حول الاقتصاد السوري نقاشاً واسعاً، بعد إشارته إلى تسجيل فائض في موازنة 2025 وتباطؤ في التضخم. غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل نحن أمام تعافٍ اقتصادي فعلي، أم أمام تحسن محاسبي في المؤشرات فقط؟
أولاً: طبيعة الفائض – نمو أم تقشف؟
الفائض المسجل لم يأتِ نتيجة طفرة إنتاجية أو توسع استثماري واسع، بل يعود بدرجة كبيرة إلى:
- تقليص الإنفاق العام
- رفع تدريجي للدعم عن قطاعات أساسية
- زيادة إيرادات بعض القطاعات، خصوصاً الطاقة
وهذا يطرح إشكالية الاستدامة؛ إذ إن الفائض الناتج عن تقليص النفقات يختلف جوهرياً عن الفائض الناتج عن توسع القاعدة الإنتاجية.
ثانياً: تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
من المهم التمييز بين:
- انخفاض التضخم
- وتباطؤ وتيرة ارتفاعه
ما يحدث حالياً هو تباطؤ في معدل الارتفاع، وليس تراجعاً فعلياً في مستويات الأسعار، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بضغط معيشي كبير رغم تحسن بعض المؤشرات الكلية.
ثالثاً: ضبط الكتلة النقدية وسعر الصرف
السياسة النقدية الحالية تبدو موجهة نحو:
- تجنب التوسع في الإصدار النقدي
- استبدال العملة التالفة دون زيادة الكتلة النقدية
- محاولة الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف
هذا النهج يعزز الاستقرار الاسمي للعملة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق نمو اقتصادي ما لم يترافق مع توسع إنتاجي حقيقي.
رابعاً: الاستثمار بين الربحية والتنمية
تشير المعطيات إلى أن الاستثمارات المتوقعة تميل نحو القطاعات ذات العائد السريع (خدمات، فنادق، مطارات)، بينما تبقى المشاريع التنموية طويلة الأمد (بنية تحتية، سدود، طرق) أقل جاذبية للمستثمرين في المرحلة الحالية.
وهنا تكمن معضلة المرحلة المقبلة:
هل سيكون التعافي موجهاً لتعظيم الربحية قصيرة الأجل، أم لإعادة بناء قاعدة تنموية مستدامة؟
خامساً: الإصلاح المؤسسي كشرط أساسي
برنامج الدعم الفني الممتد حتى 2030 يشير إلى إدراك بأن التعافي لا يمكن أن يتحقق دون:
- إصلاح إداري ومؤسسي
- تحديث الإطار التشريعي
- إعادة هيكلة القطاع المصرفي
- تعزيز الشفافية والحوكمة
فبدون إعادة بناء الهياكل المؤسسية، يصعب جذب استثمارات كبرى في قطاعات استراتيجية.
الخلاصة
المؤشرات الحالية تعكس بداية استقرار مالي نسبي، لكنها لا تعني بالضرورة انتقال الاقتصاد إلى مرحلة تعافٍ شامل.
يمكن وصف المرحلة الراهنة بأنها:
تعافٍ رقمي في المؤشرات الكلية
مقابل تعافٍ معيشي لم يتحقق بعد
المرحلة المقبلة ستتحدد بمدى قدرة السياسات الاقتصادية على الانتقال من ضبط الأرقام إلى تحفيز الإنتاج، ومن تقليص العجز إلى بناء قاعدة نمو مستدام.
المزيد من المقالات
راسلنا / اشترك بنشرتنا الإقتصادية