الجنسية والإرث والملكية في سوريا: لماذا تبقى هذه الملفات قانونياً واقتصادياً من أهم عوائق تمكين المرأة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
حين يُناقَش تمكين المرأة اقتصاديًّا، يذهب التفكير غالبًا إلى التدريب أو فرص العمل أو التمويل الصغير. لكن هناك ملفًّا أعمقَ من ذلك كلّه، وهو: هل تملك المرأة أصلًا أصولًا يمكن أن تبني عليها استقلالها الاقتصادي؟
ومن هنا تصبح ملفات الجنسية، والإرث، والملكية من أكثر الملفات حساسيةً، ليس قانونيًّا فقط، بل اقتصاديًّا أيضًا.
فالمرأة التي لا تستطيع الوصول إلى أصلٍ ورثته، أو لا تملك سيطرةً فعليةً على ملكيةٍ، أو تواجه عوائق قانونيةً أو اجتماعيةً في تثبيت حقها، لا تخسر “حقًّا نظريًّا” فقط، بل تخسر أيضًا:
- قاعدةً محتملةً للاستثمار
- ضمانةً محتملةً للتمويل
- مصدرًا للأمان الاقتصادي
- عنصرًا من عناصر الاستقلال في القرار والعمل
لماذا ترتبط هذه الملفات بالاقتصاد مباشرةً؟
لأن الأصول ليست شيئًا ثانويًّا في حياة الأفراد أو المشاريع.
فمن يملك أصلًا أو حقًّا ماليًّا واضحًا يكون أقدر على:
- بدء مشروعٍ
- الصمود في وجه الأزمات
- التفاوض داخل الأسرة أو السوق
- تمويل خطوةٍ أولى
- حماية نفسه من الهشاشة الاقتصادية
ولهذا لا يمكن فهم التمكين الاقتصادي للمرأة من دون فهم موقعها من الملكية والإرث.
ما الذي تغيّر بعد 2024؟
بعد التحرير، صدر الإعلان الدستوري في مارس 2025، ونصّ على المساواة أمام القانون وعدم التمييز على أساس الجنس، وعلى كفالة الدولة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة. هذا تطورٌ مهمٌّ سياسيًّا ودستوريًّا. لكن حتى مارس 2026، لا توجد أمامنا مؤشراتٌ كافيةٌ منشورةٌ على أن هذا التحول انعكس بعدُ في إصلاحاتٍ تشريعيةٍ شاملةٍ ومكتملةٍ في ملفات الجنسية والأحوال الشخصية والإرث والملكية. لذلك يجب أن نبقى دقيقين:
هناك سقفٌ دستوريٌّ جديدٌ أعلى، لكن كثيرًا من الملفات القانونية الأدنى ما تزال عمليًّا غير محسومةٍ إصلاحيًّا.
ماذا عن الجنسية؟
التقارير الحديثة ما تزال تشير إلى أن قانون الجنسية السوري لا يمنح المرأة مساواةً كاملةً مع الرجل في نقل الجنسية إلى أطفالها على نحوٍ مماثلٍ. وهذه ليست مسألةً رمزيةً فقط، بل تؤثر في الاستقرار القانوني للأسرة، والوصول إلى الخدمات، والقدرة على الحركة، وفرص العمل، وأحيانًا على التماسك الاقتصادي نفسه. وتبقي هذه القضية أحد أبرز أوجه التمييز القانوني المستمر حتى بعد التحول السياسي، في ظل غياب إصلاحٍ تشريعيٍّ نافذٍ منشورٍ يحسمها حتى مارس 2026.
ماذا عن الإرث؟
الإرث من أكثر الملفات التي تكشف الفجوة بين الحق القانوني أو النظري وبين الوصول الفعلي.
فحتى حين يوجد للمرأة حقٌّ في الإرث، قد تعيق الوصول إليه عوامل مثل:
- الضغط الأسري
- الأعراف الاجتماعية
- الخشية من النزاع
- ضعف المعرفة بالحق
- تعقيد المسار الإجرائي
- صعوبة التوثيق أو المطالبة
وقد بيّنت دراسةٌ حديثةٌ صادرة عن UNDP حول حقوق النساء في الإرث في سوريا أن النساء يواجهن عوائق سلوكيةً واجتماعيةً وإجرائيةً تمنع الوصول الفعلي إلى الإرث، وأن هذا الملف ليس قانونًا مجردًا، بل يرتبط بعلاقات القوة داخل الأسرة والمجتمع.
لماذا تهم الملكية عملياً؟
لأن الملكية ليست فقط “اسمًا في ورقةٍ”، بل قد تكون:
- أرضًا
- عقارًا
- أصلًا إنتاجيًّا
- ضمانةً
- موردًا يخفف هشاشة الأسرة
- قاعدةً لبناء نشاطٍ اقتصاديٍّ أو مشروعٍ صغيرٍ
وحين تضعف قدرة المرأة على الوصول إلى الملكية أو التحكم بها أو الاستفادة الاقتصادية منها، فإن ذلك ينعكس مباشرةً على فرصها في العمل والتمويل والاستقلال. وتؤكد UNDP في سوريا أن ملكية النساء وحقوقهن في الوصول إلى الفرص الاقتصادية آخذةٌ في التراجع، وهو ما يجعل هذا الملف جزءًا أساسيًّا من أي حديثٍ جادٍّ عن المرأة في الاقتصاد.
لماذا لا يكفي الحديث عن “الحقوق” وحدها؟
لأن المشكلة في سوريا اليوم مركبةٌ:
- جزءٌ منها نصوصٌ قانونيةٌ ما تزال تمييزيةً أو غير محدثةٍ
- جزءٌ منها ممارساتٌ اجتماعيةٌ تضغط على النساء للتنازل أو السكوت
- جزءٌ منها ضعفٌ في الوصول إلى العدالة أو الإجراءات
- وجزءٌ منها اقتصاديٌّ بحتٌ يتعلق بضعف البدائل وارتفاع كلفة النزاع
ولهذا فإن أي مادةٍ في هذا التصنيف يجب أن تشرح أن العائق الاقتصادي لا ينفصل عن البيئة القانونية والاجتماعية المحيطة به.
ما الذي ينبغي أن تعرفه المرأة أو الأسرة أو صاحب المبادرة؟
ينبغي الانتباه إلى أن:
- الملكية والإرث ليسا ملفين ثانويين
- ضعف الوصول إلى الأصل قد يعني ضعفًا في الاستقلال الاقتصادي
- بعض القضايا تحتاج استشارةً قانونيةً متخصصةً مبكرةً
- التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يكتمل إذا بقيت المرأة ضعيفة الوصول إلى الأصول والحقوق المالية
الخلاصة
حتى مارس 2026، تبقى ملفات الجنسية، والإرث، والملكية من أهم العوائق القانونية والاقتصادية أمام التمكين الاقتصادي للمرأة في سوريا. فالإعلان الدستوري الجديد مهمٌّ، لكنه لم يتحول بعدُ إلى إصلاحٍ شاملٍ مكتملٍ في هذه الملفات، بينما تظلّ فجوة التطبيق، والضغوط الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى الحق، من العوامل التي تجعل هذه القضايا اقتصاديةً بقدر ما هي قانونيةٌ. ولهذا فإن أي حديثٍ جادٍّ عن المرأة في الاقتصاد السوري لا يجوز أن يتجاوز هذه الطبقة العميقة من المشكلات.