حذف الأصفار من العملة: دروس من تجارب دولية ناجحة وأخرى متعثّرة

دمشق – بوابة الأعمال السورية | أيلول 2025
مع إعلان سوريا نيتها تنفيذ إصلاح نقدي يشمل حذف صفرين من الليرة، تعود إلى الواجهة تجارب اقتصادية عديدة خاضتها دول حول العالم خلال العقود الأخيرة، سعيًا منها لإعادة الثقة بعملتها الوطنية أو السيطرة على التضخم.
لكن النتيجة لم تكن واحدة دائمًا — إذ نجحت بعض الدول في تحويل هذه الخطوة إلى إصلاح فعلي طويل الأمد، بينما تحوّلت في دول أخرى إلى حلّ شكلي قصير الأثر.
تركيا: نموذج الإصلاح الشامل خلف نجاح حذف الأصفار
في عام 2005، أطلقت تركيا عملية إصدار “الليرة التركية الجديدة”، بعد حذف ستة أصفار من العملة القديمة التي كانت قد فقدت قيمتها نتيجة تضخم تجاوز 70% خلال التسعينات.
لكن نجاح التجربة التركية لم يكن بسبب حذف الأصفار بحد ذاته، بل نتيجة برنامج اقتصادي متكامل شمل:
- إصلاحات مالية صارمة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي؛
- ضبط الإنفاق العام وتحقيق فائض أولي في الميزانية؛
- استقلال فعلي للبنك المركزي؛
- بيئة سياسية مستقرة نسبيًا دعمت ثقة المستثمرين.
وخلال ثلاث سنوات فقط، تمكنت تركيا من استعادة استقرار أسعارها، وانخفض التضخم إلى أقل من 10%، وأصبحت الليرة التركية عملة مقبولة في التعاملات الإقليمية والدولية.
البرازيل: تكرار التجربة أكثر من مرة حتى النجاح
خاضت البرازيل سلسلة طويلة من عمليات حذف الأصفار — أكثر من ست مرات بين 1967 و1994 — نتيجة تضخم مفرط تجاوز 2000%.
لكن الاستقرار الحقيقي لم يتحقق إلا بعد إطلاق خطة “الريال” عام 1994، التي جمعت بين إصلاح نقدي وهيكلي متكامل تضمن:
- ربط مؤقت بين الأجور والأسعار لوقف دوامة التضخم؛
- سياسة نقدية متشددة وتحكم بالكتلة النقدية؛
- استقلال البنك المركزي تدريجيًا؛
- تحفيز الصادرات والقطاع الصناعي لزيادة الإنتاج الحقيقي.
وهكذا، تحولت البرازيل من واحدة من أكثر الاقتصادات تضخمًا في العالم إلى اقتصاد مستقر ومتنامٍ خلال أقل من عقد.
الأرجنتين: الإصلاح النقدي بلا قاعدة إنتاجية
في المقابل، تُعتبر الأرجنتين مثالًا على فشل إصلاح حذف الأصفار عندما يُنفّذ بمعزل عن إصلاحات حقيقية.
ففي عام 1992، أطلقت الحكومة نظام “البيزو الجديد” بربطه بالدولار بنسبة 1:1، لكنها لم تنفذ إصلاحات هيكلية في الإنتاج والضرائب.
نتيجة ذلك، أصبح الاقتصاد الأرجنتيني يعتمد على الاقتراض الخارجي لتثبيت سعر الصرف، مما أدى لاحقًا إلى انهيار شامل في 2001، وفقدت العملة قيمتها مجددًا.
الدرس من التجربة الأرجنتينية أن الاستقرار النقدي لا يمكن فرضه بالقوة، بل يجب أن يكون نتيجة لنشاط إنتاجي وتمويلي حقيقي.
زيمبابوي: المبالغة في الطباعة وانهيار الثقة
من أسوأ الأمثلة على فشل الإصلاح النقدي تجربة زيمبابوي في عام 2008، عندما تجاوز التضخم السنوي فيها 79.6 مليار بالمئة.
قامت الحكومة بحذف أصفار على مراحل — 3 ثم 6 ثم 12 صفرًا — لكن دون أي إصلاح حقيقي في الاقتصاد أو في حجم الكتلة النقدية.
وفي النهاية، ألغت الدولة عملتها كليًا واعتمدت الدولار الأمريكي كعملة متداولة.
هذه التجربة تبرز أن العملة تفقد قيمتها حين تفقد الدولة ثقة مواطنيها وسوقها الداخلي، مهما تغيّر شكلها أو قيمتها الاسمية.
مصر: تجربة تدريجية في ضبط النقد دون حذف أصفار
على عكس هذه التجارب، اختارت مصر نهجًا مختلفًا عبر الإصلاح النقدي التدريجي منذ عام 2016، من خلال تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم والسياسة المالية، دون اللجوء لحذف الأصفار.
ورغم التحديات الاجتماعية التي رافقت القرار، إلا أن التجربة المصرية تُظهر أن ضبط السياسة النقدية يمكن أن يتحقق دون تعديل شكلي للعملة، إذا توفرت الانضباط المالي والإنتاجي الكافي.
دروس مستخلصة لسوريا
من خلال المقارنة، يمكن تلخيص أهم الدروس التي تستفيد منها سوريا في تجربتها المقبلة:
- 🔹 حذف الأصفار ليس حلاً بحد ذاته، بل أداة ضمن حزمة إصلاحات متكاملة.
- 🔹 الاستقرار السياسي والمالي شرط أساسي لنجاح أي إصلاح نقدي.
- 🔹 الإنتاج المحلي الحقيقي هو الضامن الوحيد لاستدامة قيمة العملة.
- 🔹 التواصل والشفافية مع المواطنين والمستثمرين يحدّان من الارتباك النفسي والسوقي خلال الانتقال.
- 🔹 التدرج والواقعية أهم من السرعة في التنفيذ.
🟩 خلاصة
التجارب الدولية تؤكد أن حذف الأصفار يمكن أن يكون بداية جديدة لاقتصاد مضطرب — أو علامة فشل جديدة إذا لم ترافقه إصلاحات أعمق.
ولذلك، فإن نجاح التجربة السورية المقبلة سيعتمد على مدى قدرتها على ربط الإصلاح النقدي بإصلاح مالي وإنتاجي شامل، يوازن بين الرمزية النقدية والجدوى الاقتصادية الحقيقية.