حذف صفرين من الليرة السورية: خطوة إصلاحية بين الضرورة والتحديات

دمشق – بوابة الأعمال السورية | أيلول 2025
في واحدة من أكثر الخطوات الاقتصادية جرأة منذ عقدين، أعلنت مصادر في مصرف سوريا المركزي عن بدء التحضيرات لإطلاق إصدار نقدي جديد يتضمن حذف صفرين من العملة السورية، في إطار خطة إصلاح نقدي تهدف إلى إعادة الثقة بالليرة السورية وتسهيل التعاملات المالية اليومية.
ومن المقرر أن يبدأ تداول الأوراق الجديدة في ديسمبر القادم، مع فترة انتقالية يجري خلالها التعامل بالنسختين القديمة والجديدة معًا.
لماذا الآن؟ خلفيات القرار النقدي
منذ سنوات، تشهد الليرة السورية تراجعًا كبيرًا في قيمتها الشرائية نتيجة التضخم المزمن وضعف الإنتاج المحلي وتراجع التدفقات الخارجية.
وقد أدّى ذلك إلى تعقيد العمليات المحاسبية اليومية، وارتفاع أسعار السلع إلى أرقام يصعب التعامل معها نقدًا.
فمثلًا، أصبحت أسعار بعض المنتجات تتجاوز مئات آلاف الليرات، ما جعل عملية التسعير والعمليات البنكية مرهقة على المستهلكين والتجار والمصارف على حد سواء.
من هنا، يسعى المصرف المركزي إلى تبسيط النظام النقدي وإعادة تنظيم وحدات العملة لتواكب التغيرات الاقتصادية، بما يشبه التجارب التي قامت بها دول مثل تركيا عام 2005، وروسيا في التسعينات، ومصر في مراحل إصلاحها النقدي.
أهداف الإصلاح النقدي
بحسب التصريحات الرسمية، تهدف الخطوة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية، أهمها:
- إعادة الثقة بالعملة الوطنية، وإظهار جدية الحكومة في معالجة التشوهات النقدية.
- تبسيط التعاملات المحاسبية والمصرفية، وتسهيل التسعير في الأسواق.
- تحسين مظهر العملة السورية محليًا وخارجيًا، بما يعزز من مكانتها ورمزيتها.
- تهيئة الأرضية لإصلاحات أوسع في السياسة المالية والقطاع المصرفي خلال المرحلة المقبلة.
التفاصيل التنفيذية المتوقعة
تشير المعطيات إلى أن المصرف المركزي السوري وجّه دعوات إلى شركات طباعة نقد عالمية لتقديم عروض لتصميم وطباعة الأوراق الجديدة، مع الالتزام بأعلى معايير الأمان والتقنيات الحديثة.
كما أكّد الحاكم عبد القادر الحصرية أن عملية الإطلاق ستكون تدريجية ومنضبطة، بحيث لا يتم ضخ كميات كبيرة من النقد دفعة واحدة لتجنب أي أثر تضخمي.
وسيتم اعتماد آلية التبديل المرحلي للأوراق القديمة، حيث سيُسمح للمواطنين بإيداع أو استبدال النقد القديم في المصارف خلال فترة محددة، مع حملة توعية واسعة لشرح آلية التعامل بالعملة الجديدة وأسعار التحويل بين النظامين القديم والجديد.
التحديات المحتملة
رغم الطابع الإصلاحي للقرار، إلا أن التحديات عديدة ومعقدة، ومن أبرزها:
- استمرار التضخم وغياب الاستقرار السعري، ما قد يُضعف من أثر الإصلاح النقدي ما لم يُرافقه ضبط مالي فعّال.
- ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، إذ قد يتردد المواطنون في إيداع أموالهم خشية القيود على السحب والتحويل.
- غياب إصلاحات موازية في السياسة الإنتاجية والتجارية، والتي تُعدّ شرطًا أساسيًا لنجاح أي عملية إصلاح نقدي.
- إدارة الفجوة النفسية والسوقية بين الليرة القديمة والجديدة، إذ قد يؤدي الارتباك إلى ظهور سوق موازية مؤقتة أو استغلال تجاري.
انعكاسات محتملة على الاقتصاد الكلي
إذا نُفّذت الخطة بنجاح، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في الأسعار والمعاملات المالية، وتدعم قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات وإعادة الثقة بالنظام المالي السوري.
لكن النجاح الحقيقي سيعتمد على مدى تزامن الإصلاح النقدي مع إصلاحات هيكلية أوسع تشمل ضبط العجز المالي، دعم الإنتاج المحلي، وتنشيط بيئة الأعمال.
في المقابل، فإن أي تأخير في الإصلاحات الاقتصادية المساندة قد يجعل هذه الخطوة رمزية أكثر منها عملية، خصوصًا إذا استمر التدهور في القدرة الشرائية للمواطن أو ارتفعت الأسعار مجددًا نتيجة ضعف العرض المحلي.
خاتمة: بين الرمز الاقتصادي والواقع المعيشي
إن حذف الصفرين من العملة السورية يمثل إشارة سياسية واقتصادية في آنٍ واحد — مفادها أن الدولة ماضية في معالجة التشوهات البنيوية في اقتصادها، ولو بخطوات تدريجية.
لكن يبقى السؤال الأهم:
هل تكفي هذه الخطوة وحدها لإعادة الثقة بالاقتصاد السوري، أم أنها مجرد بداية لمسار إصلاحي طويل يحتاج إلى رؤية شاملة وإرادة تنفيذية جادة؟