حقوق المرأة العاملة في القطاع الخاص في سوريا: ما الذي يقرره قانون العمل النافذ اليوم؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
حين يُطرح موضوع المرأة في الاقتصاد السوري، يذهب الحديث غالبًا إلى التمكين أو التدريب أو فرص العمل، لكن هناك طبقةً أساسيَّةً لا يجوز تجاوزها، وهي: ما الذي يقرره القانون النافذ أصلًا للمرأة العاملة؟
فالمعرفة القانونية الأوليَّة ليست تفصيلًا ثانويًّا، بل جزءٌ من حماية الدخل، واستقرار العمل، وتقليل المخاطر، وفهم ما يمكن المطالبة به داخل علاقة العمل.
وحتى 30 مارس 2026، فإن الإطار القانوني الظاهر والنافذ الذي يحكم عمل المرأة في القطاع الخاص في سوريا ما يزال هو قانون العمل رقم 17 لعام 2010، مع وجود نقاشاتٍ وتصريحاتٍ رسميةٍ عن تعديل القانون، لكن من دون ظهور نصٍّ شاملٍ نافذٍ منشورٍ يثبت دخول تعديل جديد حيّز التنفيذ حتى هذا التاريخ. وقد أكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في فبراير 2026 أن قانون العمل رقم 17 لعام 2010 ما يزال الإطار الأساسي المنظم لعلاقات العمل في القطاع الخاص، وأن التعديلات ما تزال قيد الدراسة والمناقشة.
لماذا تهم هذه المادة اقتصادياً؟
لأن ضعف معرفة المرأة العاملة بحقوقها الأساسية قد يؤدي إلى:
- قبول شروطٍ أقلَّ من الحد المعقول
- خسارة دخلٍ أو فرصة عملٍ بسبب جهلٍ بالنصوص
- ضعف القدرة على التفاوض أو الاعتراض
- الخلط بين ما هو “عرفٌ شائعٌ” وما هو “حقٌّ قانونيٌّ”
وفي سوقٍ يعاني أصلًا من هشاشةٍ عاليةٍ، وانخفاضٍ في مشاركة النساء الاقتصادية، تصبح هذه المعرفة أكثر أهميةً لا أقل. فمعدل مشاركة النساء في القوى العاملة في سوريا بقي منخفضًا جدًّا في أحدث البيانات المتاحة، عند نحو 13.34% في 2024، ما يجعل كل مسألةٍ تمسّ بقاء المرأة في العمل أو خروجها منه مسألةً اقتصاديَّةً مباشرةً.
ما الحقوق الأساسية التي ينبغي الانتباه إليها؟
قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 يتضمن أبوابًا وموادَّ تتصل بعمل النساء، والإجازات، وحماية الأمومة، وبعض الضوابط المرتبطة بظروف العمل. ومن أهم ما يهم المرأة العاملة اقتصاديًّا في هذا القانون:
1) إجازة الأمومة
ينص قانون العمل النافذ على إجازة أمومة مدفوعة الأجر بمدد مختلفة بحسب ترتيب الولادة:
- 120 يومًا للولادة الأولى
- 90 يومًا للولادة الثانية
- 75 يومًا للولادة الثالثة
وهذه ليست مسألةً اجتماعيةً فقط، بل مسألةٌ تؤثر مباشرةً في استقرار المرأة في العمل، وفي قرارها بالبقاء في الوظيفة أو العودة إليها بعد الولادة.
2) الحماية من الفصل أثناء إجازة الأمومة
يحظر القانون فصل العاملة أثناء تمتعها بإجازة الأمومة، وهو عنصرٌ مهمٌّ لأن كثيرًا من هشاشة عمل النساء تبدأ حين تتحول الأمومة إلى سببٍ لفقدان الوظيفة أو لتراجع الأمان المهني. وجود النص لا يحلّ كل شيءٍ، لكنه يشكل حمايةً قانونيةً أساسيةً يجب معرفتها.
3) فترات الرضاعة
يمنح القانون العاملة بعد الولادة فترتي رضاعةٍ يوميًّا خلال مدةٍ محددةٍ في النص النافذ، وهو ما يرتبط عمليًّا بقدرتها على الاستمرار في العمل بعد العودة، لا بمجرد التمتع بحقٍّ شكليٍّ. وهذه النقطة مهمَّةٌ خصوصًا في بيئات العمل التي تميل إلى تجاهل التفاصيل الصغيرة ذات الأثر الكبير على بقاء النساء في الوظائف.
4) مبدأ الأجر عن العمل المتساوي
الإطار القانوني السوري في العمل يتجه، في صيغته العامة، إلى عدم التمييز في الأجر عند تساوي العمل. لكن القيمة العمليَّة هنا لا تقف عند النص، بل تتعلق بالقدرة على الإثبات، وطبيعة العقود، ووضوح العلاقة التعاقدية، ومدى انتظام سوق العمل نفسه. ولهذا فإن معرفة الحق وحدها لا تكفي دائمًا إذا كان العمل أصلاً غير موثقٍ أو غير مستقرٍّ.
هل تغيّر كل شيءٍ بعد التحرير؟
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حصل تحولٌ سياسيٌّ ودستوريٌّ مهمٌّ، أبرزُه صدور الإعلان الدستوري في مارس 2025، الذي نصّ على المساواة أمام القانون، وعدم التمييز على أساس الجنس، وكفالة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة. لكن هذا التطور، على أهميته، لا يعني أن كل القوانين الأدنى رتبةً عُدّلت تلقائيًّا أو أن التطبيق العملي أصبح متوافقًا بالكامل مع هذا الإعلان. لذلك من الأدق أن نقول:
هناك تحوّلٌ دستوريٌّ وسياسيٌّ مهمٌّ، لكن قانون العمل النافذ الظاهر ما يزال هو 17/2010 حتى مارس 2026، مع اتجاهٍ رسميٍّ لتحديثه لا أكثر.
أين تبقى المشكلة عملياً؟
المشكلة في سوريا اليوم ليست في النص وحده، بل في:
- ضعف توثيق بعض علاقات العمل
- اتساع العمل غير النظامي
- ضعف قدرة بعض العاملات على المطالبة بحقوقهن
- تفاوت الالتزام بين جهةٍ وأخرى
- نقص المعرفة القانونية الأولية
ولهذا فإن أي حديثٍ عن “حقوق المرأة العاملة” يجب أن يبقى مرتبطًا بفكرة التطبيق، لا بالنصوص المجردة فقط. وهذا ينسجم أيضًا مع التقارير الحديثة التي تشير إلى أن النساء يواجهن عوائق عمليةً في الوصول إلى حقوقهن الاقتصادية حتى حين توجد نصوص أو ضمانات على الورق.
ما الذي ينبغي أن تعرفه المرأة العاملة أو صاحبة العمل؟
إذا كانت المرأة تعمل في القطاع الخاص، فمن المهم أن تنتبه إلى:
- وجود عقدٍ واضحٍ قدر الإمكان
- طبيعة الأجر وآلية دفعه
- وضع الإجازات
- ما إذا كانت علاقة العمل موثقةً أم لا
- ما الذي يترتب على الأمومة في العمل
- متى تحتاج إلى مراجعةٍ قانونيةٍ متخصصةٍ، لا مجرد معلومةٍ عامةٍ
الخلاصة
حتى مارس 2026، يبقى قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 هو المرجع القانوني النافذ الظاهر لحقوق المرأة العاملة في القطاع الخاص، مع وجود نقاشاتٍ رسميةٍ حول تعديله من دون اكتمال تعديلٍ شاملٍ نافذٍ بعد. وأهم ما يجب فهمه هنا ليس فقط وجود إجازة أمومةٍ وحمايةٍ من الفصل وفترات رضاعةٍ وبعض ضمانات عدم التمييز، بل أن هذه الحقوق تملك أثرًا اقتصاديًّا مباشرًا على بقاء المرأة في سوق العمل واستقرارها المهني وقدرتها على التفاوض والدفاع عن دخلها.