دراسة جدوى مبدئية لمشروع طاقة شمسية صناعية أو خدمية في سوريا

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
تقرير استثماري أولي لمشروع نظام كهروضوئي يخدم منشأة إنتاجية أو خدمية
يُعد مشروع الطاقة الشمسية الموجهة لخدمة منشأة صناعية أو خدمية من المشاريع القابلة للدفاع عنها استثمارياً في سوريا حالياً، ليس فقط بسبب التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، بل لأن تكلفة واستقرار الكهرباء ما زالا من أبرز التحديات التشغيلية التي يذكرها الصناعيون السوريون بشكل مباشر. في مدينة حسياء الصناعية مثلاً، طالبت منشآت البلاستيك في مايو 2025 بالحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية وتخفيض سعر الكهرباء، كما أشار مدير المدينة إلى وجود مشاريع واعدة لتوفير الكهرباء عبر الطاقات الشمسية والريحية لتخفيف تكاليف الإنتاج.
وتعزز هذا الاتجاه مؤشرات رسمية أخرى. فوزارة الكهرباء وقّعت في 2 يونيو 2025 مذكرة تفاهم لإقامة مشروعين شمسيين باستطاعة 170 ميغاواط في ريفي حماة ودمشق، كما نشرت ضمن فرصها ومشاريعها مشروع محطة الشيخ نجار الكهروضوئية في المدينة الصناعية بحلب باستطاعة 33 ميغاواط، ما يؤكد أن الطاقة الشمسية لم تعد فكرة هامشية، بل جزءاً من مسار الاستثمار الكهربائي والصناعي في سوريا. كما وقّعت وزارة الكهرباء في 1 يوليو 2025 مذكرة لإنشاء محطتين شمسيّتين إضافيتين، إحداهما 100 ميغاواط من دون بطاريات والأخرى 100 ميغاواط مع بطاريات.
ومن الناحية التنظيمية، وافق مجلس الوزراء في أكتوبر 2024 على تعديل القرار الناظم لتعرفة التغذية الخاصة بشراء الكهرباء من مصادر الطاقات المتجددة، وهو ما يعطي أساساً تنظيمياً إضافياً للمشاريع المرتبطة بالطاقة الشمسية. كذلك ما زالت وزارة الكهرباء تعرض تعرفة بيع الكهرباء لبعض المشتركين الصناعيين والخدميين، ومنها حالات الإعفاء الكامل أو الجزئي من التقنين مقابل تعرفة محددة، ما يجعل تكلفة الكهرباء بنداً قابلاً للمقارنة داخل أي دراسة جدوى لمشروع شمسي مخصص لمنشأة إنتاجية أو خدمية.
أولاً: تعريف المشروع
المشروع المقترح ليس محطة استثمارية ضخمة لبيع الكهرباء إلى الشبكة، بل نظام طاقة شمسية كهروضوئي يخدم منشأة صناعية أو خدمية قائمة أو جديدة، بهدف تخفيض فاتورة الكهرباء، وتحسين استقرار التشغيل، وتقليل الاعتماد على مصادر الكهرباء التقليدية أو التعرفة الأعلى أو الانقطاعات المؤثرة على الإنتاج.
والصيغتان الأكثر منطقية في السوق السوري الحالي هما:
- نظام شمسي مرتبط بمنشأة صناعية داخل مدينة صناعية أو منطقة إنتاجية، لتغطية جزء من الاستهلاك النهاري.
- نظام شمسي لمنشأة خدمية أو إنتاجية متوسطة تحتاج استهلاكاً مستقراً نهارياً، مثل منشآت غذائية، أو تبريد، أو ضخ، أو خدمات تشغيلية متكررة.
هذا التحديد مهم، لأن الجدوى هنا لا تقوم على بيع الكهرباء فقط، بل على خفض كلفة التشغيل وتحسين انتظام الخدمة.
ثانياً: لماذا يبدو المشروع مناسباً حالياً في سوريا؟
السبب الأول هو وضوح الحاجة التشغيلية. الأخبار الرسمية المرتبطة بالمدن الصناعية خلال 2025 أظهرت أن موضوع الكهرباء حاضر بقوة في مطالب الصناعيين في البلاستيك والنسيج وغيرهما، سواء في حسياء أو في بيئات صناعية أخرى. وعندما يربط مدير مدينة صناعية بين مشاريع الطاقة الشمسية والريحية وبين تخفيف تكاليف الإنتاج، فهذا يجعل الطاقة الشمسية مشروعاً وظيفياً يخدم الصناعة مباشرة، لا مجرد خيار بيئي.
السبب الثاني هو وجود توجه رسمي واستثماري واضح نحو الطاقة المتجددة. فالمشروعات الشمسية الكبيرة التي أعلنتها وزارة الكهرباء خلال 2025، إضافة إلى مشروع الشيخ نجار الكهروضوئي، تدل على أن هذا المسار يحظى بدعم حكومي واستثماري فعلي. كما أن وزارة الكهرباء وصفت 2024 بأنه عام الاستثمار في الطاقات المتجددة، وخاصة الكهروضوئية والريحية، ضمن مؤتمر الاستثمار في الطاقة المتجددة.
السبب الثالث هو البعد الصناعي المباشر للمشروع. فهذه ليست دراسة لمزرعة شمسية مستقلة فقط، بل لمشروع يخدم منشأة إنتاجية أو خدمية، أي أن مصدر القيمة هنا يأتي من:
- تخفيض فاتورة الطاقة
- تقليل الخسائر التشغيلية
- رفع استقرار ساعات العمل
- تحسين القدرة التنافسية للمنشأة
ثالثاً: السوق المستهدف
السوق المستهدف في هذه الدراسة ليس الجمهور الواسع، بل المنشآت التي تعاني من عبء الطاقة أو تحتاج انتظاماً أعلى في التشغيل. ويشمل ذلك بشكل خاص:
- المنشآت الصناعية داخل المدن الصناعية أو محيطها
- المنشآت الغذائية أو التبريدية أو التعبوية
- منشآت ضخ المياه أو الخدمات التي تعمل نهاراً بكثافة
- الورش أو المعامل المتوسطة التي تكون فاتورة الكهرباء فيها بنداً مؤثراً على الربحية
هذا السوق يبدو منطقياً لأن الأخبار الرسمية نفسها نقلت مطالب الصناعيين بتخفيف أعباء الكهرباء، وسهولة الموافقات للطاقة الشمسية، ودعم الألواح لمحطات ضخ المياه داخل المدن الصناعية.
رابعاً: الموقع المقترح
الموقع الأنسب لهذا المشروع ليس “محافظة بعينها” فقط، بل منشأة أو بيئة تشغيلية ذات استهلاك نهاري واضح ومساحة مناسبة للتركيب. لكن من حيث البيئة العامة، تبدو المدن الصناعية أو المناطق الصناعية المنظمة مثل:
- الشيخ نجار في حلب
- حسياء في حمص
- عدرا الصناعية
أماكن منطقية لوجود طلب فعلي، لأن الكهرباء عنصر شاغل فيها ولأن وزارة الكهرباء نفسها تعرض مشروع الشيخ نجار الكهروضوئي ضمن مشاريعها، كما أن إدارة حسياء تتحدث عن مشاريع شمسية وريحية لتخفيف تكاليف الإنتاج.
خامساً: النموذج التشغيلي المقترح
النموذج الأنسب للدراسة المبدئية هو نظام شمسي يغطي جزءاً من استهلاك المنشأة، لا كامل استهلاكها بالضرورة. والسبب أن البدء بحجم يغطي الأحمال النهارية الأساسية يكون غالباً أكثر واقعية من استهداف الاستقلال الكامل من البداية.
ويعتمد النموذج على:
- ألواح شمسية كهروضوئية
- عواكس وربط داخلي بالمنشأة
- هيكل تثبيت وسطح أو مساحة أرضية مناسبة
- نظام مراقبة وتشغيل
- بطاريات فقط إذا كانت طبيعة الحمل أو السيناريو الاقتصادي يبرران ذلك
ومن المهم الإشارة إلى أن وزارة الكهرباء تحدثت في إحدى اتفاقيات 2025 عن مشروع شمسي ببطاريات ومشروع آخر من دون بطاريات، ما يؤكد أن خيار التخزين ليس دائماً شرطاً لازماً، بل قراراً اقتصادياً وتشغيلياً.
سادساً: الإيراد أو القيمة الاقتصادية للمشروع
في هذا النوع من المشاريع، لا يُقاس “الإيراد” دائماً كمبيعات كهرباء مباشرة، بل غالباً كواحد أو أكثر من العناصر التالية:
- وفر في فاتورة الكهرباء
- خفض كلفة الكيلوواط المستهلك داخلياً
- تقليل أثر التعرفة الأعلى أو انقطاعات التشغيل
- تقليل الاعتماد على مصادر بديلة مرتفعة الكلفة
- رفع جاهزية المنشأة للإنتاج المنتظم
أما إذا كانت صيغة المشروع تسمح بالاستفادة من آليات تنظيمية تتعلق بتعرفة التغذية أو بيع الفائض أو الترتيبات الخاصة بالطاقة المتجددة، فيجب دراسة ذلك لاحقاً بشكل تنفيذي وفق القرار المنظم وتطبيقاته العملية. والمرجع الرسمي هنا هو تعديل قرار تعرفة التغذية الذي أُقر في أكتوبر 2024.
سابعاً: التكاليف الاستثمارية والتشغيلية
تقدير مبدئي بنطاقات لا بأرقام جامدة
لا أوصي هنا بوضع أرقام نهائية من دون:
- عروض أسعار فعلية للألواح والعواكس والهياكل
- تحديد قدرة النظام المطلوبة
- معرفة نمط استهلاك المنشأة
- معرفة الموقع وطريقة التركيب
- معرفة ما إذا كانت بطاريات التخزين مطلوبة أم لا
لكن البنود الرئيسية للتكلفة تشمل:
التكاليف التأسيسية
- الألواح الشمسية
- العواكس
- الهياكل وقواعد التثبيت
- الكابلات ولوحات الربط والحماية
- أعمال التركيب والتنفيذ
- أنظمة المراقبة
- أعمال مدنية أو دعم إنشائي إن لزم
- بطاريات التخزين إذا اختيرت
- التراخيص أو الموافقات أو الدراسات الفنية الأولية
التكاليف التشغيلية
- الصيانة الدورية
- التنظيف
- استبدال بعض القطع على المدى الزمني
- مراقبة الأداء
- تكلفة التمويل إن وجدت
المشروع يمتاز هنا بأن تكاليفه التشغيلية عادة أقل نسبياً من مشاريع صناعية تحويلية، لكن دقته المالية تعتمد بشدة على جودة التقدير الأولي وكفاءة التنفيذ.
ثامناً: أثر التعرفة الكهربائية على الجدوى
الجدوى في هذا المشروع لا تُفهم من دون مقارنة مع كلفة الكهرباء الحالية أو البديلة على المنشأة. وزارة الكهرباء نشرت تعرفة لمشتركين من القطاعين الصناعي والسياحي مقابل الإعفاء الكامل أو الجزئي من التقنين، وحددت في مارس 2022 سعراً يبلغ 300 ليرة سورية/ك.و.س للإعفاء الكامل و225 ليرة سورية/ك.و.س للإعفاء الجزئي، كما نشرت في 2024 تعديلاً لتعرفة بيع الكهرباء لبعض المشتركين. هذه المؤشرات مهمة لأنها تعطي مرجعاً لمقارنة تكلفة الاستثمار الشمسي بكلفة الاعتماد على الكهرباء المشتراة ضمن بعض الأنظمة التنظيمية.
بالتالي، كلما كانت فاتورة الكهرباء الحالية للمنشأة أعلى أو أكثر تقلباً أو أكثر تأثيراً على الإنتاج، زادت جاذبية المشروع الشمسي.
تاسعاً: أثر سعر الصرف
بعض مكونات المشروع الشمسي، مثل الألواح والعواكس والبطاريات أو القطع المرتبطة بها، قد تكون مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بسعر الصرف. ويعرض مصرف سورية المركزي على موقعه السعر الرسمي للدولار الأمريكي عند 111 ليرة سورية جديدة بتاريخ 16 مارس 2026، وهو يصلح كمرجع رسمي عند بناء الفرضيات المقارنة أو السيناريوهات التحفظية، لكنه لا ينبغي أن يُستخدم وحده كتكلفة تنفيذية نهائية لكل عنصر.
لذلك من الأفضل بناء:
- سيناريو مرجعي
- سيناريو محافظ لارتفاع كلفة المكونات المستوردة أو المرتبطة بالقطع
عاشراً: السيناريوهات المالية المنطقية
سيناريو محافظ
- كلفة تأسيس أعلى قليلاً
- وفر كهربائي أقل من المتوقع
- فترة استرداد أطول
- بطء في تحقيق الأداء الكامل
سيناريو واقعي
- تشغيل مستقر
- تغطية جيدة للحمل النهاري
- وفر مقبول ومنتظم
- صيانة ضمن الحدود الطبيعية
سيناريو متفائل
- إنتاجية شمسية جيدة
- استهلاك داخلي متوافق مع ذروة التوليد
- وفر مرتفع نسبياً
- تقليل واضح لعبء التعرفة أو الانقطاعات
هذه السيناريوهات أفضل من تثبيت فترة استرداد قاطعة من دون دراسة حمل كهربائي فعلية للمنشأة.
الحادي عشر: المخاطر الرئيسية
1. مخاطر التقدير الخاطئ للحمل
إذا لم يُحلل استهلاك المنشأة بدقة، قد يكون النظام أكبر أو أصغر من الحاجة الفعلية.
2. مخاطر التنفيذ أو الجودة
أي ضعف في جودة المكونات أو التركيب قد يخفض الإنتاجية أو يرفع كلفة الصيانة.
3. مخاطر تنظيمية
إذا كانت الدراسة تعتمد على بيع فائض أو على ترتيب تنظيمي معين، فيجب التحقق من التطبيق العملي للقرار التنظيمي لا من نصه فقط.
4. مخاطر الكلفة الأولية
المشروع يحتاج استثماراً أولياً قد يكون مرتفعاً نسبياً مقارنة بمشاريع تشغيلية بسيطة.
5. مخاطر سوء التموضع
تركيب نظام شمسي في منشأة لا تملك حملاً نهارياً مناسباً قد يضعف الجدوى.
الثاني عشر: التقييم الاستثماري الأولي
بناءً على المعطيات الحالية، أقيّم المشروع على أنه:
مناسب مبدئياً للاستثمار، خصوصاً للمنشآت الصناعية أو الخدمية ذات الاستهلاك النهاري الواضح
لماذا هو مناسب؟
- لأن الكهرباء بند مؤثر فعلياً في كلفة الإنتاج لدى الصناعيين السوريين.
- لأن هناك مشاريع شمسية كبيرة ومتوسطة معلنة رسمياً في سوريا، بما فيها الشيخ نجار ومشاريع 170 ميغاواط ومحطتان بقدرة 100+100 ميغاواط.
- لأن الإطار التنظيمي المرتبط بتعرفة التغذية والطاقة المتجددة موجود ويتطور.
ولماذا يحتاج إلى تحقق إضافي؟
- لأن الجدوى الفعلية تعتمد على ملف حمل كهربائي حقيقي للمنشأة
- وعلى عروض أسعار تنفيذية للمكونات
- وعلى معرفة ما إذا كانت البطاريات ضرورية أو لا
- وعلى المقارنة الدقيقة مع فاتورة الكهرباء الحالية أو البديلة
الثالث عشر: الخطوة التالية إذا أراد المستثمر تطوير الدراسة
ينبغي الانتقال من هذه الدراسة المبدئية إلى دراسة قبل تنفيذية عبر:
- تحليل حمل كهربائي فعلي للمنشأة
- جمع عروض أسعار من 2 إلى 3 شركات تنفيذ على الأقل
- تحديد السطح أو الأرض المتاحة
- تحديد ما إذا كان التخزين مطلوباً اقتصادياً
- مقارنة كلفة الكيلوواط الشمسي مع كلفة الكهرباء الحالية
- بناء نموذج مالي بثلاثة سيناريوهات
الخلاصة
مشروع الطاقة الشمسية الصناعية أو الخدمية في سوريا ليس مشروعاً تجميلياً أو دعائياً، بل مشروع يرتبط مباشرة بخفض تكاليف التشغيل وتحسين استقرار الخدمة للمنشآت التي تعاني من عبء الكهرباء. المعطيات الرسمية الحديثة عن المشروعات الشمسية الكبرى، وعن بيئات صناعية مثل الشيخ نجار وحسياء، وعن تعرفة الكهرباء وتعرفة التغذية، كلها تجعل هذا المشروع منطقياً ومناسباً مبدئياً في السوق السوري الحالي. لكن نجاحه العملي يعتمد على شيء واحد أكثر من أي شيء آخر: مطابقة حجم النظام وخصائصه مع استهلاك المنشأة الحقيقي.