فجوات المهارات في الصناعة السورية: ماذا كشف تقرير منظمة العمل الدولية، وماذا يعني ذلك لمرحلة التعافي والإنتاج؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
من خلال مراجعتنا لعدد من التقارير المحلية والدولية المرتبطة بالواقع السوري، توقفنا عند تقرير مهم صادر عن منظمة العمل الدولية ILO خلال عام 2025، تناول فجوات المهارات في عدد من القطاعات الصناعية السورية. ورغم مرور عدة أشهر على صدوره، إلا أن ما ورد فيه ما يزال يستحق التوقف والتحليل، لأن القضية التي يعالجها لا ترتبط بالتدريب فقط، بل تمس مباشرة مستقبل التشغيل والإنتاج والاستثمار الصناعي في سوريا.
التقرير، الذي حمل عنوان Rapid Skills Gap Assessment of selected industrial sectors: Syria، استند إلى دراسة ميدانية شملت 140 مصنعاً عاملاً في دمشق وحلب وحمص وحماة، وغطّى قطاعات الصناعات الغذائية، النسيج، الكيماويات، البلاستيك، والهندسة. وهذه المعطيات تمنح التقرير أهمية عملية، لأنه لم يأتِ من قراءة نظرية لسوق العمل، بل من مقابلات مباشرة مع منشآت صناعية قائمة تواجه تحديات التشغيل الفعلي على الأرض.
أبرز ما كشفه التقرير أن 44% فقط من المصانع المشمولة قالت إنها تخطط للتوظيف خلال الأشهر الستة التالية. هذه النسبة تحمل دلالة واضحة: السوق الصناعي السوري ليس متوقفاً بالكامل، لكنه أيضاً لا يتحرك ضمن بيئة توسع مستقرة. فحتى المصانع التي ترغب في التوظيف ما تزال محكومة بضغوط ثقيلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف العمالة، وضعف الطلب، وقيود الطاقة.
وهنا تبرز النقطة الأهم في التقرير: المشكلة لا تختصر في نقص الوظائف، بل في ضعف القدرة على تحويل الحاجة الإنتاجية إلى فرص عمل مستقرة. فالمصنع الذي يعمل في بيئة مكلفة وغير مستقرة لن يكون مستعداً لتحمل تكلفة تدريب طويلة أو أخطاء تشغيل مرتفعة، بل سيبحث عن عامل جاهز نسبياً، قادر على الاندماج السريع والإنتاج من وقت مبكر. وهذا ما يجعل فجوة المهارات قضية اقتصادية وإنتاجية مباشرة، لا مجرد مسألة تعليم أو تأهيل مهني.
وبحسب ما عرضه التقرير، فإن أصحاب العمل يواجهون صعوبات واضحة في العثور على كوادر تمتلك المهارات التقنية المطلوبة، والخبرة العملية التطبيقية، والمهارات السلوكية الأساسية مثل العمل الجماعي والانضباط. كما أشار إلى وجود فجوة مستمرة بين مخرجات التعليم واحتياجات الصناعة الفعلية. وهذا يعني أن جزءاً مهماً من أزمة التشغيل في سوريا لا يعود فقط إلى قلة الفرص، بل أيضاً إلى عدم التوافق بين ما يملكه الباحث عن العمل وما تحتاجه المنشآت الصناعية فعلاً.
هذا الواقع يفسّر التناقض الذي يعيشه السوق السوري اليوم: من جهة هناك باحثون عن عمل يشكون من محدودية الفرص، ومن جهة أخرى هناك أصحاب مصانع يشكون من صعوبة العثور على عمال مناسبين. والسبب أن المشكلة ليست دائماً في عدد الوظائف أو عدد الباحثين عن العمل، بل في نوعية المهارات ومدى ملاءمتها لمتطلبات خطوط الإنتاج الحديثة وشبه الحديثة.
التقرير لم يضع المسؤولية على الأفراد وحدهم، بل ربط فجوة المهارات بالسياق الصناعي الأوسع. فحين تكون الطاقة غير مستقرة، والطلب ضعيفاً، والتمويل محدوداً، تتراجع قدرة المنشآت على الاستثمار في التدريب الداخلي طويل الأمد. وبالتالي يصبح القطاع الخاص أكثر ميلاً للبحث عن عمال جاهزين، بينما يحتاج السوق في الواقع إلى منظومة أوسع تشترك فيها مؤسسات التدريب، وغرف الصناعة، والقطاع الخاص، والجهات الداعمة لتقاسم عبء التأهيل المهني وربطه الفعلي بالاحتياج الصناعي.
ومن النقاط المهمة التي أشار إليها التقرير أيضاً أن الإدماج ما يزال تحدياً قائماً، وخاصة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة. وهذه الإشارة توسّع فهمنا للموضوع، لأن الحديث عن المهارات لا يتعلق فقط بالإنتاجية، بل أيضاً بقدرة سوق العمل السوري على توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وإدماج شرائح أوسع ضمن فرص العمل اللائق.
في المقابل، لا يقدّم التقرير صورة سلبية بالكامل. من النتائج اللافتة أنه أظهر وجود استعداد لدى أصحاب العمل للمشاركة في تصميم برامج تدريبية مشتركة وتوفير فرص تدريب عملي. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تشير إلى وجود أرضية حقيقية يمكن البناء عليها إذا توفرت آليات تنظيم فعالة تربط التدريب بالتشغيل، وتحوّل الاحتياجات الصناعية إلى برامج تأهيل عملية مرتبطة بالمصنع والمعدة وخط الإنتاج.
اقتصادياً، يمكن قراءة هذا التقرير بوصفه مؤشراً مبكراً على أحد أهم اختناقات التعافي الصناعي في سوريا. فالتحدي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط إعادة تشغيل المعامل أو جذب الاستثمارات، بل أيضاً تأمين اليد العاملة المؤهلة القادرة على مواكبة متطلبات التحديث والإنتاج والمنافسة. وإذا لم يُعالج هذا الملف بجدية، فقد تتحول فجوة المهارات إلى عامل يبطئ الاستثمار نفسه، ويؤخر توسع المنشآت، ويحد من قدرتها على رفع الجودة وخفض الهدر وتحسين الكفاءة.
ما يترتب على ذلك واضح: إذا كانت سوريا تريد استعادة جزء حقيقي من قدرتها الصناعية، فإن التدريب المهني والتقني يجب أن ينتقل من الهامش إلى صلب استراتيجية التعافي الاقتصادي. ليس بوصفه ملفاً اجتماعياً فقط، بل باعتباره أداة إنتاجية ترتبط مباشرة بزيادة الجاهزية الصناعية، وتحسين الأداء، ورفع القدرة التنافسية، وربط التعليم بسوق العمل بصورة أكثر واقعية.
وعلى المستوى العملي، يوحي التقرير بعدة اتجاهات أساسية:
أولها، إعادة توجيه البرامج التدريبية نحو مهارات تشغيلية تطبيقية ترتبط باحتياجات المصانع الفعلية.
ثانيها، بناء شراكات بين غرف الصناعة والمعاهد المهنية ومراكز التدريب والقطاع الخاص.
ثالثها، توسيع التدريب العملي داخل المنشآت نفسها بدلاً من الاكتفاء بالتدريب النظري.
ورابعها، التعامل مع المهارات السلوكية والانضباط والجودة باعتبارها جزءاً أساسياً من الكفاءة الصناعية.
في المحصلة، لا يقدّم تقرير منظمة العمل الدولية مجرد ملاحظة عن نقص في المهارات، بل يقدّم تشخيصاً أعمق لواحدة من العقد البنيوية في الاقتصاد السوري اليوم. فتعافي الصناعة لا يقاس فقط بعدد المعامل العاملة أو حجم الطلب المتوقع، بل أيضاً بقدرة السوق على إنتاج العامل المناسب للمهمة المناسبة في الوقت المناسب. وهذه مسألة تستحق أن تكون في صدارة النقاش الاقتصادي والتنموي في سوريا خلال المرحلة المقبلة.