قراءة تحليلية واقعية لاتفاقية الاستكشاف البحري: ماذا تعني فعلياً لمستقبل الطاقة والاقتصاد السوري؟

بوابة الأعمال السورية | دمشق، شباط 2026
تمثل مذكرة التفاهم الخاصة باستكشاف النفط والغاز البحري، الموقعة بين الحكومة السورية وشركة Chevron وبمشاركة رأسمال قطري، حدثًا مفصليًا في مسار قطاع الطاقة السوري. إلا أن قراءة هذه الخطوة بواقعية تقتضي الابتعاد عن الخطاب التفاؤلي المجرد، والاقتراب من الأرقام، والسوابق الإقليمية، وسلسلة القيمة الفعلية لقطاع الطاقة.
أولًا: أين يقف قطاع الطاقة السوري اليوم؟ (قراءة رقمية)
قبل عام 2011، بلغ إنتاج سوريا:
- النفط: نحو 380 ألف برميل يوميًا
- الغاز الطبيعي: قرابة 30 مليون متر مكعب يوميًا
اليوم، تشير التقديرات إلى أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز:
- 15–20% من مستويات ما قبل 2011
- مع اعتماد كبير على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي، خصوصًا في الكهرباء والصناعة
هذا التراجع انعكس مباشرة على:
- عجز الميزان التجاري
- ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي
- ضعف أمن الطاقة
- استنزاف القطع الأجنبي
ثانيًا: ماذا يعني دخول سوريا الاستكشاف البحري؟
الاستكشاف البحري ليس إنتاجًا فوريًا، بل عملية تمتد زمنيًا على مراحل واضحة:
- المسح الزلزالي (1–2 سنة)
- الحفر الاستكشافي (سنة تقريبًا)
- التقييم الفني والاقتصادي (1–2 سنة)
- قرار الاستثمار النهائي
- التطوير والإنتاج (3–5 سنوات)
➤ أي أن أي إنتاج تجاري محتمل لن يظهر قبل 5 إلى 8 سنوات في أفضل السيناريوهات.
ثالثًا: ما حجم الفرص المحتملة؟ (مقارنة إقليمية)
منطقة شرق المتوسط تُعد من أغنى الأحواض الغازية المكتشفة حديثًا:
- حقل ليفياثان (إسرائيل): ~22 تريليون قدم مكعب
- حقل ظهر (مصر): ~30 تريليون قدم مكعب
لا توجد أرقام مؤكدة حول المخزون السوري البحري، لكن المؤشرات الجيولوجية تشير إلى احتمالات واعدة، وليس ضمانات.
وهنا تكمن أهمية وجود شركة عالمية بحجم Chevron، القادرة على:
- تحمل مخاطر الاستكشاف
- تمويل المراحل المبكرة
- استخدام أحدث التقنيات البحرية
رابعًا: الأثر الاقتصادي الواقعي – ماذا تكسب سوريا؟
حتى قبل الإنتاج، تحقق الاتفاقية مكاسب غير مباشرة مهمة:
1. على مستوى الاقتصاد الكلي
- تحسين الصورة الاستثمارية للبلاد
- كسر العزلة التقنية في قطاع الطاقة
- فتح الباب أمام شركات خدمات نفطية
- تخفيف المخاطر المدركة لدى المستثمرين
2. على مستوى المالية العامة (في حال الإنتاج)
- تقليل فاتورة استيراد الطاقة (مليارات الدولارات سنويًا)
- زيادة إيرادات الدولة من الإتاوات والضرائب
- دعم استقرار الليرة عبر تخفيف الطلب على القطع الأجنبي
3. على مستوى الصناعة والكهرباء
- تحسين استقرار التغذية الكهربائية
- خفض كلفة الإنتاج الصناعي
- إعادة تشغيل منشآت متوقفة
خامسًا: ماذا لا تعنيه الاتفاقية؟ (تصحيح التوقعات)
من المهم توضيح أن هذه المذكرة:
- ❌ لا تعني اكتشافًا مؤكدًا
- ❌ لا تعني إنتاجًا قريبًا
- ❌ لا تحل أزمة الطاقة الحالية
بل هي:
- ✔️ استثمار استراتيجي طويل الأجل
- ✔️ رهان على المستقبل
- ✔️ اختبار حقيقي لبيئة الاستثمار السورية
سادسًا: شروط تحويل الاتفاقية إلى مكسب حقيقي
لكي تتحول هذه الخطوة إلى رافعة اقتصادية حقيقية، لا بد من:
- استقرار تشريعي طويل الأجل
- شفافية في عقود الطاقة
- إدارة رشيدة للعوائد مستقبلًا
- ربط قطاع الطاقة بالصناعة لا بالاستهلاك فقط
خلاصة تحليلية
يمكن وصف اتفاقية الاستكشاف البحري بأنها استثمار في الاحتمال، لا في النتيجة.
وهي خطوة جريئة وضرورية لإعادة إدخال سوريا إلى معادلة الطاقة الإقليمية، لكنها لن تؤتي ثمارها إلا ضمن رؤية اقتصادية شاملة تعي أن الطاقة ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة للنمو الصناعي والاستقرار الاقتصادي.