كيف تُقيَّم المبادرات الداعمة للمرأة اقتصادياً في سوريا: بين الأثر الحقيقي والنشاط الشكلي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
إذا أردنا فهم ما تحتاجه المرأة اقتصاديًّا في سوريا اليوم، فلا يكفي أن نقول: تدريبٌ، أو تمويلٌ، أو فرصٌ، ثم نتوقف عند هذا الحد.
فالواقع السوري بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحرب والانكماش الاقتصادي والنزوح والهشاشة المعيشية أنتج احتياجاتٍ مركبةً، لا يمكن تلبيتها بنوعٍ واحدٍ من الدعم فقط.
وتؤكد UNDP Syria هذا الاتجاه بوضوح، إذ تشير إلى أن النساء يحتجن إلى الوصول إلى التدريب، والتمويل، وأنشطة الدخل، والخدمات، والموارد، والدعم النفسي والاجتماعي، وأن الوصول إلى الفرص الاقتصادية وحقوق الملكية والموارد يتراجع بالنسبة إلى كثيرٍ منهن. كما أن الخطة الاستراتيجية لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل 2026–2028 تربط بين الحماية الاجتماعية، والعمل اللائق، وتمكين المرأة، وبناء الشراكات.
لماذا لا يكفي نوعٌ واحدٌ من الدعم؟
لأن كثيرًا من النساء في سوريا لا يواجهن مشكلةً واحدةً فقط، بل سلسلةً من العوائق المتداخلة، مثل:
- محدودية الوصول إلى العمل المنظم
- ضعف الدخل أو انقطاعه
- نقص الأدوات أو رأس المال الصغير
- صعوبة التسويق أو الوصول إلى الزبائن
- مسؤوليات الرعاية داخل الأسرة
- ضعف الوصول إلى الأصول أو الملكية أو الحماية القانونية في بعض الحالات
ولهذا فإن سؤال “ما الدعم الذي تحتاجه المرأة؟” ينبغي أن يُجاب عنه بطريقةٍ أكثر دقةً.
ما أنواع الدعم الأكثر أهميةً اليوم؟
1) التدريب المرتبط بسوقٍ أو دخلٍ
هذا هو النوع الأول، لكنه ليس تدريبًا عامًا أو رمزيًّا.
بل التدريب الذي:
- يعلّم مهارةً قابلةً للبيع
- أو يحسّن نشاطًا قائمًا
- أو يشرح التسعير والتسويق والتنظيم
- أو يربط المهارة بفرصةِ دخلٍ واضحةٍ
وهذا النوع من التدريب يبدو أكثر ملاءمةً من الدورات العامة أو الطويلة غير المتصلة بسوقٍ فعليٍّ.
2) التمويل الصغير أو الدعم البذري
كثيرٌ من المبادرات النسائيَّة لا تحتاج إلى تمويلٍ كبيرٍ في البداية، لكنها تحتاج إلى:
- أدواتٍ بسيطةٍ
- موادَّ أوليَّةٍ
- تجهيزًا مبدئيًّا
- أو دفعةً صغيرةً تساعد على بدء النشاط أو تحسينه
وهنا تصبح المِنح الصغيرة أو الدعم البذري جزءًا من التمكين، لا عنصرًا ثانويًّا.
3) الوصول إلى السوق
هذه من أكثر الحلقات ضعفًا في كثيرٍ من المبادرات.
فالمرأة قد تتعلّم، وتنتج، وتطوّر منتجًا، لكنها تبقى في حلقةٍ محدودةٍ إذا لم تحصل على:
- منفذِ بيعٍ
- ربطٍ بمشترين
- قناةِ عرضٍ
- فهمٍ أفضلَ للزبون
- أو قدرةٍ على التسويق العملي
ولهذا فإن المبادرات التي تربط النساء بالسوق تملك قيمةً أعلى من المبادرات التي تكتفي بالتدريب المجرد.
4) الإرشاد والمتابعة
الإرشاد ليس ترفًا.
فكثيرٌ من النساء يحتجن بعد التدريب أو الدعم الأولي إلى:
- من يساعد على ترتيب الخطوة التالية
- أو تصحيح أخطاء البدايات
- أو حساب الكلفة والسعر
- أو فهم ما إذا كان النشاط قابلًا للاستمرار
وغياب المتابعة يجعل كثيرًا من المبادرات تتوقف بعد بدايةٍ جيدةٍ.
5) الدعم القانوني أو المعرفي بالحقوق
في بعض الحالات، تكون المشكلة أعمق من السوق والمهارة، وتمتد إلى:
- فهم حقوق العمل
- معرفة ما يتعلق بالأمومة والعمل
- الوصول إلى الإرث أو الأصل أو الملكية
- أو فهم شكل النشاط القانوني الممكن
وهذا مهمٌّ لأن بعض العوائق الاقتصادية للمرأة في سوريا لا تنفصل عن البيئة القانونية والاجتماعية المحيطة بها. 6) الترتيبات الواقعية التي تسمح بالاستمرار
مثل:
- مراعاة الوقت
- موقع التدريب أو النشاط
- المرونة
- بيئة العمل المحلية
- الربط بالمجتمع المحلي أو شبكات النساء
هذه عناصر قد تبدو صغيرةً، لكنها حاسمةٌ في الواقع.
أيُّ دعمٍ يجب أن يُقدَّم أولاً؟
لا توجد إجابةٌ واحدةٌ لكل الحالات.
لكن يمكن القول إن الأولويَّة ينبغي أن تُحسم بحسب السؤال الآتي:
ما الحلقة الأضعف الآن في قدرة المرأة على الكسب أو الاستمرار؟
إذا كانت الحلقة الأضعف هي:
- المهارة → فالتدريب أولًا
- الأدوات → فالدعم البذري أو التمويل الصغير
- الوصول إلى الزبون → فالسوق أولًا
- الاستمرار والتنظيم → فالإرشاد والمتابعة
- الحماية والحقوق → فالدعم القانوني أو التوعوي
الخلاصة
ما تحتاجه المرأة اقتصاديًّا في سوريا اليوم ليس نوعًا واحدًا من الدعم، بل مزيجًا عمليًّا من التدريب، والتمويل الصغير، والوصول إلى السوق، والمتابعة، والدعم القانوني أو الاجتماعي عند الحاجة.
وكل مبادرةٍ أو منظمةٍ لا تفهم هذا التعقيد قد تقدّم نشاطًا مفيدًا جزئيًّا، لكنها لن تقترب كثيرًا من التمكين الاقتصادي الفعلي.