كيف يقيّم صاحب العمل الخبير القانوني قبل التعاقد؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
عندما تقرر شركةٌ ما الاستعانة بخبيرٍ قانونيٍّ، فإن أول ما يظهر أمامها غالبًا هو:
- اسمٌ معروف
- أو توصيةٌ من شخصٍ آخر
- أو سيرةٌ مهنيةٌ تبدو قويةً
- أو انطباعٌ عامٌّ بأن هذا الشخص مناسبٌ
لكن التقييم المهني الصحيح لا يبدأ من الانطباع وحده، ولا من الشهرة وحدها، ولا من اللغة المقنعة وحدها، بل يبدأ من سؤالٍ أكثر أهميةً:
هل هذا الخبير القانوني مناسبٌ فعلًا لحاجتنا نحن؟
فالخبير قد يكون قويًّا ومتمكنًا، لكنه غير مناسبٍ لطبيعة ملفك، أو لمرحلة شركتك، أو لنوع المشكلة التي تريد فهمها أو معالجتها. ولهذا فإن تقييم الخبير القانوني قبل التعاقد ليس خطوةً شكليةً، بل خطوةٌ أساسيةٌ في جودة القرار نفسه.
أولاً: حدّد حاجتك قبل أن تقيّم الشخص
قبل أن تبدأ في تقييم الخبير، يجب أن تكون حاجتك أنت أوضح.
اسأل نفسك:
- هل نحتاج إلى مراجعة عقدٍ؟
- أم إلى قراءة مخاطرٍ قانونيةٍ؟
- أم إلى فهم وضعٍ تنظيميٍّ؟
- أم إلى تشخيص مشكلةٍ قائمةٍ؟
- أم إلى تقييم علاقةٍ بين شركاء أو أطرافٍ متعاملين؟
إذا لم تكن المشكلة واضحةً، ستصبح عملية التقييم نفسها ضعيفةً، لأنك ستقيس الشخص من دون معيارٍ محددٍ.
التقييم الجيد يبدأ من وضوح الملف، لا من كثرة الأسماء.
ثانياً: انظر إلى الصلة بين خبرته وملفك
ليس المطلوب فقط أن يكون لدى الخبير خلفيةٌ قانونيةٌ جيدةٌ، بل أن تكون هذه الخلفية قريبةً من نوع الملف الذي لديك.
فبعض الخبرات القانونية تكون أقرب إلى:
- العقود والعلاقات التجارية
- أو الشركات والشركاء
- أو الامتثال والإجراءات
- أو الملفات التشغيلية ذات الحساسية النظامية
- أو النزاعات والتعثرات
- أو التوسع والشراكات
ولهذا من المهم أن تسأل:
- هل خبرته العملية قريبةٌ من نوع المسألة التي نواجهها؟
- هل عمل على ملفاتٍ مشابهةٍ؟
- هل يفهم بيئة الأعمال، لا النصوص فقط؟
- وهل يستطيع نقل فهمه إلى حالةٍ تشبه واقعنا؟
المعيار هنا ليس:
هل هو قويٌّ عمومًا؟
بل:
هل هو مناسبٌ لهذه الحاجة تحديدًا؟
ثالثاً: قيّم طريقته في فهم المشكلة
من أهم العلامات على جودة الخبير القانوني أن يبدأ بأسئلةٍ جيدةٍ، لا بأجوبةٍ جاهزةٍ.
فالخبير الأقوى لا يقفز سريعًا إلى:
- حكمٍ نهائيٍّ
- أو رأيٍ حاسمٍ
- أو وصفةٍ عامةٍ
بل يحاول أولًا أن يفهم:
- السياق
- وطبيعة العلاقة
- وما الوثائق الموجودة
- وما الذي حدث فعليًّا
- وما الذي تريد الشركة الوصول إليه
إذا كان الشخص يتكلم كثيرًا قبل أن يفهم الملف، أو يعطي انطباعًا سريعًا من دون استيضاحٍ كافٍ، فهذه إشارةٌ تستحق الانتباه.
الخبير الجيد لا يقدّم نفسه باعتباره يعرف كل شيءٍ مسبقًا، بل يُظهر أنه يفهم قبل أن يقيّم.
رابعاً: افهم أسلوبه في العمل
من المهم أن تعرف منذ البداية:
- هل سيقدّم قراءةً أوليةً فقط؟
- أم تقريرًا؟
- أم ملاحظاتٍ على عقدٍ أو وثائقٍ؟
- أم جلساتٍ متتابعةً؟
- أم توجيهًا في اتخاذ قرارٍ؟
- أم متابعةً ضمن مسارٍ أوسع؟
كثيرٌ من سوء الفهم لا يأتي من ضعف الكفاءة، بل من غموض شكل العمل نفسه.
ولهذا يجب أن تسأل قبل التعاقد:
- ما طبيعة المخرجات؟
- ما حدود الدور؟
- ما الذي سيقدّمه الخبير؟
- وما الذي لا يدخل ضمن هذا النطاق؟
كلما كانت هذه الحدود أوضح، أصبحت العلاقة المهنية أكثر نضجًا.
خامساً: لا تنخدع باللغة القانونية الثقيلة
بعض الأشخاص يستخدمون لغةً قانونيةً كبيرةً ومصطلحاتٍ كثيرةً، وهذا قد يعطي انطباعًا أوليًّا بالقوة. لكن المطلوب في بيئة الأعمال ليس الإبهار اللغوي فقط، بل الوضوح المهني.
اسأل نفسك:
- هل يشرح الأمور بوضوحٍ؟
- هل يستطيع تبسيط الفكرة من دون إضعافها؟
- هل يربط بين النص وبين أثره العملي على الشركة؟
- هل يفهم ما الذي يهم صاحب العمل فعلًا؟
القيمة ليست في أن يبدو الكلام ثقيلًا، بل في أن يكون:
- دقيقًا
- ومهنيًّا
- ومفهومًا
- وقابلًا للاستفادة منه في القرار
سادساً: ابحث عن علامات الثقة لا علامات الاستعراض
علامات الثقة المهنية تظهر غالبًا في أمورٍ مثل:
- وضوح التخصص
- عدم الادعاء بأنه مناسبٌ لكل شيءٍ
- الصراحة في حدود الدور
- القدرة على السؤال قبل الحكم
- الاهتمام بالسياق
- والتمييز بين ما يعرفه وما يحتاج إلى مراجعته
أما الاستعراض فيظهر غالبًا في:
- الوعود الكبيرة
- التعميم
- الكلام الكثير من دون فهمٍ كافٍ
- التركيز على الاسم أكثر من الملف
- أو الإيحاء بأن كل المشكلات تُحلّ بالطريقة نفسها
سابعاً: قيّم الملاءمة لا الشهرة فقط
قد يكون الخبير المعروف مناسبًا، وقد لا يكون.
وقد يكون الشخص الأقل ظهورًا أنسب بكثيرٍ لملفك.
الشهرة قد تكون مؤشرًا أوليًّا، لكنها ليست معيارًا كافيًا.
المعيار الأهم هو:
- الملاءمة
- والصلة
- والوضوح
- وطريقة الفهم
- وشكل المخرجات
- وقدرته على إضافة قيمةٍ حقيقيةٍ إلى حالتك أنت
الخلاصة
تقييم الخبير القانوني قبل التعاقد لا يبدأ من اسمه فقط، بل من:
- وضوح حاجتك
- وملاءمة خبرته للملف
- وطريقته في الفهم
- وأسلوبه في العمل
- ووضوح مخرجاته
- وقدرته على ربط القانون بواقع الشركة لا بالنصوص وحدها
والشركة التي تحسن هذه الخطوة تكون أكثر قدرةً على اختيار الطرف المناسب، وتجنّب سوء التقدير، والاستفادة من الخبرة القانونية بصورةٍ أكثر مهنيةً ووضوحًا.