لماذا لا يكفي التدريب وحده لتمكين المرأة اقتصادياً في سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
التدريب مهمٌّ، لكنه ليس كافيًا وحده.
وهذه من أكثر الحقائق التي يجب قولها بوضوحٍ في أي حديثٍ عن المرأة في الاقتصاد في سوريا. فكثيرٌ من البرامج تبدأ بتدريبٍ، ثم يُفترض ضمنًا أن المرأة أصبحت “مُمكَّنةً اقتصاديًّا” بمجرد اكتسابها مهارةً أو حضورها دورةً. لكن الواقع العملي أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالمرأة قد تتعلّم الخياطة أو الخَبز أو التصنيع الغذائي أو التسويق أو مهارةً رقميَّةً، لكنها تبقى عاجزةً عن تحويل هذه المهارة إلى دخلٍ إذا لم يتوافر واحدٌ أو أكثر من العناصر التالية:
- أدواتٌ أو تجهيزاتٌ أوليَّةٌ
- تمويلٌ صغيرٌ أو مِنحةٌ مناسبةٌ
- منفذُ بيعٍ أو سوقٌ واضحٌ
- متابعةٌ أو إرشادٌ
- قدرةٌ على التسعير والحساب
- بيئةٌ تسمح بالاستمرار
ولهذا فإن التمكين الاقتصادي لا يبدأ بالتدريب فقط، ولا ينتهي به.
لماذا يبرز هذا بشكلٍ خاص في سوريا؟
لأن الواقع السوري الحالي يتسم بعدة ضغوطٍ متراكبةٍ:
- فقرٌ واسعٌ
- ضعفٌ في فرص العمل النظامي
- هشاشةٌ في الأسواق المحليَّة
- تفاوتٌ كبيرٌ في الوصول إلى الموارد
- أعباءُ رعايةٍ وأسرةٍ تؤثر في وقت النساء وحركتهن
- ضعفٌ في الوصول إلى الأصول أو الملكية في بعض الحالات
وتؤكد UNDP Syria أن النساء يواجهن تراجعًا في الوصول إلى الموارد الاقتصاديَّة والملكيَّة والفرص، وأن التمكين يتطلب أكثر من نشاطٍ تدريبيٍّ منفصلٍ. كما أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في مارس 2026 خطةً وطنيَّةً تشمل تمكين المرأة والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، ما يدل على أن الملف نفسه يُفهم رسميًّا بوصفه ملفًّا مركبًا، لا تدريبًا فقط.
ما العناصر الأخرى التي يحتاجها التمكين؟
يمكن تلخيصها في خمسة محاورَ رئيسيَّةٍ:
1) الوصول إلى السوق
المهارة لا تصنع دخلاً وحدها.
إذا لم تعرف المرأة:
- أين تبيع
- ولمن تبيع
- وكيف تصل إلى الزبون
فقد تبقى المهارة حبيسة المنزل أو الدائرة الضيقة.
2) أدوات البداية
بعض الأنشطة تحتاج:
- فرنًا أو معداتٍ بسيطةً
- أدواتِ خياطةٍ أو تجهيزٍ
- موادَّ أوليَّةً
- مكانًا صغيرًا أو وسيلةَ نقلٍ أو حفظٍ
ومن دون هذه البنية الأوليَّة، قد تبقى المهارة نظريةً.
3) التمويل الصغير أو الدعم البذري
ليس كل نشاطٍ يحتاج تمويلًا كبيرًا، لكن كثيرًا من المبادرات تحتاج دفعةً صغيرةً تساعدها على:
- شراء أدواتٍ
- بدء إنتاجٍ أوليٍّ
- تحسين الجودة
- الوصول إلى أول زبونٍ أو أول دفعةِ بيعٍ
4) الإرشاد والمتابعة
كثيرٌ من النساء لا يحتجن فقط إلى “تعلم المهارة”، بل إلى:
- فهم التسعير
- تنظيم الوقت
- إدارة الطلبات
- التعامل مع السوق
- تجنب أخطاء البدايات
وهنا يكون الإرشاد والمتابعة جزءًا من التمكين، لا أمرًا ثانويًّا.
5) البيئة الاجتماعية والقانونية
قد تواجه المرأة عوائق مثل:
- صعوبة التنقل
- ضغط الرعاية المنزلية
- ضعف الوصول إلى الملكية أو الأصل
- نقص المعرفة بالحقوق
- قيودًا اجتماعيَّةً أو عرفيَّةً تؤثر في الاستمرار
ولهذا فإن بعض مبادرات التمكين تفشل لا لأن التدريب كان ضعيفًا، بل لأن البيئة المحيطة لم تسمح بتحويله إلى نشاطٍ مستمرٍّ.
متى يصبح التدريب جزءاً من تمكينٍ فعليٍّ؟
حين يكون مرتبطًا بما بعده، مثل:
- مِنحةٍ صغيرةٍ
- أدواتٍ أو تجهيزاتٍ
- متابعةٍ وإرشادٍ
- منفذِ بيعٍ
- مشروعٍ جماعيٍّ أو شبكيٍّ
- أو على الأقل بخطةٍ واضحةٍ لتحويل المهارة إلى فرصةِ دخلٍ
في هذه الحالة، يصبح التدريب بدايةَ مسارٍ اقتصاديٍّ، لا نشاطًا معزولًا.
ما الخطأ الشائع في فهم التمكين؟
الخطأ الشائع هو مساواة:
التدريب = التمكين
بينما الأدق هو:
التدريب + السوق + الموارد + المتابعة + الاستمرار = تمكينٌ اقتصاديٌّ أقرب إلى الواقع
الخلاصة
لا يكفي التدريب وحده لتمكين المرأة اقتصاديًّا في سوريا، لأن المهارة تحتاج إلى بيئةٍ تساعدها على أن تتحول إلى دخلٍ أو مشروعٍ أو استقرارٍ في العمل.
ولهذا فإن التمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد البرامج التدريبيَّة، بل بقدرة المرأة بعد هذه البرامج على الكسب، والوصول إلى السوق، والاستمرار، والتحكم بدرجةٍ أكبرَ في مسارها الاقتصادي.