ما الذي تغيّر في المسار الضريبي السوري حتى 2026؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
لا يصح في عام 2026 قراءة الملف الضريبي في سوريا كما لو أنه ثابت عند قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003 فقط، رغم أن هذا القانون ما يزال يمثل المرجع الأساسي القائم في هذا المجال. فالنظام الضريبي شهد تعديلات لاحقة على القانون نفسه، من أبرزها المرسوم التشريعي رقم 48 لعام 2015 والمرسوم التشريعي رقم 24 لعام 2020، كما شهد خلال عام 2025 سلسلة من التوجهات والتعاميم والإعلانات الرسمية التي أوضحت أن الملف الضريبي كان داخل مسار إصلاحي أوسع، مع حديث حكومي واضح عن نظام ضريبي جديد متوقع في 2026.
ومن الناحية العملية، فإن السؤال المهم ليس فقط: “ما هو القانون الضريبي القائم؟” بل أيضًا: ما الذي تغيّر في التطبيق والتوجه والإعفاءات والهيكل العام للنظام الضريبي؟ لأن هذا ما يهم صاحب الشركة والمكلف وصاحب المنشأة أكثر من الاكتفاء بتاريخ صدور القانون الأصلي.
أولاً: الإطار الأساسي بقي قائماً على قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003
حتى مع كل التطورات اللاحقة، ظل قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003 هو الأساس التشريعي الأوضح المتاح للنظام الضريبي السوري، وهو نافذ وفق بيانات WIPO Lex، ويقرر في مادته الأولى أن الضريبة تتناول:
- الأرباح الصافية الناتجة عن ممارسة المهن والحرف الصناعية والتجارية وغير التجارية
- المبالغ المدفوعة لغير المقيمين مقابل خدمات أدوها داخل سوريا
- الرواتب والأجور.
وهذا مهم لأنه يعني أن ما تغيّر بعد ذلك لم يكن إلغاءً واضحًا فورًا لهذا الأساس، بل كان في جزء منه تعديلات على بعض مواده، وفي جزء آخر مسار إصلاح ضريبي معلن يهدف إلى استبدال بعض الأبواب أو إعادة تصميم النظام.
ثانياً: تعديلات 2015 و2020 عدّلت بعض أحكام القانون القائم
ضمن المسار التشريعي اللاحق، تُظهر بيانات WIPO Lex أن قانون 24/2003 عُدّل بنصين ظاهرين بوضوح:
- المرسوم التشريعي رقم 48 لعام 2015
- المرسوم التشريعي رقم 24 لعام 2020.
ويكتسب تعديل 2020 أهمية خاصة لأنه عدّل المادتين 68 و69 من قانون ضريبة الدخل، وحدد شرائح ضريبة الرواتب والأجور، كما رفع في حينه الحد الأدنى المعفى إلى 50 ألف ليرة سورية شهريًا، وألغى العمل بأحكام المرسومين 46 و48 لعام 2015 في هذا الجزء. وهذا يبين أن باب الرواتب والأجور تحديدًا شهد تعديلًا تشريعيًا مباشرًا داخل القانون نفسه قبل المرحلة الأحدث من إصلاح 2025.
ثالثاً: عام 2025 شهد انتقالاً من منطق “التعديل المحدود” إلى منطق “الإصلاح الضريبي”
التطور الأهم في 2025 لم يكن مجرد تعديل مادة واحدة أو رفع حد معفى فقط، بل بروز خطاب حكومي واضح يتحدث عن نظام ضريبي جديد. ففي أكتوبر 2025 أعلن وزير المالية أن الحكومة تعمل بالشراكة مع غرف الصناعة والتجارة على إعداد النظام الضريبي الجديد، وذكر أن الضريبة على الصناعيين ستُخفض إلى 10%، وأن ضريبة الإنفاق الاستهلاكي ستُلغى ابتداءً من 2026 وتُستبدل بـ ضريبة مبيعات.
هذا التطور مهم جدًا لأنه يدل على أن التغيير لم يعد مقتصرًا على المعالجة داخل قانون الدخل وحده، بل أصبح يتجه إلى إعادة بناء هيكل النظام الضريبي نفسه، أو على الأقل إلى إعادة صياغة بعض أعمدته الأساسية. ولهذا فإن فهم المسار الضريبي حتى 2026 يجب أن يميز بين:
- القانون القائم النافذ
- والإصلاحات المعلنة أو الجاري إعدادها.
رابعاً: تغيّر مهم في ضريبة الرواتب والأجور خلال 2025
من أبرز التغييرات العملية التي ظهرت بوضوح في 2025 ما يتعلق بـ ضريبة الرواتب والأجور. فقد أعلنت وزارة المالية في يوليو 2025 رفع الحد الأدنى المعفى من ضريبة الدخل على الرواتب والأجور إلى 837 ألف ليرة سورية، بعد أن كان 279 ألف ليرة سورية، وأوضحت أن هذا الإجراء يطبق على الرواتب المدفوعة حتى نهاية 2025، مع الإشارة إلى أن قانونًا ضريبيًا جديدًا كان قيد الإعداد لبداية 2026 ويتوقع أن يتضمن إعفاءات أوسع.
وهذا التغيير لم يكن تفصيليًا أو هامشيًا، لأنه مسّ شريحة واسعة من العاملين والجهات التي تدير الرواتب. كما أنه أظهر بوضوح أن الملف الضريبي صار يُدار في 2025 بمنطق الإجراءات الانتقالية المؤقتة إلى حين استكمال النظام الجديد.
خامساً: ظهرت إجراءات تخفيفية وانتقالية على الالتزامات والغرامات
من التطورات المهمة أيضًا أواخر 2025 صدور المرسوم رقم 275 لعام 2025، الذي أعفى المكلفين من الفوائد والغرامات والجزاءات المتعلقة بعدد من الضرائب والرسوم عن أعوام 2024 وما قبلها إذا سددوا التزاماتهم ضمن المهل المحددة، مع إعفاء كامل حتى 31 مارس 2026، وإعفاء بنسبة 50% للفترات اللاحقة حتى 30 يونيو 2026. وشمل المرسوم ضرائب الدخل على الأرباح الحقيقية وبعض الضرائب والرسوم المالية الأخرى ورسوم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي ضمن الحدود المبينة فيه.
هذا النوع من المراسيم يكشف أن المسار الضريبي لم يكن يتحرك فقط نحو إعادة بناء النظام، بل أيضًا نحو تنظيف التراكمات السابقة وتخفيف الأعباء والغرامات لتسهيل التسوية والانتقال إلى مرحلة جديدة. وهو تطور له أثر مباشر على المكلفين وليس مجرد إعلان سياسي عام.
سادساً: تغيّرت لغة الدولة تجاه الضرائب في 2025
إلى جانب النصوص والتعاميم، ظهر تغير واضح في لغة المقاربة الرسمية للملف الضريبي. ففي 2025 كررت وزارة المالية ووزيرها أن الهدف ليس الجباية المجردة، بل بناء نظام أكثر عدالة وبساطة وشراكة مع القطاع الخاص. ويتجلى هذا بوضوح في تصريحات أكتوبر 2025 حول إعداد النظام الجديد بالتشاور مع غرف الصناعة والتجارة، وفي ربط التعديل الضريبي بأهداف مثل دعم الإنتاج وزيادة الصادرات وإعفاء المنشآت الصناعية المتضررة حتى إعادة تأهيلها.
هذا لا يعني أن هذه التصريحات وحدها أصبحت قانونًا نافذًا كاملًا، لكنها مهمة لأنها تشرح اتجاه السياسة الضريبية التي تحكمت بالتعديلات والإصلاحات المعلنة في تلك المرحلة.
سابعاً: ما الذي لم يتغير رغم كل ذلك؟
رغم هذه التحولات، بقيت نقطة أساسية ثابتة: المرجع القانوني الواضح المتاح ما زال هو قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003 مع تعديلاته، إلى أن يدخل أي قانون جديد حيز النفاذ بشكل واضح ومتكامل. وهذا مهم جدًا تحريريًا، لأن بعض الخطاب العام في 2025 و2026 قد يوحي بأن كل شيء تغيّر بالفعل، بينما الأدق هو أن النظام كان في مرحلة انتقال وإصلاح، مع بعض الإجراءات النافذة فعلًا، وبعض التوجهات المعلنة التي تحتاج دائمًا إلى التحقق من تحولها إلى نصوص مطبقة.
ماذا يعني ذلك عملياً لأصحاب الأعمال والمكلفين؟
بالنسبة لصاحب العمل أو الشركة أو المكلف الفرد، فإن أهم ما يجب فهمه من هذا المسار هو الآتي:
- الأساس القانوني ما زال قائمًا على قانون 24 لعام 2003 وتعديلاته
- لكن باب الرواتب والأجور شهد معالجة انتقالية مهمة في 2025
- وهناك إصلاحات أوسع معلنة تشمل تخفيض بعض الضرائب، وإلغاء ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، واستبدالها بضريبة مبيعات
- كما ظهرت إجراءات تخفيفية تخص الغرامات والفوائد والجزاءات عن السنوات السابقة.
وهذا يعني أن القراءة الضريبية الصحيحة في 2026 لا يجب أن تكون جامدة أو معزولة عن الواقع الجديد، لكنها أيضًا لا يجب أن تقفز إلى استنتاج أن كل ما أُعلن أصبح مطبقًا بالكامل ما لم يوجد نص نافذ واضح لكل نقطة.
ما الذي لا يحسمه هذا المقال وحده؟
هذا المقال يشرح المسار العام للتغيير الضريبي حتى 2026، لكنه لا يحسم بمفرده:
- ما إذا كان قانون ضريبي جديد قد دخل حيز النفاذ الكامل في مسألة محددة بعينها
- الأثر التفصيلي لكل تعديل على قطاع أو مكلف أو حالة عملية
- كيفية احتساب الالتزامات الدقيقة بعد كل تعميم أو مرسوم
- العلاقة التفصيلية بين القواعد القديمة والجديدة في فترة الانتقال
في هذه الحالات، تبقى الحاجة قائمة إلى الرجوع إلى النصوص النافذة والتعاميم الرسمية والتعليمات التنفيذية ذات الصلة بالحالة العملية.
الخلاصة
ما تغيّر في المسار الضريبي السوري حتى 2026 يمكن تلخيصه في أربع نقاط رئيسية:
أولًا، بقي قانون ضريبة الدخل رقم 24 لعام 2003 هو الأساس القائم مع تعديلاته.
ثانيًا، شهد باب ضريبة الرواتب والأجور تغييرًا عمليًا مهمًا في 2025 برفع الحد الأدنى المعفى إلى 837 ألف ليرة سورية حتى نهاية ذلك العام.
ثالثًا، أعلنت الحكومة في 2025 عن نظام ضريبي جديد يتضمن خفض الضريبة على الصناعيين إلى 10% وإلغاء ضريبة الإنفاق الاستهلاكي واستبدالها بـ ضريبة مبيعات ابتداءً من 2026.
رابعًا، ظهرت إجراءات انتقالية وتخفيفية مثل الإعفاء من الغرامات والفوائد والجزاءات عن سنوات سابقة وفق مرسوم 275 لعام 2025.
وبذلك، فإن فهم الضرائب في سوريا حتى 2026 يتطلب قراءة مزدوجة: قراءة القانون القائم، وقراءة مسار الإصلاح والتخفيف والتنفيذ الذي ظهر بوضوح خلال 2025 وما بعده.