ما الفرق بين قانون التجارة وقانون الشركات في سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
يكثر الخلط في بيئة الأعمال بين قانون التجارة وقانون الشركات، رغم أن لكل منهما وظيفة مختلفة داخل المنظومة القانونية السورية. فالمراجع القانونية المتاحة تعرض قانون التجارة رقم 33 لعام 2007 بوصفه الإطار العام المنظم للتجارة والتجار والعقود التجارية والأوراق التجارية والإعسار أو الإفلاس، بينما تعرض قانون الشركات بالمرسوم التشريعي رقم 29 لعام 2011 بوصفه التشريع الذي ينظم إنشاء أنواع الشركات الرئيسية وهيكلها وإدارتها واجتماعاتها وبعض قواعدها الداخلية.
وبناءً على ذلك، فإن الفرق الجوهري يمكن تلخيصه كالآتي: قانون التجارة ينظم النشاط التجاري والعلاقات التجارية في معناها الأوسع، أما قانون الشركات فينظم الكيان القانوني للشركة نفسها من حيث التأسيس والشكل والإدارة والحوكمة وبعض القواعد الداخلية المرتبطة بها. وهذا الفرق مهم جدًا للمستثمر وصاحب الشركة، لأنه يوضح متى يكون السؤال متعلقًا بطبيعة المعاملة التجارية، ومتى يكون متعلقًا ببنية الشركة ونظامها القانوني.
أولًا: قانون التجارة ينظم النشاط التجاري، وقانون الشركات ينظم الكيان الشركة
توضح المراجع المتاحة أن قانون التجارة يتكون من أربعة كتب رئيسية تشمل المبادئ العامة للتجارة والتجار والمنشآت التجارية، ثم العقود التجارية، ثم الأوراق التجارية، ثم الإعسار أو الإفلاس. وهذا يعني أنه قانون يركز على الحركة التجارية نفسها وما يرتبط بها من أعمال ومعاملات وأدوات وائتمان وتعثر.
في المقابل، يعرض قانون الشركات نفسه على أنه ينظم الأشكال القانونية الرئيسية للشركات في سوريا، مثل الشركة المساهمة العامة، والشركة المساهمة المغفلة الخاصة، والشركة محدودة المسؤولية، وشركة التضامن، وشركة التوصية، إضافة إلى مسائل مثل اجتماعات المساهمين ومجلس الإدارة وبعض القواعد التنظيمية الداخلية. لذلك، فمحوره الأساسي ليس “التجارة” كحركة في السوق، بل الشركة ككيان قانوني منظم.
ثانيًا: قانون التجارة أوسع من قانون الشركات من حيث النطاق
لا يقتصر النشاط التجاري في سوريا على الشركات وحدها. فالتجارة قد يمارسها تاجر فرد أو منشأة تجارية أو طرفان في علاقة تجارية أو مستخدمو أوراق تجارية أو أطراف في عقود تجارية، حتى لو لم تكن المسألة متعلقة بتأسيس شركة أو بهيكلها الداخلي. ولهذا يظهر قانون التجارة بوصفه قانونًا أوسع من حيث النطاق، لأنه يشمل الأعمال التجارية والتجار والمنشآت والعقود والأوراق التجارية والإفلاس.
أما قانون الشركات فمجاله أضيق نسبيًا لكنه أكثر تخصصًا، لأنه يركز على كيفية إنشاء الشركة، وما نوعها، وكيف تدار، وما القواعد التي تحكم اجتماعاتها وقراراتها وهيكلها القانوني. لذلك فليس كل ما يدخل في قانون التجارة يدخل بالضرورة في قانون الشركات، بينما كثير من الشركات تمارس نشاطها في السوق ضمن الإطار الذي ينظمه قانون التجارة أيضًا.
ثالثًا: قانون الشركات لا يلغي قانون التجارة بل يعمل إلى جانبه
من المهم فهم أن وجود قانون شركات مستقل لا يعني أن قانون التجارة توقف عن التأثير على الشركات. بالعكس، تعرض المراجع القانونية أن قانون الشركات كان تاريخيًا جزءًا من القانون التجاري القديم الوارد في المرسوم التشريعي 149/1949، ثم فُصل لاحقًا في قانون 3 لعام 2008 قبل أن يحل محله المرسوم التشريعي 29 لعام 2011. هذا التطور يدل على أن قانون الشركات خرج من قلب البيئة التجارية، لكنه أصبح لاحقًا تشريعًا مستقلًا أكثر تخصصًا.
لذلك، العلاقة الصحيحة بين القانونين ليست علاقة بديل ومُلغٍ بالكامل، بل علاقة تكامل وتوزيع وظيفي:
- قانون الشركات ينظم الشركة ككيان
- وقانون التجارة ينظم العلاقات والأعمال التجارية التي قد تكون الشركة طرفًا فيها أو تمارسها ضمن نشاطها.
رابعًا: متى نرجع إلى قانون الشركات، ومتى نرجع إلى قانون التجارة؟
عمليًا، يكون الرجوع إلى قانون الشركات هو الأقرب عندما يكون السؤال من نوع:
- ما الشكل القانوني المناسب للشركة؟
- ما الفرق بين شركة التضامن والشركة محدودة المسؤولية؟
- كيف تؤسس الشركة؟
- ما قواعد الإدارة أو مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية؟
- ما الشروط المتعلقة بالأسهم أو الشركاء أو البنية الداخلية للشركة؟
أما الرجوع إلى قانون التجارة فيكون هو الأقرب عندما يكون السؤال من نوع:
- هل هذه المعاملة ذات طبيعة تجارية؟
- ما الذي يعد عملًا تجاريًا؟
- ما القواعد العامة للعقود التجارية؟
- كيف تُفهم الأوراق التجارية مثل الشيك أو الكمبيالة أو السند لأمر؟
- ما الإطار القانوني للإعسار أو الإفلاس التجاري؟
خامسًا: الفرق بين “تأسيس الشركة” و“ممارسة النشاط التجاري”
هذا من أهم الفروق العملية. تأسيس الشركة يتعلق أساسًا بقانون الشركات، لأنه يتناول شكل الكيان، ونوعه، وآلية تسجيله، وبعض قواعد إدارته وحوكمته. أما ممارسة النشاط التجاري بعد قيام الشركة، فتدخل كثير من تفاصيلها ضمن البيئة التي ينظمها قانون التجارة، خاصة عندما تتعلق المعاملة بالعقود التجارية أو التاجر أو الأوراق التجارية أو التعثر التجاري.
بعبارة أبسط:
قانون الشركات يجيب عن سؤال: ما هذه الشركة وكيف قامت؟
أما قانون التجارة فيجيب عن سؤال: كيف تتحرك هذه الشركة أو هذا التاجر داخل السوق التجاري قانونيًا؟
سادسًا: أين يقف القانون المدني بينهما؟
توضح القراءة القانونية العامة للنظام السوري أن القانون المدني يبقى المرجع العام للعقود والالتزامات الخاصة، لكنه يتراجع نسبيًا عندما تكون المعاملة ذات طبيعة تجارية أو عندما يكون الأطراف تجارًا أو كيانات تجارية، حيث تكون أحكام قانون التجارة أرجح في التطبيق. كما تشير المادة الشارحة عن تطبيق قانون العقود في سوريا إلى أن الإطار التعاقدي في سوريا يستمد قواعده من عدة مصادر، منها القانون المدني، وقانون التجارة، وقانون التجارة الإلكترونية، وقوانين حماية المستهلك.
وهذا يعني أن صاحب الأعمال قد يكون أمام ثلاث طبقات متداخلة:
- القانون المدني كإطار عام
- قانون التجارة عندما تكون العلاقة تجارية
- قانون الشركات عندما يكون السؤال متعلقًا بالكيان نفسه وتكوينه وإدارته
سابعًا: لماذا يهم هذا الفرق المستثمر وصاحب الشركة؟
هذا الفرق ليس نظريًا، بل يجنّب صاحب العمل كثيرًا من الخلط. فعندما يريد المستثمر فهم نوع الشركة المناسب أو قواعد الإدارة أو مسؤولية الشركاء، فهو يحتاج إلى قانون الشركات. أما عندما يريد فهم البيئة التجارية التي ستعمل فيها الشركة، أو العقود التجارية، أو أدوات الوفاء، أو بعض مسائل الإعسار، فإنه يحتاج إلى قانون التجارة.
كما أن هذا التمييز مهم عند كتابة المحتوى القانوني في بوابة الأعمال السورية، لأن الخلط بين القانونين قد ينتج عنه صفحات غير دقيقة: صفحة يفترض أن تشرح “قانون التجارة” لكنها تدخل في تفاصيل تأسيس الشركات، أو صفحة يفترض أن تشرح “قانون الشركات” لكنها تتحول إلى عرض عام للعقود التجارية. والفصل الصحيح بينهما يجعل البناء المرجعي أوضح وأقوى.
هل توجد نقطة تقاطع بين القانونين؟
نعم، توجد نقاط تقاطع واضحة، لأن الشركات التجارية تمارس نشاطًا تجاريًا في كثير من الحالات، ولأن تاريخ قانون الشركات في سوريا مرتبط أصلًا بالتطور التشريعي للقانون التجاري القديم. لكن هذا التقاطع لا يلغي الفرق الوظيفي بين النصين. فالشركة قد تؤسس بموجب قانون الشركات، ثم تبرم عقودًا تجارية وتستخدم أوراقًا تجارية وتتعرض لمسائل تعثر أو نزاعات تدخل في البيئة التي ينظمها قانون التجارة.
ما الذي لا يحسمه هذا المقال وحده؟
هذا المقال يوضح الفرق المرجعي العام بين القانونين، لكنه لا يحسم بمفرده مسائل مثل:
- أي النصين يطبّق على نزاع محدد في حالة واقعية معينة
- ما إذا كانت معاملة معينة تخضع لقانون التجارة أم لقانون مدني أو متخصص آخر
- ما إذا كانت مسألة داخلية في شركة معينة ينظمها قانون الشركات وحده أم تتقاطع مع قانون آخر
- أثر أي تعديلات أو لوائح أو قرارات خاصة لاحقة على التطبيق العملي
وفي هذه الحالات، تكون الخطوة الصحيحة هي الرجوع إلى النص النافذ، ثم إلى المادة التفسيرية المتخصصة، ثم إلى المختص القانوني عند الحاجة. وحتى مارس 2026، لا يظهر في المراجع التي تم التحقق منها أن هذين القانونين قد استُبدلا باستبدال شامل، لكن ذلك لا يلغي ضرورة متابعة أي تعديلات أو تنظيمات لاحقة ذات صلة.
الخلاصة
الفرق الأساسي بين قانون التجارة وقانون الشركات في سوريا هو أن الأول ينظم النشاط والعلاقات التجارية في معناها الواسع، بينما الثاني ينظم الشركة ككيان قانوني من حيث النوع والتأسيس والإدارة وبعض القواعد الداخلية. لذلك، فإن قانون الشركات يجيب أساسًا عن أسئلة التأسيس والبنية والحوكمة، بينما يجيب قانون التجارة عن أسئلة التاجر، والعمل التجاري، والعقود التجارية، والأوراق التجارية، والإعسار أو الإفلاس. وفهم هذا الفرق يمنح المستثمر وصاحب الشركة قراءة أوضح للبيئة القانونية التي يعمل ضمنها.