مشاريع الـ 14 مليار دولار في سوريا: بين فرصة تاريخية وتحديات الواقع

دمشق – بوابة الأعمال السورية | أيلول 2025
شهدت سوريا في الأشهر الأخيرة إعلانًا لافتًا عن حزمة استثمارية ضخمة بقيمة 14 مليار دولار أمريكي، تشمل تنفيذ مجموعة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى في مجالات النقل والطاقة والعقارات والبنى التحتية.
وتُعدّ هذه الحزمة الأضخم منذ أكثر من عقد، ما يجعلها محطة مفصلية في مسار الاقتصاد السوري ومحاولات استعادته لعافيته بعد سنوات من الركود والعقوبات والتراجع الإنتاجي.
محتوى المشاريع: من المطار إلى المترو والمدن الجديدة
تشمل الخطة الاستثمارية عددًا من المشاريع الكبرى التي تم توقيع عقودها أو إطلاقها مبدئيًا مع مستثمرين سوريين وعرب، من أبرزها:
- إنشاء مطار دمشق الدولي الجديد بمواصفات عصرية وتوسعة قدرته الاستيعابية لتتجاوز 15 مليون مسافر سنويًا.
- مشروع مترو دمشق كأول منظومة نقل حضري تحت الأرض في سوريا، يربط العاصمة بضواحيها الشرقية والغربية.
- إطلاق مشروع “أبراج دمشق” ومول البرامكة التجاري كجزء من خطة لتطوير المناطق الحضرية المدمّرة وتحويلها إلى مراكز أعمال حديثة.
- تشييد مدن جديدة ذكية في ريف دمشق وحمص وحلب، وفق أنظمة عمرانية مستدامة تعتمد الطاقة المتجددة.
- توسيع ميناء اللاذقية وإنشاء محطة حاويات حديثة بالتعاون مع شركاء من دول صديقة.
هذه المشاريع، وفق تصريحات رسمية، تهدف إلى إعادة رسم الخارطة الاستثمارية السورية، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية.
من يقف وراء هذه الاستثمارات؟
أُعلن أن جزءًا من التمويل يأتي من شركات سورية خاصة ومجموعات استثمارية عربية، إضافة إلى اتفاقات تعاون مع مؤسسات من روسيا وإيران والعراق ودول آسيوية.
كما يُتوقع أن تُدار بعض المشاريع وفق نظام BOT (البناء والتشغيل ثم التحويل)، بما يسمح للمستثمرين بتحقيق عائداتهم خلال فترة زمنية محددة، قبل إعادة الأصول إلى الدولة.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن حوالي 35% من إجمالي الاستثمارات مخصصة للبنى التحتية، و25% لقطاع النقل والمواصلات، و20% للإسكان والتطوير العقاري، والباقي موزع على السياحة والطاقة والخدمات.
فرص اقتصادية واسعة… ولكن بشروط
هذه المشاريع تمثل فرصة حقيقية لخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى تحريك قطاعات اقتصادية راكدة مثل الإنشاءات، الصناعة، والنقل.
كما يمكن أن تسهم في تحسين الميزان التجاري من خلال جذب الاستثمارات الخارجية ورفع القدرة التشغيلية للمرافئ والمطارات.
لكن تحقيق هذه المكاسب يبقى مرتبطًا بعدة عوامل رئيسية، منها:
- الاستقرار المالي والنقدي في ظل التحضير لحذف الصفرين من العملة السورية.
- تأمين التمويل الخارجي بطرق شفافة ومستدامة.
- تحسين مناخ الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات وتقليص البيروقراطية.
- تعزيز الثقة بين الدولة والقطاع الخاص من خلال شراكات عادلة وضمانات واضحة.
التحديات أمام التنفيذ
رغم الحماس الذي رافق الإعلان، إلا أن الواقع الاقتصادي السوري ما يزال يواجه تحديات عميقة قد تعرقل التنفيذ الفعلي لهذه المشاريع، من أبرزها:
- ضعف البنية التحتية الحالية للطاقة والنقل، مما يزيد كلفة التنفيذ.
- استمرار العقوبات الاقتصادية وصعوبة التحويلات المالية.
- نقص الكفاءات واليد العاملة المؤهلة في بعض القطاعات التقنية.
- الحاجة إلى تحديث الإطار القانوني للشراكات الاستثمارية الطويلة الأجل.
كما يحذر خبراء من أن النجاح في الإعلان لا يعني النجاح في الإنجاز، خاصة أن سوريا سبق أن شهدت مبادرات مشابهة توقفت في مراحل مبكرة بسبب ضعف المتابعة التنفيذية.
رمزية اقتصادية وسياسية
بعيدًا عن الأرقام، فإن إطلاق هذه المشاريع يحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا مهمًا؛ فهو رسالة موجهة إلى الداخل والخارج بأن سوريا منفتحة مجددًا على الاستثمار والتنمية.
ويشير المراقبون إلى أن توقيت الإعلان، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية عربية وإقليمية لإعادة دمج سوريا اقتصاديًا، ليس مصادفة، بل يعكس محاولة بناء ثقة تدريجية مع الشركاء والمستثمرين.
رؤية ختامية: التحول من المشاريع إلى التنمية
تمثل مشاريع الـ14 مليار دولار فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد السوري، شرط أن تتحول من مجرد إعلانات استثمارية ضخمة إلى برامج تنفيذية واقعية تُدار بمعايير الشفافية والكفاءة.
فالاستثمار لا يُقاس فقط بحجم المبالغ، بل بقدرته على تحريك عجلة الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة، وتحويل الثروة المالية إلى بنية إنتاجية قادرة على الاستمرار.
وفي النهاية، تبقى هذه الخطوة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من مرحلة إعادة الإعمار إلى مرحلة النمو المستدام — بين الآمال الكبيرة والحقائق الميدانية المعقدة.