مشاريع الـ14 مليار دولار في سوريا: بين الأمل الكبير والتحدي الواقعي

تحليل استراتيجي – بوابة الأعمال السورية | 7 آب 2025
مقدمة
أثار الإعلان عن اتفاقيات استثمارية بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار لتنفيذ 12 مشروعًا استراتيجيًا في سوريا حالة من الاهتمام الواسع، لا سيما مع مشاركة مستثمرين من قطر، الإمارات، تركيا، وإيطاليا. وقد وصفت الحكومة هذه المشاريع بأنها تمثل “بداية جديدة” لاقتصاد ما بعد الحرب.
إن الأرقام الكبيرة لا تساوي بالضرورة تغييرًا حقيقيًا في حياة الناس ما لم تُترجم إلى إنجازات فعلية على الأرض. وفي ظل واقع اقتصادي هش، فإن قراءة واقعية وتحليلية لهذه المشاريع باتت ضرورية.
أولاً: ما مدى واقعية هذه المشاريع؟
✅ ما يعزز الواقعية:
- حجم الحاجة المحلية الهائل: من الواضح أن السوق السورية تحتاج بشدة إلى مشاريع بنى تحتية وإسكان ونقل وخدمات، ما يوفر دافعًا اقتصاديًا حقيقيًا خلف هذه المبادرات.
- الإرادة السياسية الظاهرة: توجّه الحكومة السورية لفتح الباب أمام استثمارات عربية ودولية، واستضافة مسؤولين من دول مؤثرة، يعكس نية سياسية واضحة لتغيير المنهج الاقتصادي المغلق.
- دخول شركات دولية معروفة: مشاركة شركات ذات خبرة وملاءة مالية في مشاريع مثل مترو دمشق وتوسعة المطار يعطي المشروع ثقلاً وموثوقية.
⚠️ التحديات الحاسمة:
- غياب البيئة المؤسسية الداعمة: تعقيدات البيروقراطية السابقة التي تحتاج لتغيير، ضعف القضاء الاقتصادي السابق، وقضايا التحكيم التجاري قد تهدد مسار أي مشروع إن لم تُعالج جذريًا. “علماً ان الحكومة اتخذت فعلاً منهج تغيير شامل لهذه التحديات من خلال تغيير القوانين وتطويرها ضمن بيئة استثمارية آمنة.
- استمرار العقوبات الغربية: رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال بعض العقوبات والقيود تعيق التحويلات، تأمين المعدات، وتمويل بعض العقود.
- الهواجس الأمنية: أي مشروع طويل الأمد بحاجة لبيئة آمنة ومحمية من الاضطرابات، وهذا ما لم يتحقق بعد بشكل كامل في عدة مناطق سورية.
- الفجوة بين التوقيع والتنفيذ: توقيع مذكرات التفاهم لا يعني بدء العمل، وقد تبقى حبر على ورق إن لم ترافقها إرادة قوية حقيقية.
الحُكم التحليلي:
المشاريع واقعية من حيث التوجه والنية، ولكن نجاحها مرهون بتحقيق إصلاحات هيكلية جدية على الأرض، وخلق بيئة استثمارية آمنة وشفافة.
ثانيًا: هل يستفيد المواطن السوري فعلًا؟
الاستثمار الحقيقي هو ما ينعكس على حياة الناس، لا ما يُزيّن نشرات الأخبار. في هذا السياق، يمكن قراءة الأثر المتوقع على المواطن من زاويتين:
✅ الفوائد المحتملة:
- خلق فرص عمل واسعة النطاق: مشاريع مترو ومطار وبنى تحتية ضخمة تعني تشغيل آلاف الفنيين، المهندسين، والعمال في مراحل التنفيذ والتشغيل.
- تحسين جودة الحياة: مترو دمشق، إذا اكتمل، سيكون أول منظومة نقل حديثة داخلية، تسهّل التنقل وتخفّف الضغط على الطرق.
- إنعاش السوق المحلي: ضخ الأموال في قطاعات الإنشاء، النقل، والخدمات سيحرّك الدورة الاقتصادية ويفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة.
- زيادة العرض العقاري: مشاريع الأبراج السكنية قد تخفف من أزمة السكن إذا تم تسعيرها بعقلانية وتوجيه جزء منها للطبقة المتوسطة.
⚠️ المخاطر الاجتماعية:
- غياب العدالة في التوزيع: الخوف الأكبر هو أن تتركّز الاستفادة في أيدي فئات محدودة من أصحاب النفوذ والمقربين من السلطة أو داخل العاصمة فقط.
- ارتفاع مؤقت في الأسعار: ضخ سيولة كبيرة قبل جاهزية السوق قد يؤدي إلى تضخم في الأسعار قبل أن يظهر النمو الحقيقي الذي يحتاج لبعض الوقت.
- مشاريع فاخرة بلا بُعد اجتماعي: إن لم تُخصّص نسبة من المشاريع السكنية للشرائح المتوسطة والمحدودة، فقد تزيد الفجوة الطبقية وهذا سينعكس سلباً على المواطنين.
ثالثًا: متى نرى نتائج حقيقية؟
من الخطأ خلق توقعات مفرطة على المدى القصير. المشاريع بهذا الحجم تتطلب مراحل زمنية متعددة، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
المرحلة | المدة المتوقعة | السمات الرئيسية |
---|
تحضيرية | 1 – 2 سنة | دراسات، تصاميم، تجهيز مواقع، تعيين كوادر |
تنفيذية | 3 – 5 سنوات | ذروة البناء والتشغيل، فرص عمل، تحريك السوق |
تشغيلية | 5 سنوات فما فوق | نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطن والبنية التحتية |
الخلاصة الزمنية:
نتائج حقيقية وشاملة لن تكون قبل 2029 – 2030، لكن الإشارات الإيجابية يمكن أن تظهر تدريجيًا من عام 2026.
رابعًا: توصيات استراتيجية لضمان نجاح الاستثمارات
لتحقيق الأثر التنموي الحقيقي، لا بد من:
- تطبيق مبدأ الشفافية في التعاقد والإنفاق.
- إشراك القطاع الخاص المحلي بشكل مباشر لضمان استفادة داخلية حقيقية.
- وضع معايير اجتماعية واضحة لمشاريع السكن (نسبة مخصصة للإسكان الاقتصادي).
- تحقيق التوزيع الجغرافي المتوازن للاستثمارات خارج دمشق وهذا ما لمسناه في تلك الاتفاقيات.
- تشكيل هيئة مستقلة لمتابعة تنفيذ المشاريع وتقييم تقدمها.
خاتمة: فرصة لا يجب أن تضيع
هذه الحزمة الاستثمارية ليست مجرد اتفاقيات، بل تمثل اختبارًا مصيريًا لقدرة الدولة السورية على التحول نحو اقتصاد إنتاجي حقيقي. النجاح ممكن، لكنه مشروط بخلق مناخ يحترم قواعد الاستثمار، الشفافية، والمصلحة العامة.
المواطن السوري بحاجة إلى ما هو أكثر من أرقام. هو بحاجة إلى رؤية نتائج ملموسة، تؤمّن له عملاً، سكنًا، وخدمات أفضل. إذا استطاعت الحكومة تحويل هذه المشاريع إلى إنجازات على الأرض، فإنها لا تبني فقط مطارًا أو مترو، بل تبني الثقة… وهذا هو الإنجاز الأهم.


