منح النفط من السعودية: بين الدعم الطارئ وفرص التحول الاستراتيجي

دمشق – بوابة الأعمال السورية | أيلول 2025
في خطوة لافتة في المشهد الإقليمي، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تقديم منحة نفطية إلى سوريا، وُصفت بأنها تأتي ضمن إطار دعم الإمدادات الطاقية وتخفيف الأعباء عن الشعب السوري. هذه الخطوة، التي تُعدّ الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد، أثارت تساؤلات واسعة حول خلفياتها الاقتصادية والسياسية، وكذلك انعكاساتها على الداخل السوري.
أولًا: السياق العام للمنحة
تأتي هذه المنحة في ظل أزمة طاقة خانقة تشهدها سوريا، حيث يعاني قطاع النفط من تراجع حاد في الإنتاج المحلي، مع محدودية الواردات بسبب العقوبات وصعوبات النقل والتمويل. وبحسب التقديرات، فإن الطاقة الإنتاجية لا تغطي أكثر من 25% من الاحتياجات الفعلية للبلاد، ما جعل أي شحنة نفطية جديدة تمثل جرعة إنعاش قصيرة الأمد للاقتصاد المحلي.
المنحة السعودية، بحسب ما تسرّب من معلومات، تشمل عدة شحنات من المشتقات النفطية المخصصة لتوليد الكهرباء وتشغيل المرافق العامة، ومن المتوقع أن تُسهم في تقليص ساعات التقنين الكهربائي وتحسين أداء بعض القطاعات الحيوية، لا سيما الصناعية والزراعية.
ثانيًا: الأبعاد الاقتصادية
من الناحية الاقتصادية، تمثل المنحة النفطية فرصة لتخفيف الضغط على الخزينة السورية، التي تُنفق مبالغ ضخمة لتأمين الوقود عبر قنوات غير رسمية أو من موردين بأسعار مرتفعة. كما يمكن أن تُسهم في خفض تكاليف النقل والإنتاج مؤقتًا، مما ينعكس على استقرار نسبي في الأسعار إن تم توزيعها بعدالة.
غير أن هذه الانعكاسات تبقى محدودة زمنيًا ما لم تترافق مع خطط هيكلية لإصلاح قطاع الطاقة، وزيادة الاعتماد على مصادر محلية أو بديلة مثل الطاقة الشمسية والغاز الحيوي.
ثالثًا: الدلالات السياسية والإقليمية
تحمل المنحة السعودية إشارات واضحة نحو إعادة تطبيع تدريجي للعلاقات الاقتصادية بين دمشق والرياض، بعد فترة طويلة من القطيعة. وقد تمثل مقدمة لفتح قنوات تعاون أوسع في مجالات إعادة الإعمار أو التجارة البينية، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية الجارية وإعادة ترتيب الأولويات في المنطقة.
كما يمكن النظر إلى الخطوة ضمن سياسة سعودية جديدة تقوم على التهدئة الإقليمية والانخراط الاقتصادي بدل المواجهة السياسية، وهو ما قد ينعكس على ملفات أخرى مثل عودة الاستثمارات العربية إلى سوريا تدريجيًا.
رابعًا: التحديات والحدود
رغم الترحيب الرسمي والشعبي بهذه الخطوة، فإن تنفيذها على الأرض يواجه تحديات تتعلق بآليات النقل والتوزيع، وضمان أن تصل المنحة إلى الفئات المستهدفة. كما تبقى مخاطر الفساد وسوء الإدارة قائمة في ظل غياب الشفافية الكاملة في إدارة الموارد النفطية.
من جهة أخرى، فإن هذه المنحة لا تعني بالضرورة بداية انفراج اقتصادي شامل، بل تمثل بادرة حسن نية سياسية أكثر منها تحولًا اقتصاديًا جذريًا.
خامسًا: آفاق مستقبلية
إذا ما جرى البناء على هذه المبادرة بخطوات متتالية — مثل تسهيل التبادل التجاري، وفتح خطوط تمويل عربية، والمشاركة في مشاريع الطاقة والإعمار — فإنها قد تشكل نقطة انطلاق نحو شراكة اقتصادية عربية – سورية جديدة.
أما إذا بقيت المنحة حدثًا معزولًا، فستظل تأثيراتها محدودة ضمن نطاق الدعم الإنساني المؤقت.
خلاصة تحليلية:
تمثل المنحة النفطية السعودية خطوة رمزية مهمة تحمل في طياتها رسائل اقتصادية وسياسية مزدوجة، لكنها في الوقت نفسه تذكير بأن سوريا بحاجة إلى تحول بنيوي في سياساتها الاقتصادية، يضمن أمن الطاقة واستدامة النمو، بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو الدعم الخارجي غير المستقر.