هل توجد قيود على تأسيس الشركات بمساهمة أجنبية في سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
يُعد سؤال المساهمة الأجنبية في الشركات السورية من أكثر الأسئلة أهميةً للمستثمرين والشركاء وأصحاب المشاريع، لأن الجواب عنه لا يرتبط فقط بقانون الشركات نفسه، بل يتقاطع أيضاً مع قوانين أخرى مثل قانون الأعمال الأجنبية وقانون تملك الأجانب وبعض القواعد القطاعية الخاصة. وفي الإطار العام، يظهر من المنظومة القانونية الأساسية أن قانون الشركات السوري لا يفرض قيوداً عامة شاملة على المساهمة الأجنبية في الأشكال الرئيسية للشركات الخاصة التي ينظمها، مثل الشركة المساهمة العامة، والشركة المساهمة المغفلة الخاصة، والشركة المحدودة المسؤولية، وشركة التضامن، وشركة التوصية.
لكن هذه القاعدة العامة لا تعني أن كل حالة عملية تسير بالطريقة نفسها. فالمساهمة الأجنبية في شركة سورية قد تكون ممكنة من حيث المبدأ، لكن التطبيق العملي قد يتأثر بقوانين أخرى موازية، أو بقيود مرتبطة بقطاع معين، أو بمتطلبات تخص التملك العقاري، أو بقواعد تخص الأعمال الأجنبية أو التراخيص أو الجهات المشرفة على بعض الأنشطة المنظمة. ولهذا فإن القراءة المهنية الصحيحة تبدأ من التمييز بين القاعدة العامة والاستثناءات أو الشروط الخاصة.
أولاً: ما القاعدة العامة في قانون الشركات؟
القاعدة العامة التي يظهرها الإطار القانوني الأساسي للشركات في سوريا هي أن تأسيس الأشكال الرئيسية للشركات الخاصة لا يخضع من حيث الأصل إلى حظر عام على المساهمة الأجنبية. وهذا يعني أن وجود مساهم أو شريك أجنبي لا يجعل الشركة غير ممكنة قانوناً على مستوى المبدأ العام، ما دام التأسيس يتم ضمن الأشكال المعترف بها في القانون، وضمن المتطلبات الإجرائية والتنظيمية الخاصة بكل نوع من أنواع الشركات.
ومن الناحية العملية، تفيد هذه القاعدة المستثمر الأجنبي أو الشريك الأجنبي في نقطة أساسية، وهي أن النظام القانوني للشركات لا يبدأ من منطق المنع العام، بل من منطق الإجازة المبدئية ضمن الإطار القانوني المنظم. لكن هذه الإجازة المبدئية لا تكفي وحدها لحسم كل التفاصيل، لأن الشركة قد تدخل لاحقاً في نطاق قوانين أخرى أكثر تخصصاً بحسب نوع النشاط أو وضع المساهمين أو طبيعة الأصول التي ستملكها أو تديرها.
ثانياً: هل تعني المساهمة الأجنبية أن المستثمر الأجنبي يجب أن يؤسس شركة سورية دائماً؟
ليس بالضرورة. فالقانون السوري يميز أيضاً بين المساهمة في شركة سورية وبين إنشاء وجود أجنبي مباشر من خلال شكل قانوني آخر. ويظهر في المنظومة القانونية وجود قانون الأعمال الأجنبية رقم 34 لعام 2008، الذي يعترف بأربعة أشكال رئيسية يمكن للأعمال الأجنبية إنشاؤها في سوريا، وهي:
- الفرع
- المكتب المؤقت
- المكتب التمثيلي
- المكتب الإقليمي
وهذا يعني أن المستثمر أو الكيان الأجنبي قد لا يكون أمام خيار واحد فقط. ففي بعض الحالات، قد يكون الأنسب هو الدخول شريكاً أو مساهماً في شركة سورية مؤسسة وفق قانون الشركات. وفي حالات أخرى، قد يكون الأنسب هو استخدام أحد الأشكال التي ينظمها قانون الأعمال الأجنبية. ولهذا فإن السؤال العملي لا يكون فقط: “هل أستطيع أن أشارك في شركة سورية؟” بل أيضاً: ما الشكل القانوني الأنسب لدخولي إلى السوق السورية؟
ثالثاً: هل توجد قيود عامة على تملك العقارات إذا كانت الشركة بمساهمة أجنبية؟
في العرض المرجعي العام، يظهر أن الشركات المؤسسة بمساهمة أجنبية لا تواجه، من حيث الأصل العام، قيوداً عامة على ملكية العقارات ضمن هذا الإطار المرجعي. لكن هذه المسألة لا تُقرأ من قانون الشركات وحده، لأن هناك أيضاً قانون تملك الأجانب رقم 11 لعام 2011 وقواعد أخرى مرتبطة بالملكية العقارية. ولهذا فإن المبدأ العام شيء، والتطبيق العملي في ملف عقاري محدد شيء آخر.
ومن هنا، فإن القول الأدق هو الآتي:
لا يظهر في قانون الشركات نفسه حظر عام شامل على الشركات ذات المساهمة الأجنبية من حيث المبدأ العام للملكية، لكن أي مشروع يتضمن تملكاً عقارياً أو تصرفاً عقارياً فعلياً يجب أن يُراجع أيضاً في ضوء القوانين العقارية الخاصة والقواعد الإجرائية ذات الصلة. وهذا مهم جداً للمشاريع الصناعية والسياحية والعقارية والاستثمارية التي ترتبط بالأرض أو بالمباني أو بالأصول العقارية.
رابعاً: هل المساهمة الأجنبية متاحة بالطريقة نفسها في كل القطاعات؟
لا. هذه نقطة مهمة جداً. فحتى لو لم يوجد منع عام شامل في قانون الشركات نفسه، فإن بعض القطاعات المنظمة بقوانين خاصة تضع حدوداً أو نسباً أو شروطاً للمساهمة الأجنبية. ويظهر ذلك بوضوح في بعض القوانين المالية والقطاعية، مثل:
- في القانون المصرفي قد تصل المشاركة الأجنبية إلى 60% في بعض الحالات.
- في قانون التمويل العقاري تظهر حدود مثل 49% للمشاركة الأجنبية.
- في قانون الصرافة قد تكون المشاركة الأجنبية في بعض الشركات محددة بنسبة 25%.
- وفي بعض المهن أو القطاعات المنظمة قد توجد قيود مهنية أو تنظيمية إضافية.
وهذا يعني أن الجواب عن سؤال المساهمة الأجنبية يجب أن يكون دائماً على مستويين:
- مستوى قانون الشركات العام
- مستوى القانون القطاعي الخاص إذا كان النشاط المصمم للشركة من الأنشطة المنظمة بقواعد خاصة
لذلك، فإن المساهمة الأجنبية قد تكون متاحة من حيث الأصل، لكن نسبتها أو شكلها أو شروطها قد تختلف كثيراً من قطاع إلى آخر.
خامساً: ما الفرق بين المساهمة الأجنبية والعمالة الأجنبية داخل الشركة؟
من الأخطاء الشائعة الخلط بين المساهمة الأجنبية في ملكية الشركة وبين تشغيل أجانب داخل الشركة. فالسؤال الأول يتعلق بملكية الأسهم أو الحصص أو بالمركز القانوني للمستثمر الأجنبي داخل الكيان. أما السؤال الثاني فيتعلق بقواعد العمل والتوظيف والتصاريح ونسب العمالة الأجنبية. وفي هذا الباب تظهر قيود تنظيمية خاصة على تشغيل غير السوريين، مثل اشتراط إذن العمل وبعض الحدود النسبية في عدد العاملين الأجانب في بعض القطاعات أو المنشآت.
ولهذا فإن تأسيس شركة بمساهمة أجنبية لا يعني تلقائياً أن الشركة تستطيع تشغيل أجانب من دون ضوابط، كما أن وجود موظفين أجانب لا يعني بالضرورة أن هيكل الملكية نفسه أجنبي. كلا الملفين مختلف، ويجب عدم الخلط بينهما عند بناء الشركة أو تقييم التزاماتها.
سادساً: ماذا يعني ذلك عملياً للمستثمر وصاحب المشروع؟
بالنسبة للمستثمر أو الشريك الأجنبي، فإن القاعدة العملية الأهم هي أن المساهمة الأجنبية في الشركات السورية ممكنة من حيث الأصل العام، لكن لا ينبغي الاكتفاء بهذه القاعدة وحدها. بل يجب الانتقال بعدها مباشرةً إلى أسئلة أكثر تخصيصاً، مثل:
- ما نوع الشركة الأنسب؟
- هل النشاط الذي ستقوم به الشركة من الأنشطة المنظمة بقانون قطاعي خاص؟
- هل توجد حدود قانونية على نسبة المشاركة الأجنبية في هذا القطاع؟
- هل يتضمن المشروع تملكاً عقارياً أو أصولاً قد تستدعي مراجعة قانون تملك الأجانب؟
- هل الأنسب تأسيس شركة سورية بمساهمة أجنبية أم فتح فرع أو مكتب وفق قانون الأعمال الأجنبية؟
وبالنسبة لصاحب المشروع السوري، فإن فهم هذه النقطة مهم أيضاً عند البحث عن شريك أجنبي أو مستثمر خارجي، لأنه يوضح أن الشراكة الأجنبية ليست ممنوعة في الأصل، لكنها تحتاج إلى تصميم قانوني دقيق يراعي النشاط والقطاع والملكية والأصول والهيكل المؤسسي منذ البداية.
سابعاً: هل يعني غياب القيود العامة أن الطريق سهل دائماً؟
لا. غياب القيود العامة شيء، وسهولة التنفيذ العملي شيء آخر. فقد تكون المساهمة الأجنبية ممكنة على مستوى المبدأ القانوني، لكن التطبيق العملي قد يظل متأثراً بالإجراءات الإدارية، ومتطلبات التوثيق، والتسجيل، والحصول على الموافقات أو التراخيص اللازمة، وبتقاطع الملف مع قوانين أخرى. وهذا أمر شائع في المشاريع التي تكون فيها طبيعة النشاط حساسة أو مرتبطة بالتمويل أو العقارات أو القطاعات المنظمة أو التراخيص الخاصة.
ولهذا، فالمقاربة الأدق ليست القول: “لا توجد قيود، إذاً كل شيء مفتوح بلا شروط”، بل القول: لا يظهر منع عام شامل في قانون الشركات، لكن كل حالة تحتاج إلى تدقيق قانوني بحسب نوع النشاط والقطاع والشكل القانوني والأصول المعنية.
ما الذي لا يحسمه هذا المقال وحده؟
هذا المقال يوضح القاعدة العامة بشأن المساهمة الأجنبية في الشركات السورية، لكنه لا يحسم بمفرده:
- ما إذا كان نشاط معين يخضع لحدود خاصة على الملكية الأجنبية
- النسبة الجائزة للمشاركة الأجنبية في كل قطاع منظم
- شروط التملك العقاري أو الأصول الخاصة في حالة محددة
- ما إذا كان الأنسب هو تأسيس شركة سورية أم فتح فرع أو مكتب أجنبي
- أثر التعليمات التنفيذية أو الموافقات القطاعية أو التنظيمية على حالة عملية بعينها
في هذه الحالات، تكون الخطوة الصحيحة هي الرجوع إلى النص النافذ، ثم إلى القانون القطاعي أو العقاري أو التنظيمي ذي الصلة، ثم إلى المختص القانوني أو التجاري عند الحاجة.
الخلاصة
من حيث الأصل العام، لا يظهر في قانون الشركات السوري منع شامل على تأسيس الشركات بمساهمة أجنبية في الأشكال الرئيسية التي ينظمها. لكن هذه القاعدة العامة لا تكفي وحدها، لأن التطبيق العملي قد يتأثر بقوانين أخرى مثل قانون الأعمال الأجنبية وقانون تملك الأجانب وبعض القوانين القطاعية الخاصة التي تضع حدوداً أو نسباً أو شروطاً معينة في مجالات محددة. ولهذا فإن المساهمة الأجنبية في سوريا تُفهم قانونياً من خلال الجمع بين القاعدة العامة في قانون الشركات والقيود أو المتطلبات الخاصة بكل قطاع أو حالة عملية.