هل يمكن لسوريا أن تكون بديلاً عن مضيق هرمز؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
قراءة تحليلية في واقعية الطرح سياسياً واقتصادياً ولوجستياً
أعاد التصريح المنسوب إلى المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، فتح نقاش حساس حول موقع سوريا المحتمل في خرائط الطاقة والتجارة الإقليمية، بعد حديثه عن إمكان أن تكون سوريا جزءاً من بديل أو ممر مكمّل في مواجهة أزمات مضيق هرمز. وتنبع أهمية هذا الطرح من توقيته أولاً، ومن طبيعته ثانياً؛ فهو لا يتعلق بممر محلي محدود، بل بأحد أهم الاختناقات الاستراتيجية في تجارة الطاقة العالمية.
ومع أن الفكرة تبدو جذابة سياسياً وجيو-اقتصادياً، فإن تقييمها مهنياً يقتضي الفصل بين القيمة السياسية للتصريح وواقعيته التنفيذية. فهناك فرق واضح بين أن تكون سوريا ذات موقع جغرافي يسمح بلعب دور إقليمي في النقل والطاقة مستقبلاً، وبين أن تكون بديلاً فعلياً عن مضيق هرمز بالمعنى التجاري واللوجستي المباشر.
أولاً: لماذا يبدو الطرح لافتاً من حيث المبدأ؟
من الناحية النظرية، لا يخلو التصريح من منطق. فسوريا تقع في نقطة وصل بين العراق وتركيا وشرق المتوسط، وتمتلك منفذاً بحرياً على المتوسط، كما أن تاريخ المنطقة عرف تصورات متعددة لجعلها ممر عبور للطاقة أو عقدة ربط بين أكثر من فضاء اقتصادي. ولهذا فإن أي حديث عن استعادة وظيفة سوريا كأرض عبور أو منصة لوجستية ليس حديثاً مفصولاً تماماً عن الجغرافيا.
كذلك، فإن العالم ينظر إلى مضيق هرمز بوصفه ممراً بالغ الحساسية، لأن جزءاً ضخماً من تجارة النفط والغاز يمر عبره يومياً. وهذا يجعل كل نقاش عن بدائل بحرية أو برية أو أنبوبية يحظى باهتمام دولي مباشر، خصوصاً في فترات التوتر الإقليمي. لذلك، من الطبيعي أن تبدو فكرة “الممرات البديلة” جذابة في الخطاب السياسي، حتى لو كانت المسافة كبيرة بين الفكرة والتنفيذ.
ثانياً: أين تكمن المبالغة في هذا الطرح؟
المبالغة تبدأ عندما يُفهم التصريح على أن سوريا يمكن أن تحل محل هرمز بصورة مباشرة أو سريعة. فمضيق هرمز ليس مجرد طريق جغرافي، بل بنية قائمة فعلياً ضمن شبكة تصدير وإمداد وتأمين وموانئ وأساطيل وأنظمة نقل وتخزين مترابطة منذ عقود. أما سوريا، فهي اليوم لا تملك بنية تشغيلية مماثلة، ولا قدرات عبور جاهزة تسمح بوصفها بديلاً فورياً لممر بهذا الحجم.
بصياغة أكثر دقة، يمكن القول إن سوريا قد تُطرح نظرياً بوصفها ممرّاً مكمّلاً أو جزءاً من بدائل إقليمية أوسع في المدى المتوسط أو الطويل، لكنها ليست بديلاً مباشراً عن مضيق هرمز بالمعنى الفني أو التجاري القريب. وهذا الفارق مهم جداً تحريرياً، لأن الخلط بين “الإمكان الاستراتيجي” و“الجاهزية التنفيذية” يؤدي إلى قراءة مبالغ فيها.
ثالثاً: العامل الجغرافي وحده لا يكفي
غالباً ما تُستخدم الجغرافيا في مثل هذه النقاشات بوصفها نقطة القوة الأولى. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع ممراً تجارياً قابلاً للحياة. فلكي تتحول دولة ما إلى عقدة عبور للطاقة أو التجارة، لا بد من توافر مجموعة شروط مترابطة: الاستقرار، البنية التحتية، التمويل، البيئة القانونية، التأمين، العلاقات الإقليمية، وكفاءة الإدارة التشغيلية.
وسوريا، رغم أهميتها الجغرافية، ما تزال تواجه فجوات كبيرة في هذه العناصر. لذلك فإن الاستناد إلى الخريطة وحدها لا يكفي لإثبات أن البلاد قادرة على أداء هذا الدور قريباً. فالموقع ميزة أساسية، لكنه لا يتحول إلى وظيفة اقتصادية إلا عندما تدعمه بنية صلبة وقواعد مستقرة وشبكات تشغيل فعلية.
رابعاً: التحدي اللوجستي هو الأثقل
إذا جرى تقييم الفكرة لوجستياً، تظهر الصعوبة بوضوح. فأن تكون سوريا جزءاً من ممر بديل يقتضي بنية تحتية متقدمة تشمل خطوط أنابيب أو شبكات نقل متكاملة، ومحطات ضخ وتخزين، ومرافئ قادرة على المناولة، وربطاً برياً وتشغيلياً آمناً مع دول المصدر والعبور والسوق النهائية. وهذه ليست عناصر يمكن توفيرها بخطاب سياسي أو بإشارة دبلوماسية، بل تحتاج إلى سنوات من العمل والتمويل والتنسيق.
كما أن البدائل البرية أو الأنبوبية، حتى عندما تكون ممكنة، لا تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الممرات البحرية العملاقة من حيث السعة والمرونة والكلفة وسرعة التشغيل. ولهذا فإن أي حديث جاد عن دور سوري في هذا المجال يجب أن يُقدّم بوصفه مشروعاً طويل النفس، لا بديلاً جاهزاً أو فورياً.
خامساً: البعد الاقتصادي لا يزال هشاً
اقتصادياً، لا يمكن فصل هذا الطرح عن واقع سوريا الداخلي. فالبلاد ما تزال تتحرك ضمن بيئة إعادة بناء واسعة، مع حاجات ضخمة في البنية الأساسية والطاقة والتمويل والخدمات العامة. وهذا يعني أن تحويل سوريا إلى منصة عبور إقليمية يتطلب أولاً إعادة تأهيل داخلية كبيرة، قبل الحديث عن أداء دور خارجي ثقيل ومعقد.
كذلك، فإن أي مشروع من هذا النوع يحتاج إلى استثمارات كبيرة جداً، وإلى قدرة على جذب رأسمال طويل الأجل يقبل المخاطر السياسية والتنظيمية والأمنية. وفي بيئة لم تستقر فيها بعد قواعد الاستثمار والتشغيل بشكل كامل، يبقى الانتقال من الطرح النظري إلى التنفيذ الاقتصادي أمراً شديد الصعوبة.
سادساً: البعد السياسي يفسر التصريح أكثر مما يثبته
من المهم هنا قراءة التصريح سياسياً لا حرفياً فقط. فمن المحتمل أن يكون المقصود منه إعادة طرح سوريا ضمن خرائط المنطقة بوصفها مساحة يمكن أن تؤدي وظيفة اقتصادية في المستقبل، لا إعلان مشروع عملي مكتمل. وهذا التفسير يبدو أكثر اتساقاً مع طبيعة الخطاب السياسي والاستثماري، الذي كثيراً ما يبدأ بسردية استراتيجية قبل أن تتضح أدواتها التنفيذية.
بمعنى آخر، قد يكون التصريح محاولة لفتح الباب أمام رؤية تقول إن سوريا ليست فقط ساحة نزاع أو ملفاً أمنياً، بل يمكن أن تصبح جزءاً من معادلات الطاقة والنقل وإعادة الربط الإقليمي. وهذا بحد ذاته تطور سياسي مهم، لكنه لا يكفي لإثبات جاهزية اقتصادية أو لوجستية قائمة.
سابعاً: ما الذي تحتاجه سوريا فعلياً لتقترب من هذا الدور؟
إذا أريد لهذا الطرح أن يصبح أكثر واقعية، فهناك شروط أساسية لا يمكن تجاوزها. أولها الاستقرار الأمني والسياسي المستدام، لأن مشاريع العبور الكبرى لا تُبنى على بيئة متقلبة. ثانيها إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية. ثالثها وجود إطار قانوني واستثماري واضح وقابل للتنبؤ. رابعها تفاهمات إقليمية حقيقية مع الدول المعنية بالمصدر والعبور والسوق. وخامسها تمويل طويل الأجل قادر على تحمل الكلفة والمخاطر.
ومن دون هذه الشروط، يبقى الطرح أقرب إلى فكرة استراتيجية أو رسالة سياسية منه إلى مشروع اقتصادي ناضج.
ثامناً: هل يصلح هذا الحديث مادة تحليلية للنشر؟
نعم، بل يصلح مادة قوية جداً للنشر، بشرط أن يُقدَّم بوصفه سؤالاً تحليلياً لا حقيقة تقريرية. فالقيمة التحريرية هنا لا تكمن في تبني التصريح أو رفضه انفعالياً، بل في تفكيكه مهنياً: ما الذي يجعله مفهوماً من حيث الجغرافيا؟ وما الذي يجعله مبالغاً فيه من حيث التنفيذ؟ وما الذي تحتاجه سوريا كي تنتقل من موقع محتمل إلى وظيفة اقتصادية فعلية؟
هذه الزاوية هي الأنسب لمنصة أعمال مهنية، لأنها تقدم للقارئ قراءة متوازنة: لا تنكر أهمية الموقع السوري، ولا تسوّق في الوقت نفسه لفكرة أكبر من الواقع القائم.
الخلاصة
القول إن سوريا يمكن أن تكون بديلاً عن مضيق هرمز ليس واقعياً إذا فُهم حرفياً أو على المدى القريب. فالفارق كبير بين حجم هرمز ووظيفته العالمية من جهة، وبين الواقع السوري الحالي من جهة أخرى. لكن الفكرة ليست خيالية بالكامل إذا أُعيدت صياغتها بدقة: سوريا قد تصبح مستقبلاً ممرّاً مكمّلاً أو حلقة ضمن بدائل إقليمية أوسع إذا توفرت شروط الاستقرار والاستثمار والبنية التحتية والربط السياسي والاقتصادي.
لذلك، فإن القراءة الأكثر مهنية لهذا التصريح هي أنه مهم سياسياً واستراتيجياً، لكنه غير كافٍ وحده لإثبات واقعية اقتصادية أو لوجستية مكتملة. وبين هذين المستويين تحديداً، توجد المساحة التي ينبغي أن يتحرك فيها أي مقال تحليلي رصين حول هذا الموضوع.