وزير المالية السوري يشرح تفاصيل زيادة الرواتب وموازنة 2026 ومعالجة القروض المتعثرة

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
كشف وزير المالية السوري، في لقاء مصور، عن حزمة من الإجراءات المالية والاقتصادية التي تشمل زيادة الرواتب والأجور، ومعالجة القروض المتعثرة، ومنح إعفاءات ضريبية للمنشآت المتضررة، إلى جانب عرض ملامح موازنة عام 2026، في إطار توجه حكومي يقول إنه يستهدف تحسين المعيشة، وتنشيط الاقتصاد، وإصلاح بنية الإدارة المالية العامة.
زيادات نوعية وزيادة عامة بنسبة 50%
أوضح الوزير أن الزيادات الأخيرة في الرواتب والأجور جاءت ضمن مسارين متوازيين:
الأول يتمثل في زيادات نوعية استهدفت قطاعات محددة ذات أولوية، تشمل الصحة والتربية والتعليم العالي والأوقاف ومصرف سوريا المركزي وجهات الرقابة والتفتيش والرقابة المالية، بهدف الحفاظ على الكفاءات ومنع تسربها واستقطاب الخبرات إلى مواقع تعتبرها الدولة حساسة في المرحلة المقبلة.
أما المسار الثاني، فهو زيادة عامة بنسبة 50% للعاملين الذين لم تشملهم الزيادات النوعية، مع رفع الحد الأدنى للأجور إلى 125,600 ليرة سورية في القطاعين العام والخاص.
وبحسب الوزير، فإن هذه الخطوة لا تمثل نهاية مسار إصلاح الأجور، بل هي مرحلة أولى ضمن توجه تدريجي للوصول إلى مستوى دخل يقترب من متطلبات الحياة الكريمة.
إصلاح أوسع للأجور عبر قانون خدمة مدنية جديد
وأشار الوزير إلى أن نهاية العام ستشهد صدور قانون جديد للخدمة المدنية، يتضمن إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الأجور في الدولة.
وبحسب ما عرضه، فإن الزيادات المستقبلية ستعتمد على معيارين رئيسيين:
- غلاء المعيشة بما ينسجم مع معدل التضخم السنوي
- الأداء الوظيفي بحيث ترتبط زيادة إضافية بتقييم الموظف ومستوى كفاءته
هذا التوجه، إذا تم تطبيقه كما هو معلن، يعني انتقال السياسة الحكومية من الزيادات العامة التقليدية إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالإنتاجية والتكلفة الفعلية للمعيشة.
حوافز خاصة للعمل في الأرياف والمناطق التنموية
وتحدث الوزير عن وجود عزوف عن العمل في بعض القرى والمناطق الريفية والتنموية، ولا سيما في قطاعات مثل الصحة والتعليم.
وأشار إلى أن الحكومة تتجه إلى منح حوافز وتعويضات إضافية للأطباء والممرضين والأساتذة الذين يقبلون العمل في هذه المناطق، على أن تحدد التفاصيل عبر التعليمات التنفيذية.
ويحمل هذا التوجه بعداً تنموياً مباشراً، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقصاً في الكوادر والخدمات الأساسية.
معالجة القروض المتعثرة: إعادة أصول إلى الدورة الاقتصادية
في ملف القروض المتعثرة، أوضح الوزير أن المرسوم الخاص بهذا الملف لا يهدف فقط إلى تحصيل الأموال من المقترضين المتعثرين، بل أيضاً إلى تنظيف محافظ البنوك الحكومية من الديون القديمة وإعادة تأهيلها لتعود مؤسسات تمويل قادرة على العمل بكفاءة أعلى.
وأشار إلى أن عدد المتعثرين يقدّر بين 700 و800 ألف حالة، وأن المرسوم يمنح تسهيلات تشمل إعفاءات من غرامات وفوائد التأخير لتشجيع التسويات.
كما لفت إلى أن بعض المعامل والمنشآت والمحال ما تزال محجوزة بسبب ديون سابقة، وأن معالجة هذا الملف قد تسهم في إعادة هذه الأصول إلى النشاط الاقتصادي، بما يساعد على استئناف الإنتاج وفتح المجال أمام دورة تشغيل جديدة في بعض القطاعات.
إعفاءات ضريبية للمنشآت المتضررة
وتضمن اللقاء عرضاً لإجراءات ضريبية تستهدف المنشآت الصناعية والسياحية والتجارية المتضررة، حيث أشار الوزير إلى منح إعفاءات ضريبية قد تصل إلى 100% لمدة أربع سنوات، وفقاً لحجم الضرر الذي تحدده لجان مختصة.
وتهدف هذه الخطوة، بحسب الوزير، إلى تشجيع أصحاب المنشآت على العودة إلى الإنتاج واستعادة النشاط، بما ينعكس على خلق فرص العمل وتحريك السوق.
موازنة 2026: 10.5 مليار دولار
وفي ما يتعلق بالموازنة العامة، أعلن الوزير أن موازنة عام 2026 بلغت 10.5 مليار دولار، معتبراً أنها تعادل عدة أضعاف موازنات السنوات السابقة، وتعكس توسعاً واضحاً في حجم الإنفاق العام.
وأوضح أن توزيع الإنفاق يشمل:
- 40% لقطاعات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية
- 27% للإنفاق الاستثماري وتطوير البنية التحتية
كما أشار إلى أن الحكومة تعتزم إصدار “موازنة المواطن” بهدف شرح مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق بلغة مبسطة تعزز الشفافية أمام الرأي العام.
وفي مؤشر لافت، كشف الوزير أن موازنة 2025 حققت فائضاً بقيمة 46 مليون دولار، واصفاً ذلك بأنه أول فائض يتحقق منذ عقود.
تمويل “حقيقي” للعجز ومن دون طباعة نقد
في معرض حديثه عن الاستقرار النقدي، شدد الوزير على أن تمويل الإنفاق وزيادات الرواتب لا يتم عبر طباعة العملة أو ما يعرف بالتمويل بالعجز، وإنما من موارد حقيقية وأدوات تمويل مثل الصكوك والسندات، معتبراً أن هذا النهج هو ما يحد من مخاطر التضخم ويحافظ على استقرار سعر الصرف.
كما أقر بوجود ارتفاعات في أسعار بعض السلع، واعتبر أن جزءاً منها غير مبرر، محملاً أجهزة الرقابة التموينية والمجتمعية مسؤولية أكبر في ضبط الأسواق.
منظومة ضريبية جديدة خلال أسابيع
وفي جانب الإصلاح الضريبي، أعلن الوزير عن قرب إطلاق منظومة ضريبية جديدة تقوم على تبسيط الإجراءات ومراعاة أصحاب الدخل المحدود، في خطوة تبدو مرتبطة بإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمكلفين، وتقليل التعقيدات الإدارية التي لطالما شكلت عبئاً على النشاط الاقتصادي الرسمي.
دلالات المرحلة
يعكس ما طرحه وزير المالية توجهاً حكومياً لربط السياسة المالية بأهداف أوسع تشمل:
تحسين مستوى الدخل، والحفاظ على الكفاءات، وإعادة تشغيل الأصول المتعثرة، وتوسيع الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، مع محاولة تقديم رسائل طمأنة تتعلق بالاستقرار النقدي وعدم اللجوء إلى طباعة العملة.
لكن فعالية هذه السياسات ستظل مرتبطة بقدرة الجهات التنفيذية على تحويل المراسيم والإعلانات إلى نتائج ملموسة على الأرض، سواء في الرواتب الحقيقية، أو في تفعيل الإعفاءات، أو في إعادة تحريك الدورة الإنتاجية، أو في ضبط الأسعار والأسواق.