مهلة جديدة لرخص البناء في المدن الصناعية: ما الذي تغيّر فعلياً للمستثمرين، وما الذي تخسره المقاسم غير المستثمرة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
عاد ملف رخص البناء في المدن الصناعية إلى الواجهة بوصفه ملفاً تنفيذياً لا إدارياً فقط. فإدارة المدينة الصناعية في عدرا دعت المستثمرين المتعثرين الذين لم يستفيدوا من قرارات معالجة التعثر السابقة إلى تقديم طلبات المعالجة حتى 24 نيسان 2026، واشترطت أن يكون المقسم مرخصاً أصولاً، وأن تكون أعمال البناء الأساسية منفذة بما يشمل القواعد والتصوينة، وأن يكون المقسم خالياً من الالتزامات أو المخالفات المالية والقانونية. كما أعادت التذكير بأن وزارة الاقتصاد والصناعة كانت قد أصدرت في 25 تشرين الأول الماضي قراراً يمنح المستثمرين المتعثرين مهلة 90 يوماً لتسوية أوضاعهم واستكمال مشاريعهم.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن القرار الوزاري استناداً إلى سانا، فإن المهلة ترتبط بالمستثمرين الذين حصلوا على رخص بناء وأنجزوا الأساسات وأعمال التصوينة أو جزءاً منها، على أن يستكملوا البناء ويشغّلوا المنشأة ويدخلوها في الإنتاج خلال مدة لا تتجاوز سنة ونصف من تاريخ القرار، أو يبيعوا المقسم وينقلوا ملكيته إلى مستثمر جديد، وإلا يعامل المقسم بوصفه شاغراً وتعود لإدارة المدينة الصناعية صلاحية التصرف به وفق الأنظمة النافذة.
اقتصادياً، هذه ليست مجرد مهلة إدارية جديدة، بل محاولة لإعادة فرز المقاسم بين استثمار فعلي واستثمار مجمّد. فواحدة من المشكلات المزمنة في المدن الصناعية ليست نقص الأراضي الصناعية فقط، بل وجود مقاسم مخصصة منذ سنوات من دون تشغيل حقيقي، بما يحجب الأرض والخدمات عن مستثمرين آخرين مستعدين للبناء والإنتاج. وعندما تربط الوزارة المهلة بالتشغيل الفعلي أو نقل الملكية، فهي عملياً تدفع باتجاه رفع كفاءة استخدام الأرض الصناعية، لا الاكتفاء بتخصيصها ورقياً. هذا استنتاج تحليلي مبني على شروط القرار وآلية التعامل مع المقاسم غير المسواة.
أهمية القرار تزداد عند وضعه في سياق النشاط الجاري داخل عدرا نفسها. فالمدينة طرحت خلال الربع الأول من 2026 عدد 88 مقسماً صناعياً للاستثمار، واكتتب الصناعيون على 71 منها، كما تم تخصيص 38 مقسماً ومنح 124 رخصة بناء و7 رخص إدارية، ما يشير إلى وجود طلب استثماري فعلي يترافق مع ضغط متزايد على البنية التحتية والخدمات والأراضي المتاحة. في هذا السياق، تصبح معالجة المقاسم المتعثرة جزءاً من إدارة العرض الصناعي، لا مجرد ملف قانوني ثانوي.
من زاوية المستثمر، يوجّه القرار ثلاث رسائل واضحة. الأولى أن الاحتفاظ بالمقسم من دون تقدم تنفيذي لم يعد خياراً منخفض الكلفة. الثانية أن الرخصة لم تعد غاية بذاتها، بل نقطة بداية تقاس بإنجاز البناء ثم بالإنتاج. والثالثة أن المدن الصناعية تتجه نحو تشديد الربط بين التخصيص والتشغيل، وهو ما يرفع جدية البيئة الاستثمارية لكنه يفرض في الوقت نفسه انضباطاً مالياً وتنفيذياً أعلى على المستثمرين. وهذه القراءة مهمة خصوصاً للمستثمرين الذين يخططون لاكتتابات جديدة أو لتوسعات داخل عدرا أو الشيخ نجار أو حسياء.
وفي الخلفية، ينسجم هذا المسار مع نظام الاستثمار الجديد في المدن الصناعية الذي أُقر في حزيران 2025 بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية. أي إن ما يجري اليوم ليس قراراً معزولاً، بل جزء من محاولة أوسع لإعادة ضبط علاقة المستثمر بالأرض الصناعية وبالمهل وبالتنفيذ الفعلي.
خلاصة الحدث أن سوريا لا تختبر فقط كيف تجذب مستثمرين إلى المدن الصناعية، بل كيف تضمن أن تتحول المقاسم إلى مصانع ومنشآت عاملة لا إلى أصول خامدة. ولهذا فإن هذا الملف يستحق المتابعة بوصفه مؤشراً على جودة إدارة البيئة الصناعية نفسها: هل ستنجح المدن الصناعية في تحرير الأرض غير المستثمرة، وتسريع دورة البناء، وربط الامتيازات بالتشغيل الحقيقي؟ هذا هو السؤال الاقتصادي الأهم خلف المهلة الحالية.