ما بين برلين ولندن: إلى أين تتجه سوريا في لحظة إعادة التموضع؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
مقدمة
لم تعد التحركات الخارجية السورية تُقرأ اليوم بوصفها نشاطاً دبلوماسياً بروتوكولياً فقط، بل بوصفها مؤشراً على محاولة إعادة تعريف موقع سوريا في العالم، وفي الاقتصاد الإقليمي والدولي، بعد سنوات طويلة من العزلة والإنهاك والتعقيد. ومن هذه الزاوية، فإن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين ثم لندن تستحق قراءة أعمق من مجرد متابعة الصور والبيانات الرسمية.
المسألة هنا ليست فقط: من استقبل من؟ وماذا قيل في الاجتماعات؟
المسألة الأهم هي: ماذا تكشف هذه التحركات عن نظرة أوروبا إلى سوريا اليوم؟ وماذا تقول عن قدرة سوريا على الانتقال من موقع الملف الأمني والإنساني إلى موقع الدولة التي تحاول استعادة دورها الاقتصادي والسياسي بصورة تدريجية؟
ليست زيارتين عاديتين
أهمية ما جرى لا تأتي من الطابع السياسي للزيارتين فقط، بل من دلالتهما المتزامنة. فحين تظهر سوريا في عاصمتين بحجم برلين ولندن خلال فترة متقاربة، فهذا يعني أن هناك إعادة اختبار غربية للعلاقة معها، ولو بحذر، وأن السؤال لم يعد محصوراً في كيفية احتواء الأزمة السورية، بل بدأ يمتد إلى كيفية التعامل مع سوريا في المرحلة التالية.
برلين تمثل في هذا السياق بوابة أوروبية ثقيلة من حيث الاقتصاد، والصناعة، والدور داخل الاتحاد الأوروبي، وملف اللاجئين، وإعادة الإعمار. أما لندن فتمثل بوابة مختلفة: بوابة الشرعية السياسية، والقراءة الأمنية، والتعامل مع المخاطر، وربط الملف السوري بإطار أوسع يتعلق بالمنطقة والاستقرار والتمويل والعلاقات الدولية.
ومن هنا، فإن قراءة الزيارتين معاً أهم من قراءة كل زيارة بمعزل عن الأخرى.
ماذا تقول برلين؟
في القراءة الاقتصادية، تحمل برلين دلالات تتجاوز بعدها الثنائي مع سوريا. فألمانيا ليست فقط دولة أوروبية كبيرة، بل هي دولة ترتبط بالملف السوري عبر ثلاث قنوات شديدة الأهمية: اللاجئون السوريون، والقدرة على التأثير في المزاج الأوروبي الاقتصادي، والدور المحتمل في أي مسار جدي لإعادة الإعمار أو دعم التعافي.
ومن هذا المنظور، فإن أي انفتاح سياسي أو حوار مباشر مع برلين لا يعني مجرد تحسن في العلاقات، بل يعني أن سوريا تحاول الدخول من البوابة التي تجمع بين الاقتصاد والسياسة والقدرة التنظيمية.
الأهم من ذلك أن ألمانيا تضم كتلة سورية كبيرة ذات أثر اقتصادي ومهني وبشري مهم. وهذه الكتلة لا يجب قراءتها فقط ضمن ملف اللجوء، بل أيضاً ضمن ملف رأس المال البشري السوري في الخارج. فالسوريون في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا، يمثلون اليوم شبكة مهارات وخبرات ورؤوس أموال وعلاقات سوق وتحويلات، ويمكن أن يتحولوا، إذا توفرت البيئة المناسبة، إلى أحد أهم جسور إعادة بناء الاقتصاد السوري بصورة تدريجية.
لذلك، فإن أي خطاب سوري يتجه نحو ألمانيا لا يخاطب الحكومة الألمانية فقط، بل يخاطب أيضاً البنية السورية المقيمة هناك، وما يمكن أن تمثله لاحقاً من مساهمة في الاستثمار، ونقل الخبرة، وربط السوق السورية بالشبكات الاقتصادية الخارجية.
وماذا تقول لندن؟
إذا كانت برلين تعني كثيراً في ملف الاقتصاد وإعادة الإعمار والعودة وربط سوريا بأوروبا القارية، فإن لندن تعني شيئاً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية: القبول السياسي المنضبط، وإعادة فتح قنوات العلاقة مع الغرب من بوابة أكثر حساسية تجاه الأمن والاستقرار والامتثال والمخاطر.
لندن لا تُقرأ فقط كعاصمة أوروبية كبرى، بل كعقدة وصل بين السياسة والمال والقانون. ولهذا فإن أي تقارب معها يكتسب قيمة تتجاوز البعد الثنائي المباشر. فبريطانيا تاريخياً واحدة من الساحات التي تؤثر في كيفية قراءة المخاطر السياسية والقانونية، وفي صورة الدولة أمام المؤسسات والدوائر الدولية.
ومن هنا، فإن الرسالة التي تحملها زيارة لندن ليست بالضرورة رسالة استثمارات قريبة أو شراكات اقتصادية مباشرة، بل رسالة أهم في هذه المرحلة: سوريا تحاول أن تعود إلى مساحة الحوار السياسي الرسمي مع الغرب، وأن تخفف تدريجياً من موقعها بوصفها حالة معزولة يصعب الاقتراب منها.
وهذا تطور مهم، لأن الاقتصاد لا يتحرك في الفراغ. وقبل أن يدخل المستثمر أو الممول أو الشريك المؤسسي، لا بد أن يسبق ذلك تحول في النظرة السياسية والقانونية والأمنية إلى البلد.
ما المعنى الاستراتيجي للزيارتين معاً؟
المعنى الأوضح هو أن سوريا تحاول إعادة التموضع بين مسارين أوروبيين متكاملين.
المسار الأول تمثله برلين:
اقتصاد، إعادة إعمار، عودة، مهارات، شراكات، وقراءة عملية للاستقرار.
والمسار الثاني تمثله لندن:
شرعية سياسية، اختبار أمني، إدارة مخاطر، وإعادة فتح القنوات الرسمية.
وهذا مهم جداً، لأن سوريا لا يمكن أن تستفيد من انفتاح اقتصادي حقيقي إذا بقيت محصورة في مقاربة أمنية فقط، كما لا يمكن أن تحقق اختراقاً سياسياً مستداماً إذا لم تقدم نفسها أيضاً بوصفها بلداً قابلاً للاندماج الاقتصادي التدريجي.
بمعنى آخر، فإن ما يحدث ليس تحولاً كاملاً بعد، لكنه محاولة لبناء معادلة جديدة عنوانها:
الاعتراف السياسي التدريجي + تخفيف العزلة + تحسين صورة المخاطر + فتح المجال أمام التعافي الاقتصادي
وهذه المعادلة، إذا نجحت، يمكن أن تكون بداية انتقال سوريا من خانة “ملف الأزمة” إلى خانة “الدولة التي يعاد اختبار إمكان التعامل معها”.
هل نحن أمام اختراق اقتصادي فعلي؟
حتى الآن، لا يمكن القول إن ما جرى يمثل اختراقاً اقتصادياً كاملاً. وهذا التفريق ضروري، لأن كثيراً من القراءات المتسرعة تخلط بين الانفتاح السياسي وبين التحول الاقتصادي الفعلي.
الاقتصاد السوري ما زال يواجه تحديات ثقيلة جداً: ضعف الإنتاج، هشاشة البنية التشغيلية، اختناقات التمويل، تراجع القدرة الشرائية، ضعف الثقة، مشاكل الطاقة، وتآكل البيئة الاستثمارية خلال سنوات طويلة. وبالتالي، فإن أي زيارة خارجية، مهما كانت مهمة، لا تغيّر هذه الحقائق وحدها.
لكن في المقابل، لا يجوز التقليل من قيمة ما جرى. فالزيارات من هذا النوع لا تصنع التعافي مباشرة، لكنها قد تفتح الباب أمامه. وهي لا تضخ الأموال تلقائياً، لكنها قد تعيد سوريا إلى خريطة المتابعة والاهتمام والنقاش الجدي داخل العواصم المؤثرة.
وهنا يكمن الفارق بين القراءة الواقعية والقراءة الإنشائية:
الزيارتان لا تعنيان أن الأزمة الاقتصادية شارفت على الانتهاء.
لكنّهما تعنيان أن سوريا تحاول الخروج من دائرة الجمود الكامل إلى دائرة الاحتمال السياسي والاقتصادي.
ما الذي يمكن أن تستفيده سوريا إذا أُحسن استثمار هذه اللحظة؟
هناك خمس فرص رئيسية يمكن أن تنشأ من هذا المسار إذا جرى التعامل معه بعقلانية ومهنية:
1) إعادة تعريف ملف السوريين في الخارج
بدلاً من أن يبقى السوريون في أوروبا مجرد ملف لجوء أو عبء سياسي في النقاشات الغربية، يمكن أن يتحولوا إلى رصيد اقتصادي ووطني. فالمهارات والخبرات والتحويلات والعلاقات المهنية التي راكمها السوريون في الخارج يمكن أن تصبح جزءاً من عملية التعافي، إذا ظهرت نماذج مرنة للمساهمة والاستثمار والعودة الجزئية أو الدائرية.
2) تحسين صورة السوق السورية
أي انفتاح سياسي منظم على عواصم مؤثرة يخفف جزئياً من صورة السوق السورية بوصفها بيئة مغلقة بالكامل. وهذا لا يكفي لجلب المستثمرين، لكنه يغيّر نقطة البداية، ويجعل السوق أقرب إلى الدراسة والمتابعة بدلاً من الاستبعاد المسبق.
3) فتح قنوات لشراكات تدريجية
من غير الواقعي انتظار قفزة استثمارية سريعة، لكن من الواقعي توقع مساحات أولية في مجالات مثل التعافي المبكر، والخدمات، والدعم الفني، والبنية التحتية الخفيفة، والتدريب، والتمكين المؤسسي، وربط الأسواق والخبرات.
4) رفع الوزن التفاوضي لسوريا
كلما تنوعت القنوات مع أوروبا، تراجعت مخاطر الارتهان لمسار واحد أو داعم واحد أو محور واحد. وهذا مهم اقتصادياً وسياسياً، لأن التنوع في العلاقات يوسع هامش الحركة ويزيد فرص الحصول على أشكال مختلفة من الدعم والخبرة والانفتاح.
5) تهيئة الأرضية لمرحلة لاحقة من إعادة الإعمار
إعادة الإعمار ليست قراراً سياسياً فقط، بل عملية تحتاج إلى ثقة، وتمويل، وشركاء، ومؤسسات، وقواعد تشغيل. وأي تقارب سياسي منظم مع عواصم مركزية في أوروبا يمكن أن يكون مقدمة بعيدة المدى لهذه المرحلة، حتى لو لم تبدأ بصورة مباشرة الآن.
لكن ما المخاطر؟
بقدر ما تفتح هذه التحركات نافذة جديدة، فإنها تحمل أيضاً مخاطر كبيرة إذا أسيء فهمها أو استثمارها.
أولاً: تضخم التوقعات
أخطر ما يمكن أن يحدث هو تصوير الزيارتين على أنهما بداية انفراج اقتصادي سريع. هذا النوع من الخطاب يخلق توقعات غير واقعية لدى الناس والسوق، ثم يتحول لاحقاً إلى خيبة إضافية. المطلوب هو قراءة متوازنة: ما جرى مهم، لكنه ليس حلاً جاهزاً.
ثانياً: ضعف الترجمة الداخلية
أي مكسب سياسي خارجي يفقد قيمته إذا لم يُترجم داخلياً إلى تحسن في بيئة الأعمال، ووضوح في التنظيم، وتقوية في المؤسسات، وتخفيف للعوائق العملية أمام المستثمرين وأصحاب الأعمال.
ثالثاً: بقاء المخاطر القانونية والمالية
حتى مع أي انفتاح سياسي تدريجي، ستبقى المؤسسات الدولية والشركات الكبرى شديدة الحساسية تجاه المخاطر القانونية والامتثالية والسمعة والاستقرار. وهذا يعني أن الطريق إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً لن يكون قصيراً أو تلقائياً.
رابعاً: هشاشة الداخل
لا يمكن لأي انفتاح خارجي أن يكتسب قيمة اقتصادية حقيقية إذا لم يكن الداخل قادراً على توفير حد أدنى من الاستقرار، والوضوح، وإدارة الشأن الاقتصادي بصورة قابلة للبناء عليها.
ماذا يعني ذلك للسوريين؟
بالنسبة إلى السوريين في الداخل، فإن قيمة هذه التحركات لن تُقاس بالصور أو العناوين، بل بما إذا كانت ستنعكس لاحقاً على فرص العمل، وتحسن الخدمات، وزيادة النشاط الاقتصادي، وفتح المجال أمام الاستثمار والإنتاج والمبادرات.
وبالنسبة إلى السوريين في الخارج، فإن السؤال الأهم لن يكون فقط: هل هناك دعوات للعودة؟ بل: هل توجد بيئة حقيقية تسمح بالمساهمة الآمنة والمنتجة؟ وهل يمكن أن يكون هناك نموذج مرن يجمع بين الاستقرار في الخارج والمشاركة في الداخل؟
وهذا سؤال جوهري، لأن مستقبل سوريا الاقتصادي لن يُبنى من الداخل وحده، ولا من الخارج وحده، بل من تفاعل الطرفين معاً. والسوريون المنتشرون في أوروبا والخليج والعالم قد يكونون من أهم عناصر المرحلة المقبلة، إذا وُجدت صيغة ذكية تربطهم بالاقتصاد السوري من دون شعارات عاطفية أو حلول قسرية.
الخلاصة
ما بين برلين ولندن، تبدو سوريا اليوم أمام لحظة إعادة تموضع أكثر من كونها أمام لحظة اختراق نهائي.
برلين تعني أن ملف سوريا يمكن أن يُقرأ من زاوية الاقتصاد، وإعادة الإعمار، والمهارات، والربط مع أوروبا القارية.
ولندن تعني أن سوريا تحاول أيضاً العبور من بوابة الشرعية السياسية وإعادة فتح الحوار مع الغرب ضمن معادلات الأمن والاستقرار وإدارة المخاطر.
أما المعنى الأعمق، فهو أن سوريا تحاول أن تقول: لسنا فقط ملف أزمة، بل دولة تريد أن تعود إلى مساحة التعامل الواقعي.
لكن نجاح هذه المحاولة لن يتحدد بما جرى في الزيارات وحده، بل بما سيأتي بعدها:
هل ستُترجم إلى سياسات أوضح؟
هل ستُفتح مسارات عملية للشراكة والتعافي؟
هل سيتحسن مناخ الأعمال؟
وهل سيُبنى جسر فعلي بين السوريين في الخارج والداخل؟
حتى الآن، يمكن القول إن الباب فُتح جزئياً، لكن الطريق ما زال طويلاً.
وهذا بالضبط هو التوصيف الأكثر واقعية: لسنا أمام تحول مكتمل، بل أمام بداية اختبار جديد لموقع سوريا في الاقتصاد والسياسة معاً.