أثر تقلب الصرف على التسعير والاستيراد

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
مقدمة
تقلب سعر الصرف في سوريا لا يظهر فقط على فاتورة المستورد، بل على كامل سلسلة التسعير من المرفأ إلى المستهلك. ذلك لأن جزءاً واسعاً من السلع النهائية أو مدخلات الإنتاج أو مستلزمات التعبئة والنقل مرتبط بالدولار أو بعملات أجنبية أخرى، بينما يتم البيع النهائي غالباً بالليرة السورية. وعندما تتغير الليرة بسرعة، تصبح الفجوة الزمنية بين الشراء والبيع مصدر مخاطرة مباشرة على الربحية، خصوصاً في بيئة تعاني أصلاً من ضعف الطلب وشح السيولة. وقد أشار البنك الدولي إلى استمرار هشاشة الاقتصاد السوري وتراجع الخدمات الأساسية، بما يضاعف أثر أي تغير نقدي على الكلفة الفعلية للأعمال.
هذا يفسر أيضاً حساسية ملف الاستيراد لسعر الصرف. فبحسب ما نُشر عن بيانات وزارة الاقتصاد السورية لعام 2023، انخفضت قيمة الواردات بنسبة 27% إلى أكثر من 3.2 مليار يورو، بينما ارتفعت الصادرات 60% إلى أكثر من 900 مليون يورو. وقد ربطت الحكومة هذا التراجع في الواردات بسياسات ترشيد الاستيراد وتقليل الطلب على القطع الأجنبي. وبالنسبة للأعمال، فإن هذا يعني أن تقلب الصرف لا يضغط فقط عبر السعر، بل أيضاً عبر توفر الإجازات والتمويل وتوقيت التخليص والقدرة على إعادة تكوين المخزون.
في التطبيق العملي، تظهر آثار تقلب الصرف في ثلاثة مستويات. الأول هو إعادة التسعير السريع، حيث يتردد التاجر بين الحفاظ على حركة البيع أو رفع السعر لتغطية كلفة الإحلال. والثاني هو مخاطر الاستيراد، إذ يمكن لأي تغير بين تاريخ طلب البضاعة وتاريخ السداد أو التخليص أن يلتهم الهامش بالكامل. والثالث هو انكماش الطلب، لأن المستهلك النهائي أو المشتري الصناعي قد لا يتمكن من استيعاب الزيادة حتى لو كانت مبررة مالياً. ولهذا يصبح الاستقرار النسبي في سعر الصرف، ولو عند مستوى مرتفع، أفضل للأعمال في كثير من الأحيان من تقلبات حادة ومفاجئة.
أما على مستوى أوسع، فإن أثر الصرف على الأسعار لا ينفصل عن ملف الطاقة والخدمات واللوجستيات. وقد أشار البنك الدولي إلى أن توفر الكهرباء في كثير من مناطق سوريا بقي محدوداً في 2025، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين. وبالتالي فإن أي تحليل مهني لتأثير الصرف على التسعير والاستيراد يجب أن يكون تحليلاً للتكلفة الكلية، لا للسعر النقدي فقط.
الخاتمة
كلما زادت تقلبات سعر الصرف، زادت صعوبة التسعير والاستيراد والتخطيط المالي. لذلك فإن الاستقرار النقدي في سوريا ليس مسألة مصرفية فقط، بل شرط أساسي لخفض المخاطر التشغيلية على الشركات.