التمويل الأخضر في سوريا: هل تستطيع المصارف ومؤسسات التمويل بناء مسار تدريجي للمشاريع المستدامة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
حين يُطرح التمويل الأخضر في سوريا، غالباً ما يظهر بوصفه مفهوماً طموحاً يرتبط بالسندات الخضراء، والصناديق الاستثمارية، وآليات التمويل الدولية. لكن في الواقع السوري الحالي، قد تكون البداية الأكثر واقعية أقل تعقيداً بكثير: هل تستطيع المصارف ومؤسسات التمويل أن تطور تدريجياً أدوات تمويل تخدم مشاريع أكثر كفاءة في الطاقة، وأقل هدراً للموارد، وأكثر ارتباطاً بمنطق الاستدامة التشغيلية؟
هذا السؤال أكثر أهمية اليوم من الاكتفاء بالحديث عن النماذج العالمية الكبيرة، لأن السوق السوري لا يحتاج فقط إلى استيراد مصطلحات التمويل الأخضر، بل إلى تكييفها مع بيئة أعمال تحتاج إلى حلول تمويلية عملية وقابلة للتنفيذ.
لماذا لا يكفي الحديث عن “التمويل المستدام” بوصفه شعاراً؟
المشكلة في كثير من النقاشات حول التمويل الأخضر أنها تبقى عند مستوى المفهوم العام. لكن من وجهة نظر الأعمال، لا تصبح الفكرة ذات قيمة إلا حين تتحول إلى سؤال تطبيقي:
من سيموّل؟
وماذا سيموّل؟
وبأي معايير؟
ولأي نوع من المشاريع؟
وكيف يمكن تقييم المخاطر والعائد؟
من دون هذه الأسئلة، يبقى التمويل الأخضر فكرة جذابة نظرياً، لكنها بعيدة عن دورة القرار الفعلي داخل المؤسسات المالية.
أين يمكن أن يبدأ التمويل الأخضر في السوق السوري؟
ليس من الضروري أن يبدأ هذا المسار من منتجات مالية معقدة أو أدوات سوق رأسمال متقدمة. بل يمكن أن يبدأ من تمويلات أكثر بساطة ووضوحاً، مثل:
- تمويل مشاريع الطاقة الشمسية أو تحسين كفاءة الطاقة
- تمويل تجهيزات تقلّل استهلاك الموارد داخل المنشآت
- تمويل حلول إدارة المياه أو النفايات في بعض الأنشطة
- تمويل معدات تخفّض الفاقد وتحسن كفاءة التشغيل
- دعم مشاريع إعادة الاستخدام أو التدوير ذات الجدوى الواضحة
في هذه الحالات، تصبح “الخضرة” هنا مرتبطة بأثر تشغيلي واقتصادي يمكن قياسه نسبياً، لا فقط بعنوان جذاب.
ما الذي يمنع هذا المسار من التقدم بسرعة؟
هناك عدة فجوات تحدّ من تطوره في البيئة السورية الحالية.
1) غياب تعريف عملي موحّد
من دون تعريف واضح لما يمكن اعتباره مشروعاً أخضر أو تمويلاً أخضر ضمن السياق المحلي، يصعب على المؤسسات المالية بناء سياسة منضبطة لهذا النوع من التمويل.
2) ضعف أدوات التقييم
المؤسسات المالية تحتاج إلى معايير تسمح لها بتمييز المشاريع التي تملك قيمة تشغيلية وبيئية فعلية، عن المشاريع التي تستخدم الوصف الأخضر بوصفه عنواناً تسويقياً فقط.
3) حساسية المخاطر
في بيئة اقتصادية ضاغطة، تميل المؤسسات إلى الحذر، وهذا مفهوم. لذلك فإن أي تمويل جديد يحتاج إلى درجة أعلى من الوضوح في الجدوى، وفترة الاسترداد، والقدرة على السداد.
4) محدودية الخبرة التخصصية
بعض المشاريع الخضراء تحتاج إلى تقييم فني وتشغيلي لا يكفي فيه الفهم المالي التقليدي وحده، بل يتطلب معرفة أفضل بالأثر التقني والاقتصادي للمشروع.
لماذا قد تهتم المصارف فعلاً بهذا المسار؟
رغم التحديات، ليس التمويل الأخضر مجرد عبء إضافي على المؤسسات المالية، بل قد يمثل فرصة تدريجية لبناء محافظ تمويل أكثر ارتباطاً باحتياجات السوق الناشئة.
فالمؤسسات التي تطور خبرة في تمويل مشاريع رفع الكفاءة، والطاقة، وتقليل الهدر، يمكن أن تستفيد من عدة مزايا:
- دخول مبكر إلى مسار تمويلي قابل للنمو
- بناء خبرة تخصصية يصعب تعويضها لاحقاً
- تطوير منتجات أكثر ارتباطاً بالتحول الاقتصادي القادم
- استقطاب فئات جديدة من الشركات والمشاريع
- تحسين صورة المؤسسة بوصفها شريكاً في التحديث لا ممولاً تقليدياً فقط
ما الشكل الأكثر واقعية للبداية؟
المسار الأكثر منطقية في سوريا ليس القفز إلى منظومة تمويل أخضر كاملة دفعة واحدة، بل بناء نموذج تدريجي يقوم على أربع طبقات:
أولاً: تعريف داخلي واضح
ما الذي يمكن أن يندرج ضمن هذا المسار؟ وما القطاعات أو أنواع المشاريع القابلة للبدء؟
ثانياً: تمويلات صغيرة أو متوسطة قابلة للقياس
يفضل البدء بمشاريع يمكن قياس أثرها الاقتصادي نسبياً، مثل خفض استهلاك الطاقة أو تحسين كفاءة مورد محدد.
ثالثاً: شراكات فنية
قد تحتاج المؤسسة المالية إلى خبرات تقنية تساعدها على تقييم بعض المشاريع بصورة أدق.
رابعاً: بناء سجل خبرة
كل حالة ممولة بنجاح يمكن أن تصبح مرجعاً يساعد على توسيع المسار تدريجياً.
هل يرتبط هذا بمستقبل الاقتصاد الأخضر في سوريا؟
بصورة كبيرة. لأن الاقتصاد الأخضر لا يمكن أن يتوسع عملياً إذا بقي بلا أدوات تمويل مناسبة. فالحديث عن الطاقة المتجددة، وكفاءة الموارد، والتدوير، والاستدامة، يظل محدود الأثر ما لم توجد مؤسسات قادرة على تحويل هذه الأفكار إلى استثمارات قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن التمويل الأخضر ليس مساراً مكملاً فقط، بل هو أحد مفاتيح ترجمة الاقتصاد الأخضر من خطاب إلى مشاريع.
الخلاصة
التمويل الأخضر في سوريا لا يحتاج أولاً إلى أدوات مالية لامعة بقدر ما يحتاج إلى بداية مؤسسية واقعية: تعريف واضح، مشاريع قابلة للتقييم، معايير أكثر دقة، وخبرة تتكوّن تدريجياً داخل المصارف ومؤسسات التمويل.
وعندما يحدث ذلك، يمكن لهذا المسار أن يتحول من مفهوم عام إلى أداة عملية تمكّن السوق من تمويل مشاريع أكثر كفاءة واستدامة، وتفتح باباً جديداً أمام مؤسسات التمويل نفسها لتطوير دورها داخل الاقتصاد السوري.