كيف تقرأ أسعار الصرف في سوريا من زاوية الأعمال؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
مقدمة
في السوق السوري، لا يكفي النظر إلى سعر الدولار بوصفه رقماً يومياً، لأن سعر الصرف هنا يعمل كمؤشر مركزي على ثلاثة ملفات في وقت واحد: كلفة الاستيراد، وقدرة السوق على التسعير، ومستوى الثقة النقدية. ولهذا فإن قراءة سعر الصرف من زاوية الأعمال تبدأ من السؤال الأساسي: هل الحركة ناتجة عن تحسن في الأساسيات النقدية والمالية، أم عن شح السيولة، أم عن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية؟ وقد أشار صندوق النقد الدولي في فبراير 2026 إلى أن السياسة النقدية المشددة ساهمت في تباطؤ التضخم وتحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024.
بالنسبة لقطاع الأعمال، فإن المؤشر الأهم ليس فقط اتجاه الليرة صعوداً أو هبوطاً، بل درجة الاستقرار بين السعر الرسمي والسوقي. ففي يناير 2026 أبقى المصرف المركزي السعر الرسمي قرب 11,000 ليرة للشراء و11,110 ليرات للبيع، بينما تحركت السوق الموازية في نطاق يقارب 11,400 إلى 12,300 ليرة خلال الشهر، ما يعني أن الفجوة بقيت محدودة نسبياً لكنها ظلت مؤثرة على قرارات التسعير والتحوط. هذه الفجوة تعني عملياً أن المستورد أو التاجر الذي يعتمد على تمويل أو تسويات خارج القنوات الرسمية سيواجه كلفة مختلفة عن المنشآت التي تبني جزءاً من حساباتها على الأسعار الرسمية.
ومن زاوية تشغيلية، ينبغي على الشركات متابعة أربعة مؤشرات معاً: اتجاه السعر خلال شهر لا خلال يوم، واتساع أو تقلص الفجوة بين الرسمي والموازي، وأثر ذلك على المخزون المسعّر سابقاً، وانعكاسه على الطلب المحلي. فعندما يرتفع الدولار بسرعة، لا تتأثر فقط كلفة البضائع المستوردة، بل ترتفع أيضاً تكلفة البدائل المحلية التي يدخل في إنتاجها مواد أولية أو طاقة أو نقل مرتبط بسعر الصرف. وعندما يستقر السعر أو يتحسن، لا يعني ذلك تلقائياً انتعاش السوق، لأن ضعف الدخل والسيولة قد يبقي الطلب هشاً حتى مع تحسن المؤشر النقدي. وقد أشار البنك الدولي في 2025 إلى استمرار الضغوط على الاقتصاد السوري وضعف الخدمات الأساسية وشح السيولة، وهو ما يفسر لماذا لا يتحول أي تحسن نقدي سريعاً إلى انتعاش واسع في الاستهلاك والاستثمار.
وعليه، فإن سعر الصرف في سوريا يجب أن يُقرأ بوصفه مؤشراً مركباً للأعمال: إذا استقر مع تباطؤ التضخم وانضباط التمويل الحكومي، فإن ذلك يدعم التخطيط قصير الأجل. أما إذا تحركت السوق الموازية أسرع من قدرة السوق على إعادة التسعير، فإن المؤشر يتحول مباشرة إلى ضغط على الهوامش والتدفقات النقدية والقدرة على الالتزام بالعقود.
الخاتمة
قراءة سعر الصرف مهنياً لا تعني متابعة السعر اليومي فقط، بل فهم ما وراء الحركة، وما إذا كانت تعكس استقراراً فعلياً أم ضغوطاً مؤجلة على السوق والأعمال.