التصعيد الأميركي الإسرائيلي ضد إيران: ماذا تعني التطورات الأخيرة للاقتصاد العالمي، وكيف قد تنعكس سريعاً على الاقتصاد السوري؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
مقدمة
دخل التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، مرحلة أكثر خطورة خلال الساعات الأخيرة، بعد ضربة استهدفت جسراً حيوياً بين طهران وكرج، مع تهديدات أميركية بمزيد من الضربات إذا لم يتم التوصل إلى تسوية، بالتوازي مع استمرار الهجمات الإيرانية وتعاظم الاضطراب في مضيق هرمز. اقتصادياً، لم يعد السؤال الأساسي هو من يملك زمام المبادرة عسكرياً، بل كيف تتحول هذه الجولة إلى صدمة طاقة وشحن وتمويل عالمية، وما إذا كانت ستبقى صدمة قصيرة أم ستتطور إلى موجة ضغط أوسع على الاقتصادات الهشة والاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها سوريا.
أولاً: ما الذي تغيّر في الساعات الأخيرة؟
المستجد الأهم ليس فقط ارتفاع مستوى التهديدات، بل انتقال الضربات إلى بنية تحتية مدنية ذات رمزية ووظيفة لوجستية واضحة. تقارير اليوم أفادت بأن الرئيس الأميركي أعلن مسؤوليته عن تدمير أكبر جسر في إيران قرب طهران، مع تحذير علني بأن “المزيد قادم” إذا لم يُبرم اتفاق، فيما واصلت إيران إطلاق الصواريخ وأظهرت قدرتها على الاستمرار في الرد، كما استمر شلل الملاحة في مضيق هرمز بدرجة كبيرة. هذا يعني أن مسار “الضغط للتفاوض” لم ينجح حتى الآن في إنتاج تهدئة سريعة، بل ولّد تسعيراً جديداً للمخاطر في الطاقة والنقل والتأمين والأسواق المالية.
ثانياً: لماذا ينظر الاقتصاد العالمي إلى هرمز قبل أن ينظر إلى ساحة القتال؟
لأن القناة الاقتصادية الأخطر في هذه الحرب ليست فقط الخسائر المباشرة في إيران أو إسرائيل، بل تعطيل تدفقات النفط والغاز والشحن. صندوق النقد الدولي أشار بوضوح إلى أن نحو 25 إلى 30% من النفط العالمي ونحو 20% من الغاز الطبيعي المسال يمران عبر مضيق هرمز، وأن الاقتصادات المستوردة للطاقة هي الأكثر تعرضاً للصدمة. كما أكد أن الطاقة هي قناة الانتقال الرئيسية للأثر، وأن الإغلاق الفعلي للمضيق والضرر الذي لحق بالبنية الإقليمية ولّدا أكبر اضطراب في سوق النفط العالمية في التاريخ.
وتعزز ذلك أيضاً بيانات وتقارير حديثة أفادت بأن مرور النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق هبط إلى أقل من 10% من مستواه قبل الحرب، وأن نحو 20 مليون برميل يومياً كانت تعبره في 2025، أي قرابة ربع تجارة النفط البحرية العالمية.
ثالثاً: كيف استجابت الأسواق فوراً؟
الاستجابة كانت كلاسيكية ولكن حادة: النفط ارتفع سريعاً، والأسهم تراجعت، وعادت مخاوف التضخم. اليوم قفز خام برنت خلال التداولات إلى نحو 109.74 دولاراً للبرميل قبل أن يقلص بعض مكاسبه، بينما صعد الخام الأميركي إلى 111.60 دولاراً، وتراجعت مؤشرات أسهم رئيسية في آسيا وأوروبا، مع ارتفاع عوائد السندات بفعل الخشية من موجة تضخمية جديدة. هذه ليست مجرد حركة يومية في الأسواق، بل إشارة إلى أن المستثمرين أعادوا تسعير سيناريو حرب أطول وأكثر كلفة على الإمدادات والنقل.
رابعاً: السيناريوات المرجحة خلال الأيام القليلة القادمة
السيناريو الأقرب في الأمد القصير ليس تسوية شاملة، بل واحد من ثلاثة مسارات متدرجة.
المسار الأول: تصعيد مضبوط، أي استمرار الضربات المتبادلة مع تجنب استهداف شامل للبنية النفطية الكبرى، وفي هذه الحالة تبقى الأسعار مرتفعة ومتقلبة، وتظل كلفة التأمين والشحن عالية.
المسار الثاني: تصعيد موسّع اقتصادي الأثر، أي توسيع الضربات إلى مزيد من البنية التحتية أو تشديد فعلي على المرور في هرمز، وهنا قد ترتفع أسعار الطاقة أكثر وتنتقل الصدمة بقوة إلى التجارة والغذاء والأسمدة والتمويل.
المسار الثالث: تهدئة تكتيكية من دون حل جذري، أي تفاهمات موقتة حول الملاحة أو وقف بعض الضربات، وهو ما قد يخفف الذروة السعرية لكنه لا يعيد الوضع سريعاً إلى ما كان عليه. حتى الآن، المعطيات الميدانية والسوقية تميل إلى أن الأيام القادمة ستبقى في نطاق التصعيد المضبوط أو التصعيد الموسّع، لا في نطاق التسوية المستقرة.
خامساً: ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
الأثر العالمي يمر عبر أربع قنوات متزامنة. الأولى هي الطاقة: ارتفاع كلفة النفط والغاز والكهرباء. الثانية هي الشحن والتأمين: إعادة توجيه السفن، ارتفاع أقساط المخاطر، وتأخر الإمدادات. الثالثة هي الغذاء والمدخلات: صندوق النقد حذّر من أن اضطراب شحنات الأسمدة عبر الخليج يهدد بارتفاع الأسعار وإرباك الموسم الزراعي، بما ينعكس لاحقاً على الغذاء. الرابعة هي التمويل: ارتفاع العوائد وتضييق الأوضاع المالية على الدول والشركات الأضعف. ولذلك فالحرب، حتى إذا بقيت جغرافياً في الشرق الأوسط، تتحول اقتصادياً إلى صدمة عالمية غير متناظرة تضرب المستوردين الأضعف أكثر من غيرهم.
وفي الإطار العربي، حذرت “الإسكوا” من أن استمرار الحرب شهراً واحداً قد يكلف المنطقة العربية نحو 150 مليار دولار، أي ما يعادل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، ما يعكس حجم الضرر المتوقع على التجارة والطاقة والخدمات والنقل والاستثمار.
سادساً: أين يقع الاقتصاد السوري داخل هذه الصدمة؟
سوريا ليست اقتصاداً معزولاً عن هذه التطورات، بل هي من أكثر الاقتصادات هشاشة أمامها. البنك الدولي أشار في يوليو 2025 إلى أن الاقتصاد السوري كان قد انكمش 1.5% في 2024، مع توقع نمو متواضع بنحو 1% في 2025 وسط تحديات أمنية وسيولة ضعيفة وتعطل في المساعدات، كما شدد على أن تأمين واردات النفط سيكون تحدياً كبيراً للحكومة، وقد يدفع إلى ارتفاع أسعار الوقود والتضخم. هذا يعني أن أي صدمة جديدة في أسواق الطاقة أو النقل الإقليمي لا تضرب الاقتصاد السوري من موقع القوة، بل من موقع الهشاشة المسبقة.
سابعاً: ما الانعكاسات السريعة المحتملة على سوريا؟
في المدى القريب والسريع، الاحتمال الأكبر هو انتقال الصدمة إلى سوريا عبر خمس قنوات.
أولاً، المحروقات: ارتفاع الكلفة أو صعوبة التوريد قد ينعكس في أسعار الوقود، ومن ثم النقل والكهرباء والتشغيل الصناعي والزراعي.
ثانياً، الأسعار والتضخم: لأن الوقود يدخل تقريباً في كل سلسلة تكلفة، من النقل إلى التدفئة إلى الإنتاج.
ثالثاً، سعر الصرف: أي ارتفاع إضافي في فاتورة الاستيراد مع ضعف السيولة والاحتياطات قد يضغط على السوق النقدية.
رابعاً, التجارة والإمداد: زيادة كلفة الشحن والتأمين والتأخير قد ترفع أسعار السلع المستوردة أو تؤخر وصولها.
خامساً، المزاج الاستثماري: المستثمر، المحلي أو الخارجي، يصبح أكثر حذراً عندما ترتفع المخاطر الإقليمية ويصعب تقدير كلفة الطاقة والتمويل. هذه القنوات لا تحتاج إلى أشهر حتى تظهر؛ بعضها يبدأ خلال أيام قليلة إذا بقي التصعيد مرتفعاً.
ثامناً: هل توجد فرص لسوريا داخل هذا الوضع أم أن الكفة سلبية بالكامل؟
الصورة العامة تميل بوضوح إلى السلبية في الأمد القصير، لكن ذلك لا يعني غياب أي فرص نسبية. الفرص، إن وجدت، لن تأتي من الحرب نفسها، بل من إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية في المنطقة. قد تبرز فرص محدودة في ثلاثة مجالات:
الأول، البدائل اللوجستية والتجارية البرية إذا تعاظمت الحاجة إلى مسارات بديلة لبعض التدفقات الإقليمية.
الثاني، الإنتاج المحلي البديل في القطاعات التي ترتفع فيها كلفة الاستيراد، ما قد يخلق نافذة لبعض الصناعات والسلع الزراعية والغذائية إذا توفرت الطاقة والتمويل والتسهيلات.
الثالث، الاستثمار الانتقائي الباحث عن كلفة أقل أو تموضع مختلف، لكن هذا يبقى مشروطاً بتحسن بيئة الأعمال والتمويل والطاقة داخل سوريا نفسها.
مع ذلك، من المهم عدم تضخيم هذه الفرص؛ فهي حتى الآن فرص مشروطة ونظرية أكثر مما هي مكاسب فورية، بينما الأثر السلبي على الوقود والتكلفة والاستقرار التجاري أقرب وأسرع.
تاسعاً: ما النظرة التحليلية الأرجح للاقتصاد السوري خلال الأيام القادمة؟
إذا استمر التصعيد على وتيرته الحالية من دون اتفاق، فالمتوقع أن يدخل الاقتصاد السوري مرحلة ضغط قصير الأجل مرتفع الحساسية:
- ارتفاع القلق في الأسواق على صعيد الوقود والنقل.
- زيادة الميل إلى التحوط في التسعير والتجارة.
- ضغط إضافي على المستوردين والمنتجين المعتمدين على الطاقة.
- تراجع استعداد بعض الفاعلين الاقتصاديين لتوسيع التزاماتهم أو مخزونهم إلا بشروط أكثر تحفظاً.
أما إذا حدثت تهدئة جزئية في الملاحة أو لغة التهديد، فقد تتراجع حدة الصدمة لكن من دون أن تختفي، لأن السوق باتت تضيف علاوة مخاطر جيوسياسية جديدة على المنطقة ككل. بعبارة أخرى، حتى التهدئة التكتيكية لن تعيد سوريا فوراً إلى بيئة أقل كلفة ما دامت الحرب لم تُغلق سياسياً وأمنياً.
خاتمة
من منظور اقتصادي، الضربة على الجسر الحيوي قرب طهران ليست مجرد حدث عسكري إضافي، بل علامة على انتقال التصعيد إلى مستوى أشد حساسية في بنية الاقتصاد الإقليمي. وإذا لم يظهر مسار تفاوضي مقنع خلال الأيام المقبلة، فإن العالم سيواجه استمراراً في صدمة الطاقة والشحن، بينما ستجد الاقتصادات الهشة والمستوردة للطاقة نفسها تحت ضغط أسرع من غيرها. وسوريا، بحكم هشاشتها البنيوية، مرشحة لأن تتلقى جانباً غير قليل من هذا الأثر عبر الوقود والأسعار وسلاسل الإمداد والثقة الاستثمارية. لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية حالياً هي أن الكفة تميل إلى تأثير سلبي قريب وسريع على الاقتصاد السوري، مع وجود فرص محدودة ومشروطة فقط، لا تكفي وحدها لقلب الاتجاه العام ما لم تُقابل بسياسات داخلية أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمة.