اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني في عمّان: تفاهمات جديدة في التجارة والترانزيت والطاقة

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
شهدت عمّان يوم 12 أبريل 2026 انعقاد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني على المستوى الوزاري، في لقاء حمل طابعاً تنفيذياً واضحاً يتجاوز البعد البروتوكولي، مع مشاركة 30 وزيراً من البلدين وتغطية أكثر من 20 قطاعاً، من بينها التجارة والنقل والطاقة والمياه والاستثمار والجمارك والصناعة والزراعة والصحة والتعليم والتكنولوجيا. وخرج الاجتماع بسلسلة تفاهمات واتفاقات ومذكرات تعاون تعكس توجهاً نحو توسيع الشراكة الاقتصادية بين دمشق وعمّان ضمن مسار أكثر عملية وتنظيماً.
مخرجات اقتصادية مباشرة من الاجتماع
أبرز ما حمله البيان المشترك كان الاتفاق على اعتماد آلية جديدة للمبادلات التجارية بين البلدين اعتباراً من 1 مايو 2026، على أساس المعاملة بالمثل، بما يشمل تماثل الرسوم الجمركية، إلى جانب التأكيد على استئناف تجارة الترانزيت، وتفعيل آليات الاستفادة المتبادلة من الموانئ، والعمل على تطوير معبر جابر/نصيب، بوصفه إحدى النقاط المحورية في حركة التجارة والعبور بين البلدين. كما اتفق الجانبان على إنشاء آلية مشتركة للتواصل مع الجهات المانحة الإقليمية والدولية لدعم مشاريع ذات أولوية، وعلى تشكيل فريق عمل مشترك لتحديد مشاريع استراتيجية تشمل الربط السككي، والبنية المرتبطة بالترانزيت، والتكامل الصناعي، والتعاون في الأمن الغذائي والمائي والطاقي.
وفي ملف الطاقة، أكد الجانبان استئناف تزويد سوريا بالغاز الطبيعي خلال يومين من انتهاء الاجتماعات بعد استكمال الإجراءات الفنية، إلى جانب بحث تزويد سوريا بالكهرباء وفق الاحتياجات الفنية، وهو ما يضيف بعداً اقتصادياً مهماً للاجتماع، لأن التعاون هنا لا يقتصر على التجارة والحدود، بل يمتد إلى ملفات تشغيلية تمس كلفة الإنتاج واستقرار الإمداد والطاقة المتاحة للقطاعات الاقتصادية داخل سوريا.
لماذا يُعد هذا الاجتماع مهماً من زاوية الأعمال؟
تكمن أهمية هذا الاجتماع في أنه يأتي بعد تحسن فعلي في مؤشرات التبادل التجاري بين البلدين خلال 2025. فقد أظهرت بيانات غرفة تجارة عمّان أن حجم التجارة الثنائية ارتفع إلى 334 مليون دينار أردني في 2025، مقارنة مع 116 مليون دينار في 2024، مع صعود الصادرات الأردنية إلى سوريا إلى 252 مليون دينار تقريباً، وارتفاع المستوردات من سوريا إلى 82 مليون دينار. وهذا يعني أن الاجتماع لم يبدأ من نقطة جمود، بل جاء فوق أرضية اقتصادية تشهد بالفعل عودة تدريجية للحركة التجارية بين البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإن ما جرى في عمّان يهم شريحة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين السوريين، ولا سيما المستوردين والمصدرين، وشركات النقل والتخليص، والجهات الصناعية، والتجار الذين يعتمدون على المسارات البرية أو على إعادة فتح قنوات أكثر مرونة للوصول إلى الأسواق أو الموانئ أو شبكات العبور الإقليمية. كما أن التركيز على المعبر والموانئ والربط السككي يعكس أن النقاش لم يكن محصوراً في تبادل سلع فقط، بل امتد إلى بنية الحركة التجارية نفسها.
معبر جابر/نصيب يعود إلى الواجهة الاقتصادية
إعادة التركيز على تطوير معبر جابر/نصيب تحمل دلالة عملية خاصة، لأن هذا المعبر ليس مجرد نقطة حدودية، بل ممر رئيسي لحركة البضائع والشاحنات والعبور بين سوريا والأردن وما وراءهما. ومع عودة الحديث عن استئناف الترانزيت، وتسهيل عمليات النقل، واستعادة النقل المباشر مستقبلاً، يصبح المعبر جزءاً من ملف أوسع يتعلق بإعادة تنشيط الوظيفة اللوجستية والعبورية لسوريا في الإقليم. كما أن تطوير هذا المسار قد ينعكس مستقبلاً على تكاليف النقل، وسرعة الحركة، وإمكانية تحسين ربط السوق السورية بمنافذ أوسع.
الطاقة كجزء من التعاون الاقتصادي لا كملف منفصل
في الظاهر قد يبدو ملف الغاز والكهرباء منفصلاً عن التجارة، لكنه في الواقع جزء مباشر من البيئة الاقتصادية. فالاتفاق الموقع في 26 يناير 2026 نص على تزويد سوريا بنحو 4 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز الطبيعي عبر البنية التحتية الأردنية، مع استخدام ميناء العقبة ووحدة التغويز وخط الغاز العربي، بهدف دعم محطات التوليد وتحسين استقرار الشبكة الكهربائية السورية. وإعادة تأكيد هذا المسار خلال اجتماعات عمّان تمنحه ثقلاً تنفيذياً إضافياً، لأنه يربط العلاقات الاقتصادية بمكون تشغيلي مؤثر في الإنتاج الصناعي والخدمي وكلفة التشغيل.
ما الذي يمكن مراقبته بعد الاجتماع؟
الاختبار الحقيقي لمخرجات اجتماع عمّان لن يكون في عدد الاتفاقات الموقعة فقط، بل في سرعة الانتقال إلى التنفيذ العملي، ولا سيما في ثلاث نقاط أساسية: تطبيق آلية المبادلات الجديدة في موعدها المعلن بداية مايو، ترجمة استئناف الترانزيت إلى حركة فعلية أكثر مرونة على الأرض، واستمرار التعاون الطاقي بما ينعكس على الإمداد والاستقرار التشغيلي. وإذا ظهرت خلال الأسابيع المقبلة مؤشرات تنفيذ واضحة في هذه الملفات، فقد يتحول الاجتماع إلى نقطة متقدمة في إعادة تنظيم جزء مهم من العلاقة الاقتصادية السورية الأردنية.
خلاصة
يحمل اجتماع مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني في عمّان أهمية اقتصادية تتجاوز رمزيته السياسية، لأنه جمع بين التجارة والعبور والطاقة والبنية اللوجستية ضمن حزمة واحدة. وبينما لا تزال النتائج العملية مرهونة بالتنفيذ، فإن ما أُعلن حتى الآن يشير إلى توجه جدي نحو توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين، وبخاصة في الملفات التي تمس حركة السلع، والربط الحدودي، والتكامل التشغيلي، وهي ملفات ذات صلة مباشرة ببيئة الأعمال في سوريا خلال المرحلة المقبلة.