مراسيم رئاسية تعيد هيكلة المياه والكهرباء والتعدين في سوريا: ما الذي صدر وما الذي يعنيه للأعمال؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
أصدرت رئاسة الجمهورية في 6 نيسان 2026 ثلاثة مراسيم متزامنة أعادت رسم البنية المؤسسية في ثلاثة قطاعات استراتيجية هي المياه والكهرباء والتعدين، في خطوة تحمل طابعاً تنظيمياً واقتصادياً واضحاً، وتستحق المتابعة من زاوية الأعمال والاستثمار لا من زاوية الخبر الإداري فقط. وتشمل هذه المراسيم إحداث المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، والشركة السورية للكهرباء (SEC)، والشركة السورية للتعدين (SMC).
ما الذي صدر؟
في قطاع التعدين، صدر المرسوم رقم 44 لعام 2026 بإحداث الشركة السورية للتعدين كشركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي مملوكة بالكامل للدولة وترتبط بوزير الطاقة. وتحل الشركة الجديدة محل الشركة العامة للفوسفات والمناجم وبعض الوحدات الاستثمارية والتجارية التابعة للمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية في كل ما يتصل باستثمار الخامات وتسويقها، بينما تبقى الأعمال البحثية والتنقيبية والبيانات الجيولوجية الوطنية والسجل المعدني الوطني تحت سلطة الوزارة والمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية. كما يمنح المرسوم الشركة صلاحيات تتعلق بالتنمية والاستثمار، وجذب المستثمرين المحليين والدوليين، وتوقيع العقود، وتأسيس شركات تابعة أو مشتركة، وإقرار عقود الشراكة.
وفي قطاع الكهرباء، صدر المرسوم رقم 45 لعام 2026 بإحداث الشركة السورية للكهرباء بوصفها شركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي مملوكة بالكامل للدولة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزير الطاقة. وينص المرسوم على أن الشركة الجديدة تحل محل المؤسسة العامة للتوليد والشركات التابعة لها، وكذلك المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء والشركات التابعة لها، مع انتقال الحقوق والالتزامات والعقود والأصول إليها. كما يمنحها صلاحيات تتعلق بوضع استراتيجيات الاستثمار، وتحديث الاتفاقيات، والإعلان عن المناطق المعدّة للاستثمار، وتأسيس أو المساهمة في تأسيس شركات تابعة أو مشتركة، وإقرار عقود شراكة مع شركات محلية ودولية.
أما في قطاع المياه، فصدر المرسوم رقم 46 لعام 2026 بإحداث المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي كمؤسسة ذات طابع اقتصادي ترتبط بوزير الطاقة، إلى جانب إحداث شركة عامة في كل محافظة تتبع للمؤسسة وتحل محل مؤسسات مياه الشرب والصرف الصحي والشركات التابعة لها في المحافظات. وينص المرسوم على أن المؤسسة الجديدة تتولى اقتراح وتنفيذ السياسات والاستراتيجيات، وتخطيط المشاريع الاستثمارية والتطويرية، ومراقبة جودة المياه، واقتراح التعرفة المالية وخطط الجباية والتكاليف التشغيلية، والإشراف على الشركات التابعة، وتعزيز التعاون مع الجهات الدولية والمنظمات المانحة.
لماذا يهم هذا المستجد مجتمع الأعمال؟
أهمية هذه المراسيم لا تنبع فقط من أنها استحدثت كيانات جديدة، بل من أنها أعادت هيكلة قطاعات تمس بيئة الأعمال مباشرة. فالكهرباء والمياه من أهم عناصر الكلفة التشغيلية والاستقرار الخدمي للشركات، بينما يرتبط التعدين بالاستثمار الصناعي والموارد والتعاقدات الكبرى. كما أن النصوص الجديدة تتحدث بصراحة عن الاستثمار، والحوكمة، وإدارة الأصول، والشراكات، وتحديث الاتفاقيات، وجذب المستثمرين، ما يجعلها ذات صلة مباشرة بالمستثمرين وأصحاب الشركات والجهات المتابعة للسوق السوري.
ما الأثر الأولي المتوقع على الأعمال؟
الأثر الأولي الأكثر وضوحاً هو الانتقال من بنية مؤسسية متفرقة إلى كيانات أكثر مركزية وتماسكاً من حيث الإدارة، والأصول، والعقود، والالتزامات. وهذا قد يسهّل لاحقاً التفاوض مع المستثمرين والممولين والمانحين، وقد يرفع قابلية هذه القطاعات لبناء شراكات أو صيغ استثمار أو إعادة تنظيم أعمق. في المقابل، فإن الأثر العملي الفعلي لن يتضح بالكامل إلا بعد صدور الأنظمة الأساسية، والهياكل الوظيفية، وآليات الحوكمة، والسياسات التنفيذية، والعقود المستقبلية التي ستترجم هذه المراسيم على الأرض.
ما الذي ينبغي متابعته بعد هذا الإعلان؟
من زاوية الأعمال، هناك خمس نقاط تستحق المراقبة في المرحلة المقبلة:
1) الأنظمة التنفيذية
في الكهرباء، نص المرسوم على أن النظام الأساسي للشركة والهيكل الوظيفي سيصدران بمرسوم لاحق، وهو ما يعني أن الصورة المؤسسية النهائية لم تكتمل بعد.
2) تقييم الأصول ورأس المال
المراسيم الثلاثة تتضمن آليات لتقييم الأصول والحقوق والالتزامات وتحديد رأس المال التأسيسي خلال مدد لاحقة، وهو عنصر مؤثر في فهم الحجم الفعلي للكيانات الجديدة وقدرتها على الاقتراض أو التوسع أو التعاقد.
3) سياسة الشراكات والاستثمار
في الكهرباء والتعدين، تظهر بوضوح لغة تسمح بإنشاء شركات تابعة أو مشتركة وعقود شراكة مع جهات محلية ودولية، ما قد يفتح باباً أوسع لصيغ استثمارية جديدة إذا دعمتها القرارات التنفيذية اللاحقة.
4) التعرفة والجباية في المياه
ورود بند اقتراح التعرفة المالية وخطط الجباية في مرسوم المياه يجعل هذا الملف مهماً للشركات والمستثمرين، لأنه قد ينعكس مستقبلاً على تكاليف الخدمة وطريقة إدارتها مالياً.
5) حدود الفصل بين التنظيم والاستثمار
في التعدين تحديداً، أبقى المرسوم الأعمال البحثية والرقابية والسجل المعدني الوطني بيد الوزارة والمؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، بينما نقل الذراع الاستثمارية والتسويقية إلى الشركة الجديدة. وهذا الفصل قد يكون مهماً في رسم العلاقة بين التنظيم والاستثمار في القطاع لاحقاً.
الخلاصة
ما صدر ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل إعادة تنظيم مؤسسي لثلاثة قطاعات استراتيجية تمس الاستثمار وكلفة الأعمال والبنية الخدمية والموارد. ولذلك، فإن هذه المراسيم تستحق المتابعة بوصفها مستجداً تنظيمياً مؤثراً على الأعمال، لا خبراً عادياً عابراً. لكن الحكم النهائي على أهميتها العملية سيعتمد على ما سيصدر لاحقاً من أنظمة تنفيذية، وتقييمات أصول، وآليات حوكمة، وسياسات شراكة واستثمار.