الاستثمار في سوريا بين التردد والعمل على الأرض: أين يقف الاقتصاد السوري في 2026؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
منذ التحول السياسي في سوريا نهاية عام 2024 وحتى حزيران / يونيو 2026، انتقل الاقتصاد السوري من مرحلة العزلة والانكماش العميق إلى مرحلة إعادة تشغيل تدريجية. لا تكفي المؤشرات المتاحة للقول إن سوريا دخلت طفرة استثمارية شاملة، لكنها تكفي للقول إن مرحلة الجمود الكامل انتهت، وأن البلاد بدأت تشهد دخولاً انتقائياً لرأس المال والشركات والاتفاقات في قطاعات محددة، خصوصاً الطاقة، الموانئ، النقل، الاتصالات، العقار، السياحة، والخدمات المالية.
أهمية المرحلة أنها لا تقوم فقط على توقيع مذكرات أو إعلان نوايا، بل بدأت تُظهر مؤشرات كمية: تقديرات نمو حقيقي في 2025 بين 2% و4%، تراجع التضخم إلى 11.5% في 2025 بعد 72.1% في 2024، عودة جزء واسع من السيطرة على النفط والغاز، اتفاقات استثمارية بمليارات الدولارات، وعودة تدريجية للربط المصرفي والتجاري مع الإقليم والعالم. في المقابل، ما زالت التحديات كبيرة: 15.6 مليون شخص يحتاجون مساعدات إنسانية في 2026، كلفة إعادة الإعمار المقدرة تبلغ 216 مليار دولار، القطاع المصرفي ما زال في طور إعادة التأهيل، والبيئة الاستثمارية تحتاج إلى ثقة، حوكمة، تمويل، شفافية، وتنفيذ مؤسسي منتظم.
النتيجة العملية: الاقتصاد السوري دخل مرحلة “قابلية الاستثمار المشروطة”. أي أن الفرص موجودة، والاهتمام الخارجي بدأ يتحول إلى عقود واتفاقات، لكن نجاح المرحلة يتوقف على تحويل الاتفاقات إلى مشاريع ممولة ومنفذة، وربط الإعمار بالإنتاج والتوظيف والتصدير، لا بالاستهلاك والعقار فقط.
أولاً: أين كان الاقتصاد السوري عند نقطة الانطلاق؟
قبل نهاية 2024، كان الاقتصاد السوري يعمل ضمن دائرة ضيقة: عزلة مالية، عقوبات واسعة، ضعف شديد في الطاقة، بنية تحتية مدمرة، تراجع في الإنتاج، انكماش طويل، انهيار في الثقة بالعملة، وتفتت في السيطرة على الموارد. يقدّر البنك الدولي أن الناتج المحلي الاسمي تراجع من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 21.4 مليار دولار في 2024، وأن الناتج الحقيقي انخفض بنحو 53% بين 2010 و2022. كما قدّر أن الأضرار المادية المباشرة بلغت 108 مليارات دولار، وأن كلفة إعادة الإعمار تصل إلى 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري بين 140 و345 مليار دولار.
هذه الأرقام تفسر لماذا لا يمكن قراءة التعافي السوري وفق مقاييس الاقتصاد الطبيعي. أي نمو في 2025 أو 2026 لا يعني أن الاقتصاد تعافى، بل يعني أنه بدأ يتحرك من قاعدة منخفضة جداً. لذلك، المؤشر الحقيقي ليس “كم نما الاقتصاد فقط”، بل: هل عاد التمويل؟ هل عادت الكهرباء؟ هل تحركت التجارة؟ هل دخلت شركات؟ هل تحولت الاتفاقات إلى تنفيذ؟ وهل بدأ القطاع الخاص يعمل ضمن بيئة أكثر وضوحاً؟
ثانياً: ما الذي تغيّر بين ديسمبر 2024 ويونيو 2026؟
1. رفع العقوبات فتح الباب لكنه لم ينهِ المخاطر
في 30 حزيران / يونيو 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن الرئيس الأمريكي أصدر أمراً تنفيذياً يزيل العقوبات الأمريكية على سوريا اعتباراً من 1 تموز / يوليو 2025، مع إبقاء العقوبات على بشار الأسد ومعاونيه، منتهكي حقوق الإنسان، مهربي الكبتاغون، المرتبطين بأنشطة الانتشار السابقة، داعش والقاعدة، وإيران ووكلائها. هذا التحول أنهى جزءاً كبيراً من العائق القانوني أمام الشركات والبنوك، لكنه لم ينهِ بالكامل مشكلة الامتثال الزائد لدى البنوك والشركات الدولية.
الاتحاد الأوروبي اتخذ مساراً مشابهاً؛ ففي أيار / مايو 2025 رُفعت العقوبات الاقتصادية عن سوريا لدعم الانتقال والتعافي وإعادة الإعمار، ثم في أيار / مايو 2026 أعيد تفعيل اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، مع الإبقاء على قيود تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق وعلى قيود أمنية محددة.
الأثر العملي: رفع العقوبات نقل سوريا من “سوق محظور عملياً” إلى “سوق ممكن قانونياً لكنه يحتاج إدارة مخاطر”. لذلك بقيت الشركات الكبرى تتحرك عبر مذكرات، تقييمات فنية، شراكات، وضمانات، بدلاً من ضخ رأسمال واسع دفعة واحدة.
2. المؤشرات الكلية بدأت تتحسن لكن من قاعدة شديدة الضعف
بحسب البنك الدولي، تشير البيانات عالية التردد إلى تعافٍ أولي، مع تقديرات نمو حقيقي في 2025 بين 2% و4%. كما تحسنت حركة الاتصال الخارجي عبر الطيران والموانئ، وارتفعت حصة الحكومة من إنتاج النفط الوطني من نحو 20% إلى 88% بعد استعادة السيطرة على مناطق نفط وغاز رئيسية في شباط / فبراير 2026. وفي الوقت نفسه، انخفض التضخم من 72.1% في 2024 إلى 11.5% في 2025، مع تحسن سعر صرف الليرة السورية منذ ديسمبر 2024.
صندوق النقد الدولي قدّم قراءة مشابهة في شباط / فبراير 2026، مشيراً إلى أن النشاط الاقتصادي يتسارع مع تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، إزالة العقوبات، إعادة الاندماج الإقليمي والدولي، عودة اللاجئين، تحسن الكهرباء والأمطار، ووجود مشاريع استثمارية كبيرة. كما أشار إلى أن موازنة الحكومة المركزية أنهت 2025 بفائض صغير، مع امتناع وزارة المالية عن تمويل العجز من المصرف المركزي، وهو تحول مهم مقارنة بالسنوات السابقة.
الأثر العملي: التحسن النقدي والمالي يمنح الدولة هامشاً لبناء ثقة أولية، لكنه يبقى هشاً إذا لم يتحول إلى إنتاج، صادرات، إيرادات ضريبية مستدامة، وتمويل مصرفي حقيقي.
3. الطاقة أصبحت بوابة التعافي الأولى
قطاع الكهرباء والطاقة هو مفتاح التعافي السوري. لا يمكن للصناعة أو الزراعة أو السياحة أو الخدمات أن تنهض دون كهرباء ووقود وغاز. في أيار / مايو 2025، وقعت سوريا مذكرة تفاهم مع كونسورتيوم بقيادة UCC القطرية لاستثمار نحو 7 مليارات دولار في الكهرباء، تشمل أربع محطات غازية بدورة مركبة بطاقة 4000 ميغاواط ومحطة شمسية بطاقة 1000 ميغاواط. كانت سوريا تنتج عندها نحو 1.6 غيغاواط فقط مقارنة بـ9.5 غيغاواط قبل 2011، ما يوضح حجم الفجوة.
في حزيران / يونيو 2026، وقعت الشركة السورية للنفط اتفاقاً مع ConocoPhillips وNovaterra لتطوير حقول غاز جديدة وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة. تقدر رويترز أن إنتاج الغاز المحلي تراجع من 8.7 مليار متر مكعب في 2011 إلى 3 مليارات متر مكعب في 2023، بينما يستهدف الاتفاق رفع الإنتاج بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام.
كما برزت سوريا كمسار طاقة إقليمي بعد صدمة مضيق هرمز، إذ بدأ العراق بتوسيع استخدام المرافئ السورية لتصدير الوقود والنفثا، مع هدف أولي لتصدير 50 ألف برميل يومياً من الخام عبر سوريا، والعمل على تطوير مرافق بانياس وإحياء خط أنابيب قادر نظرياً على نقل 300 ألف برميل يومياً.
الأثر العملي: إذا نجح مسار الطاقة، فسوريا لا تعالج نقص الكهرباء فقط، بل تؤسس لدور إقليمي في الترانزيت والطاقة والخدمات اللوجستية. وإذا تعثر، ستبقى بقية القطاعات محكومة بسقف منخفض.
4. الاستثمار بدأ، لكنه انتقائي ومتركز في القطاعات الكبرى
في تموز / يوليو 2025، أعلنت السعودية استثمارات في سوريا بقيمة 6.4 مليارات دولار، شملت العقار والبنية التحتية والاتصالات وتقنية المعلومات، مع 47 اتفاقاً وأكثر من 100 شركة مشاركة. كما أشارت رويترز إلى اهتمام شركات من الخليج وتركيا بإعادة بناء الكهرباء والطرق والمرافئ والبنية التحتية.
في آب / أغسطس 2025، وقعت سوريا 12 اتفاقاً استثمارياً بقيمة 14 مليار دولار، تضمنت مشروعاً بقيمة 4 مليارات دولار لبناء مطار جديد في دمشق مع UCC القطرية، ومشروع مترو في دمشق بقيمة ملياري دولار مع المؤسسة الوطنية للاستثمار الإماراتية، ومشروع دمشق تاورز بقيمة ملياري دولار مع UBAKO الإيطالية.
وفي قطاع الموانئ، وقعت سوريا اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع DP World لتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية في مرفأ طرطوس، بما يشمل محطة متعددة الأغراض ومناطق صناعية وحرة.
أما مع الإمارات، فقد وصل التبادل التجاري غير النفطي إلى 1.4 مليار دولار في 2025، بزيادة 132% عن العام السابق، كما شهد المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي في أيار / مايو 2026 اتفاقات أولية في السياحة والبناء والبنية التحتية والزراعة والطيران واللوجستيات، مع دراسة “إعمار” لمشاريع في دمشق والساحل قد تصل قيمتها إلى 19 مليار دولار.
الأثر العملي: هذه الأرقام لا تعني أن الأموال دُفعت كلها أو أن المشاريع دخلت مرحلة التنفيذ الكامل. لكنها تؤكد أن سوريا لم تعد في خانة العزوف المطلق. المرحلة الحالية هي مرحلة فرز: أي الاتفاقات ستصل إلى الإغلاق المالي؟ أيها سيبقى إعلاناً سياسياً؟ وأيها سيخلق إنتاجاً ووظائف لا مجرد أصول عقارية؟
ثالثاً: المعوقات التي ما زالت تكبح التحول
1. الفجوة بين الاتفاق والتنفيذ
أكبر خطر في المرحلة الحالية هو تضخم “اقتصاد المذكرات”. توقيع اتفاق بقيمة كبيرة لا يعني بدء التنفيذ، وبدء التنفيذ لا يعني اكتمال المشروع. كثير من مشاريع البنية التحتية تحتاج إلى إغلاق مالي، ضمانات سيادية أو شبه سيادية، تقييم مخاطر، اتفاقيات شراء خدمة أو طاقة، وضوح في تعرفة الكهرباء أو استخدام المرافئ أو عوائد المشروع.
لذلك يجب تقييم كل مشروع وفق خمس درجات:
إعلان اهتمام، مذكرة تفاهم، عقد مبدئي، إغلاق مالي، تنفيذ فعلي.
الاقتصاد السوري يحتاج إلى نقل أكبر عدد ممكن من المشاريع من الدرجة الثانية إلى الرابعة والخامسة.
2. التمويل والمصارف
رغم رفع العقوبات، تبقى المصارف الحلقة الأكثر حساسية. صندوق النقد أوضح أن إعادة بناء الثقة بالمصارف وإعادة تأهيل نظام الدفع والقطاع البنكي شرط أساسي لاستعادة الوساطة المالية والمدفوعات داخلياً وخارجياً. كما شدد على الحاجة إلى تقييم صحة البنوك وإصلاح التشريعات والرقابة المصرفية واستقلالية المصرف المركزي.
3. الفقر والاحتياجات الإنسانية
التعافي الاقتصادي لا يتحرك في فراغ. في 2026، يحتاج 15.6 مليون شخص في سوريا إلى مساعدات إنسانية، أي أكثر من ستة من كل عشرة من السكان البالغ عددهم 25.6 مليون نسمة. كما عاد نحو 1.3 مليون سوري من الخارج خلال 2025 رغم هشاشة الخدمات وفرص العمل.
برنامج الأغذية العالمي خفّض في أيار / مايو 2026 المساعدات الغذائية الطارئة من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، وأوقف برنامج دعم خبز كان يدعم أكثر من 300 مخبز ويصل أثره إلى أربعة ملايين شخص يومياً، في وقت بقي فيه 7.2 ملايين شخص في حالة انعدام أمن غذائي حاد.
الأثر العملي: أي خطة اقتصادية لا تخلق وظائف ودخلاً سريعاً ستفقد جزءاً من شرعيتها الاجتماعية. لذلك يجب أن تكون المشاريع الكبرى مرتبطة بسلاسل توريد محلية وتشغيل واسع، لا أن تبقى منفصلة عن معيشة الناس.
4. ضعف البيانات
لا يمكن بناء اقتصاد حديث ببيانات ضعيفة. صندوق النقد أكد استمرار العمل على تحسين الإحصاءات الوطنية، بما في ذلك الحسابات القومية، الأسعار، ميزان المدفوعات، المالية العامة، والإحصاءات النقدية، تمهيداً لاستئناف مشاورات المادة الرابعة مع سوريا.
5. البيئة المؤسسية والحوكمة
مؤتمر الحوار مع القطاع الخاص في دمشق ركز على قضايا واضحة: حماية الملكية الخاصة، احترام العقود، تبسيط الإجراءات، تقليل العوائق الإدارية، تحسين الإطار القانوني والتنظيمي، تحديث النظام المالي، تسهيل التجارة، وتطوير اللوجستيات والجمارك. هذه ليست شعارات، بل قائمة المعوقات الفعلية التي يواجهها المستثمر والشركة السورية.
رابعاً: الحوافز التي تدفع الاقتصاد السوري للأمام
1. موقع جغرافي عاد إلى الواجهة
سوريا تقع بين الخليج وتركيا وبلاد الشام والمتوسط، وهذا يمنحها دوراً محتملاً في التجارة والطاقة والربط اللوجستي. منتدى الاقتصاد العالمي أشار في حزيران / يونيو 2026 إلى أن موقع سوريا في قلب ممرات ناشئة تربط الخليج وتركيا وبلاد الشام والمتوسط يجعل إعادة اندماجها الاقتصادي مهمة للمنطقة.
2. طلب إعادة إعمار هائل
كلفة إعادة الإعمار المقدرة بـ216 مليار دولار ليست مجرد عبء، بل خريطة طلب طويلة الأجل على الإسمنت والحديد والزجاج والطاقة والكابلات والمصارف والتأمين والنقل والمقاولات والهندسة والخدمات المهنية. لكن تحويل هذا الطلب إلى نمو يحتاج إلى تمويل، شفافية، ومشاريع ذات أولوية.
3. عودة اللاجئين ورأس المال البشري
عودة 1.3 مليون سوري من الخارج في 2025 تخلق طلباً على السكن والخدمات والعمل، لكنها أيضاً تخلق فرصة إذا جرى دمج العائدين في سوق العمل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
4. دور القطاع الخاص
الحكومة والمؤسسات الدولية بدأت تتعامل مع القطاع الخاص كطرف في التعافي، لا كمجرد مستفيد. مؤتمر الحوار مع القطاع الخاص 2026 ركز على الضرائب، الوصول إلى التمويل، الاستثمار، الصادرات، سلاسل القيمة، العمالة، الشباب، النساء، المغتربين، والشراكات B2B.
خامساً: قراءة قطاعية مختصرة
الطاقة والكهرباء
الأولوية رقم واحد. أي تحسن فيها ينعكس فوراً على الصناعة، الخدمات، الزراعة، والمستوى المعيشي. مشاريع الـ5000 ميغاواط واتفاق الغاز مع ConocoPhillips وNovaterra قد تكون نقطة تحول إذا تجاوزت مرحلة الاتفاق إلى التنفيذ.
الموانئ واللوجستيات
اتفاق DP World في طرطوس، وتجديد اتفاق CMA CGM في اللاذقية، وتحرك العراق نحو بانياس، كلها تؤشر إلى عودة سوريا كممر بحري وبري محتمل. المردود العملي سيكون في رسوم العبور، التخزين، المناطق الحرة، الخدمات اللوجستية، والتصدير.
الاتصالات والتحول الرقمي
الاستثمارات السعودية في الاتصالات وتقنية المعلومات، ودخول أنظمة دفع عالمية مثل Visa، وتحركات البنوك التركية، تمثل مقدمة لبناء اقتصاد تعاملات لا يعتمد فقط على النقد. لكنها تحتاج إلى تشريعات، امتثال، أمن سيبراني، وشمول مالي.
الصناعة والزراعة
رغم أن الاستثمارات الكبرى تذهب أولاً إلى الطاقة والعقار والبنية التحتية، فإن النمو الحقيقي يحتاج إلى إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية: الغذاء، النسيج، مواد البناء، الصناعات الهندسية، الصناعات الدوائية، والمنتجات الزراعية القابلة للتصدير. هذه القطاعات تولد وظائف أسرع من المشاريع العملاقة إذا حصلت على كهرباء وتمويل ومدخلات.
العقار والسياحة
العقار والسياحة قادران على جذب رأس مال سريع، لكنهما يحملان خطراً إذا تحولا إلى نمو غير إنتاجي أو إلى رفع أسعار الأراضي والسكن. يجب ربطهما بالتشغيل المحلي، مواد البناء السورية، التدريب، والخدمات الصغيرة.
سادساً: مؤشرات يجب مراقبتها شهرياً
| المؤشر | لماذا مهم؟ | الإشارة الإيجابية |
|---|
| ساعات الكهرباء الفعلية | تحدد قدرة الصناعة والخدمات | ارتفاع مستقر لا مؤقت |
| عدد الشركات المسجلة | يقيس ثقة السوق | نمو في الشركات الإنتاجية والخدمية |
| حركة الموانئ والشحن | تقيس التجارة والربط | ارتفاع الحاويات والترانزيت |
| الإغلاق المالي للمشاريع | يميز العقد الحقيقي عن الإعلان | توقيع تمويل وبدء أعمال |
| التضخم وسعر الصرف | يقيس الاستقرار | تضخم منخفض دون خنق الطلب |
| الائتمان للقطاع الخاص | يقيس عودة المصارف | قروض إنتاجية لا استهلاكية فقط |
| الصادرات غير النفطية | يقيس تعافي الإنتاج | نمو في الغذاء والنسيج والدواء ومواد البناء |
| عودة اللاجئين إلى العمل | يقيس الدمج الاجتماعي | وظائف ومشاريع صغيرة لا عودة بلا دخل |
| تنفيذ إصلاحات الجمارك والتراخيص | يحدد سهولة الأعمال | تقليل زمن الترخيص والتخليص |
| مشاركة الشركات السورية في المشاريع الكبرى | تمنع اقتصاداً منفصلاً عن الداخل | عقود توريد وتشغيل محلية |
سابعاً: السيناريوهات الواقعية حتى نهاية 2027
السيناريو المتفائل الواقعي
تتحول مشاريع الطاقة والموانئ إلى تنفيذ، يستقر القطاع المصرفي تدريجياً، تتراجع مشكلة الامتثال الزائد، تظهر آليات تمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويبدأ نمو إنتاجي في الصناعة والزراعة. في هذا السيناريو يمكن لسوريا أن تتحول إلى سوق إعادة إعمار نشطة، لكن بوتيرة متدرجة.
السيناريو المتوسط
تستمر الاتفاقات الكبرى، لكن التنفيذ يتأخر. يتحسن الاستيراد والتجارة والخدمات، بينما يبقى الإنتاج المحلي ضعيفاً بسبب الكهرباء والتمويل. في هذا السيناريو يظهر نمو، لكنه غير كافٍ لامتصاص البطالة والفقر.
السيناريو السلبي
تتعثر الطاقة، تبقى البنوك مترددة، تتضخم العقارات على حساب الإنتاج، وتزداد الضغوط المعيشية مع نقص المساعدات. في هذا السيناريو تعود حالة التردد لدى المستثمرين، حتى لو بقيت العقوبات مرفوعة.
ثامناً: خطة استراتيجية عملية لتحويل التعافي إلى نمو
1. تحويل الاتفاقات إلى لوحة تنفيذ وطنية
يجب إنشاء لوحة عامة للمشاريع الكبرى، توضح: الجهة، القيمة، المرحلة، التمويل، مدة التنفيذ، الوظائف المتوقعة، نسبة المحتوى المحلي، والمخاطر. الشفافية هنا ليست ترفاً، بل أداة لجذب المستثمر الجاد.
2. أولوية الكهرباء للمناطق الإنتاجية
بدلاً من توزيع التحسن الكهربائي بشكل مشتت، يجب إعطاء أولوية واضحة للمدن الصناعية، المرافئ، المشافي، محطات المياه، وسلاسل الغذاء. كل ميغاواط يذهب إلى الإنتاج يخلق أثراً مضاعفاً أكبر من الاستهلاك غير المنتج.
3. إنشاء صندوق ضمان للمشاريع الصغيرة والمتوسطة
المصارف لن تقرض بسرعة في بيئة ما بعد الحرب دون ضمانات. الحل العملي هو صندوق ضمان ائتمان ممول من الدولة والمانحين والمصارف، يركز على الصناعة الخفيفة، الغذاء، التصدير، الخدمات المهنية، وسلاسل التوريد المرتبطة بالإعمار.
4. مسار خاص للمغتربين السوريين
المغترب لا يحتاج شعارات، بل يحتاج أدوات: حساب مصرفي، تحويل آمن، حماية ملكية، شريك موثوق، نافذة ترخيص، ومشاريع صغيرة قابلة للفهم. يمكن بناء “مسار استثمار مغتربين” يبدأ من 10 آلاف إلى 250 ألف دولار، لا من المشاريع المليارية فقط.
5. تحويل المناطق الصناعية إلى منصات إنتاج جاهزة
تحتاج المدن الصناعية إلى حزمة تشغيل: كهرباء، مياه، طرق، جمارك قريبة، نافذة ترخيص، قروض معدات، وربط مع دليل شركات وموردين. من دون ذلك ستبقى المصانع عالقة بين الطلب والقدرة.
6. إصلاح الجمارك والمعابر
كل ساعة تأخير على الحدود تتحول إلى تكلفة على المستهلك والمنتج. المطلوب مسارات خضراء للمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، رقمنة التخليص، ونشر الرسوم والإجراءات بوضوح.
7. ربط الاستثمار بالتوظيف والتدريب
كل مشروع كبير يجب أن يتضمن برنامج تدريب وتشغيل محلي. الهدف ليس فقط بناء محطة أو ميناء، بل بناء قوة عمل قادرة على التشغيل والصيانة والإدارة.
8. بناء برنامج وطني للصادرات السريعة
القطاعات الأقرب للانطلاق: الغذاء، النسيج، الألبسة، زيت الزيتون، المنتجات الزراعية المصنعة، مواد البناء، الصناعات الدوائية، والمنتجات الحرفية عالية القيمة. المطلوب: مواصفات، شهادات، مختبرات، تغليف، لوجستيات، وربط تجاري.
9. ضبط نمو العقار
العقار ضروري للإعمار، لكنه خطر إذا امتص السيولة ورفع الأسعار دون إنتاج. يجب ربط المشاريع العقارية بنسب إسكان ميسر، محتوى محلي، بنية تحتية، وفرص عمل.
10. بناء نظام بيانات اقتصادي جديد
تحتاج سوريا إلى بيانات شهرية موثوقة عن الأسعار، الصادرات، الواردات، التراخيص، الإنتاج، الكهرباء، البطالة، وحركة الموانئ. من دون بيانات، سيبقى القرار الاستثماري معتمداً على الانطباع.
خاتمة
حتى حزيران / يونيو 2026، لم تعد سوريا اقتصاداً جامداً، لكنها لم تصبح بعد اقتصاداً متعافياً بالكامل. ما حدث هو انتقال واضح من العزلة إلى الانفتاح، ومن التردد إلى الاستكشاف، ومن الاستكشاف إلى دخول انتقائي في قطاعات محددة. هذا تقدم مهم، لكنه ليس ضماناً.
نجاح المرحلة المقبلة يتوقف على سؤال واحد:
هل تستطيع سوريا تحويل الانفتاح السياسي والاتفاقات الكبرى إلى كهرباء، تمويل، إنتاج، وظائف، صادرات، وثقة مؤسسية؟
إذا تحقق ذلك، يمكن لسوريا أن تنتقل من اقتصاد إعادة تشغيل إلى اقتصاد نمو. وإذا بقيت المشاريع في مستوى الإعلان، أو انحصر الاستثمار في العقار والاستهلاك، فسيبقى التعافي محدوداً وغير كافٍ لمعالجة الفقر والبطالة والدمار.
سوريا في بداية دورة تعافٍ واقعية، مدفوعة برفع العقوبات وعودة الاهتمام الإقليمي والدولي، لكنها تحتاج إلى تنفيذ مؤسسي صارم كي تتحول من سوق واعدة إلى سوق قابلة للاستثمار على نطاق واسع.