الغاز والكهرباء بين سوريا والأردن: هل يتحول التعاون الطاقي إلى رافعة اقتصادية أوسع؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
عاد ملف الطاقة إلى واجهة العلاقات السورية الأردنية بقوة خلال اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى في عمّان يوم 12 أبريل 2026، لكن أهميته لا تكمن في كونه بنداً فنياً بين وزارتي طاقة فقط، بل في كونه ملفاً يمس الاقتصاد السوري مباشرة من بوابة التشغيل والإنتاج وكلفة الأعمال. فالبيان المشترك الصادر بعد الاجتماعات أكد الترحيب باتفاق الغاز الموقع بين البلدين في 26 يناير 2026، والاتفاق على آليات استئناف تزويد سوريا بالغاز، إلى جانب مراجعة ملف الربط الكهربائي والتعاون في هذا المسار. وهذا يعني أن التعاون الطاقي لم يعد ملفاً جانبياً، بل أصبح جزءاً من حزمة أوسع تربط التجارة والنقل والطاقة والبنية الاقتصادية بين البلدين.
ما الذي أُعلن فعلياً في ملف الغاز؟
الأساس التنفيذي لهذا المسار سبق اجتماعات عمّان، إذ وقّع الأردن وسوريا في 26 يناير 2026 اتفاق بيع وشراء غاز طبيعي ينص على تزويد سوريا بنحو 4 ملايين متر مكعب يومياً، أي ما يقارب 140 مليون قدم مكعبة، عبر البنية التحتية الأردنية. ووفق التصريحات الرسمية الأردنية، بدأ تزويد سوريا بالغاز منذ 1 يناير 2026 بكميات تراوحت بين 30 و90 مليون قدم مكعبة يومياً قبل تثبيت الاتفاق الأوسع لاحقاً في يناير. كما أوضح الجانب الأردني أن الغاز يُستورد بحراً ويُفرّغ ويُعاد تحويله إلى حالته الغازية في العقبة، ثم يُضخ عبر خط الغاز العربي إلى سوريا.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن الحديث ليس عن وعد سياسي عام، بل عن مسار قائم على بنية تحتية محددة: ميناء العقبة، ووحدة التخزين والتغييز العائمة، وخط الغاز العربي. وهذا يمنح الملف وزناً عملياً أكبر، لأن أي تعاون يعتمد على بنية قائمة وقنوات تشغيل فعلية يكون أقرب إلى التأثير الاقتصادي من ملفات تبقى عالقة عند مستوى التفاهمات الأولية.
لماذا يهم هذا الاقتصاد السوري؟
لأن الطاقة ليست قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل مدخل أساسي لقدرة السوق على الإنتاج والاستمرار والتوسع. وقد قال وزير الطاقة السوري في يناير إن الغاز المستورد من الأردن سيساعد على تشغيل محطات التوليد القائمة، وتعزيز استقرار الشبكة الكهربائية، وإن الإمدادات التي بدأت مطلع العام ساهمت في رفع التوليد من نحو 2500 ميغاواط إلى أكثر من 3000 ميغاواط بعد بدء تدفق الغاز. وإذا صح استمرار هذا المسار واستقراره، فهذا يعني أن الأثر لا يقتصر على ساعات التغذية الكهربائية بوصفها مؤشراً خدمياً، بل يمتد إلى كلفة الإنتاج الصناعي، واستقرار تشغيل المنشآت، وقدرة الشركات على التخطيط، وتقليل الاعتماد على البدائل الأعلى كلفة في بعض الأنشطة.
من المستفيد المحتمل أولاً؟
الاستفادة المباشرة الأولى تكون غالباً لدى القطاعات التي تتأثر بشدة بانقطاع الكهرباء أو تقلبها، مثل الصناعة، والتبريد، والخدمات التي تعتمد على تشغيل مستمر، وبعض الأنشطة اللوجستية والإنتاجية التي لا تستطيع تحمل انقطاعات طويلة أو كلفة تشغيل مرتفعة. فحين يتحسن تزويد محطات التوليد بالغاز، ترتفع قدرة النظام الكهربائي على توفير تغذية أكثر استقراراً، حتى لو لم يتحول ذلك فوراً إلى حل شامل لأزمة الطاقة. ومن زاوية الأعمال، يكفي أحياناً أن يتحسن الاستقرار النسبي أو تقلّ درجة التذبذب حتى تتغير بعض الحسابات التشغيلية داخل الشركات. وهذا استنتاج تحليلي مستند إلى طبيعة أثر الكهرباء على القرار الاقتصادي اليومي، لا إلى إعلان رسمي عن توزيع قطاعي للفوائد.
أين يدخل ملف الكهرباء في الصورة؟
في اتفاق يناير، أشار وزير الطاقة الأردني إلى أن الجانبين ناقشا أيضاً مجالات تعاون مستقبلية مرتبطة بالكهرباء، وإمكانية استعادة جزء من الإمداد الكهربائي بعد استكمال أعمال الصيانة اللازمة على الشبكات. ثم جاء بيان مجلس التنسيق الأعلى في أبريل ليؤكد أن ملف الربط الكهربائي والتعاون في الكهرباء كان جزءاً من المراجعة والاتفاق. هذا مهم لأن الغاز هنا لا يُقرأ باعتباره سلعة فقط، بل باعتباره وسيلة لرفع قدرة التوليد، في حين يبقى الربط الكهربائي نفسه مساراً موازياً يمكن أن يضيف طبقة أخرى من التعاون إذا استكملت متطلباته الفنية.
هل نحن أمام تحول اقتصادي واسع؟
من المبكر القول ذلك. القراءة المهنية الأقرب إلى الواقع هي أننا أمام تحسن محتمل في أحد المدخلات الأساسية للاقتصاد، لا أمام حل شامل لأزمة الطاقة دفعة واحدة. فالاتفاقيات والآليات قد تكون مهمة، لكن أثرها الاقتصادي الواسع يعتمد على الاستمرارية، والقدرة على الحفاظ على الإمدادات، وكفاءة الشبكات الداخلية، وترجمة التحسن في التوليد إلى أثر فعلي محسوس في بيئة الأعمال. ولهذا، فإن قيمة التعاون الطاقي بين سوريا والأردن يجب أن تُقاس عبر أسئلة عملية: هل تستقر الإمدادات؟ هل تتحسن القدرة التوليدية فعلياً بمرور الوقت؟ وهل ينعكس ذلك على كلفة التشغيل والثقة بالبيئة التشغيلية؟ هذا استنتاج تحليلي مبني على طبيعة العلاقة بين الطاقة والنشاط الاقتصادي.
ما الذي يجعل هذا المسار مهماً للمستثمر؟
المستثمر لا يقرأ ملف الطاقة بوصفه تفصيلاً تقنياً، بل بوصفه مؤشراً على جاهزية البيئة التشغيلية. وكل تحسن في البنية الطاقية، ولو كان تدريجياً، قد يؤثر في قراءة الجدوى، وتقييم المخاطر، وحسابات التشغيل، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على استقرار الكهرباء أو تعاني من ارتفاع كلفة البدائل. كما أن أهمية المسار الأردني لا تقتصر على الغاز نفسه، بل تشمل أيضاً الإشارة إلى أن التعاون الإقليمي في البنية والخدمات الأساسية يمكن أن يعود إلى الواجهة. وهذا بحد ذاته عنصر نفسي وعملي مهم في تقييم السوق، حتى لو بقي أثره المباشر متفاوتاً بين قطاع وآخر. والاستنتاج هنا قراءة تحليلية منطقية لطبيعة القرار الاستثماري، لا نصاً ورد حرفياً في المصادر.
ما حدود هذا المسار؟
هناك حدود واضحة يجب عدم تجاهلها. أولها أن التعاون الطاقي، مهما كان مهماً، لا يعمل بمعزل عن كفاءة الشبكة والبنية الداخلية وقدرة منظومة الكهرباء على تحويل الغاز المستورد إلى أثر مستدام في التوليد والتوزيع. وثانيها أن أي تعثر في الإمدادات أو الأعمال الفنية أو التنسيق قد يحد من الأثر المنتظر. وثالثها أن تحسن الطاقة، حتى عندما يحدث، لا يوزع منافعه تلقائياً بالتساوي على جميع الأنشطة الاقتصادية. لذلك فإن القراءة المتوازنة لا تبالغ في الوعود، لكنها في الوقت نفسه لا تقلل من وزن هذا المسار، لأن الطاقة تبقى من أكثر العناصر حساسية في أي بيئة أعمال. هذا تقدير تحليلي نابع من طبيعة الملف الاقتصادي والفني.
ما الذي ينبغي مراقبته خلال الفترة المقبلة؟
هناك أربع نقاط تستحق المتابعة القريبة. الأولى: هل تُستأنف إمدادات الغاز وفق الآليات المعلنة بعد اجتماعات عمّان؟ الثانية: هل تظهر مؤشرات فنية أو تشغيلية تؤكد تحسن القدرة التوليدية أو استقرارها؟ الثالثة: هل يتقدم ملف الربط الكهربائي من مستوى المراجعة إلى خطوات تنفيذية أو فنية أوضح؟ الرابعة: هل يبدأ قطاع الأعمال بالشعور بفارق عملي، ولو تدريجياً، في الاستقرار أو الكلفة أو القدرة على التخطيط؟ إذا ظهرت إشارات إيجابية متتالية في هذه النقاط، فسيكون ممكناً الحديث عن انتقال التعاون الطاقي من مستوى الدعم القطاعي إلى مستوى الرافعة الاقتصادية الأوسع.
خلاصة
ملف الغاز والكهرباء بين سوريا والأردن يستحق المتابعة لأنه يتجاوز كونه تعاوناً فنياً ليصبح جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بقدرة الاقتصاد السوري على استعادة بعض مقومات التشغيل الأكثر أساسية. ما جرى حتى الآن يشير إلى وجود بنية تعاون قائمة، واتفاق واضح على كميات الغاز، ومراجعة مستمرة لملف الكهرباء، وإرادة سياسية لإبقاء الطاقة ضمن أولويات التنسيق بين البلدين. لكن الحكم الحقيقي سيبقى مرتبطاً بالتنفيذ والاستمرارية والأثر العملي على بيئة الأعمال. فإذا استقر هذا المسار وتوسع، فقد لا يكون مجرد دعم لقطاع الطاقة، بل عاملاً يساعد على تخفيف بعض أعباء التشغيل داخل الاقتصاد السوري، ويدعم قراءة أكثر عملية لفرص الإنتاج والاستثمار خلال المرحلة المقبلة.