إطلاق أعمال اللجنة الاقتصادية والتجارية السورية–التركية المشتركة في إسطنبول: ماذا يعني ذلك للأعمال والتجارة في المرحلة المقبلة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
مقدمة
وصل وفد سوري رسمي إلى مدينة إسطنبول للمشاركة في أعمال الاجتماع الأول للجنة الاقتصادية والتجارية السورية–التركية المشتركة، برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، وبمشاركة حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، ومدير عام صندوق التنمية السوري صفوت رسلان، إلى جانب ممثلين عن جهات اقتصادية عامة وخاصة.
وبحسب المعطيات المعلنة، يتضمن برنامج الزيارة سلسلة لقاءات مع مسؤولين أتراك وممثلي قطاع الأعمال لبحث تطوير العلاقات التجارية، ورفع حجم التبادل الاقتصادي، وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المشتركة.
لماذا يُعد هذا الاجتماع مهماً؟
لا تأتي هذه الخطوة بوصفها اجتماعاً بروتوكولياً عادياً، بل تمثل انتقالاً إلى مسار اقتصادي مؤسسي مشترك بين البلدين.
فوجود لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة يعني أن العلاقة لم تعد محصورة في التصريحات العامة أو اللقاءات الثنائية المتفرقة، بل بدأت تتحول إلى قناة منظمة لمناقشة ملفات التجارة، والاستثمار، والنقل، والتمويل، والربط التشغيلي بين مؤسسات البلدين.
وهذا بحد ذاته تطور مهم بالنسبة للسوق السورية، لأنه يفتح الباب أمام إدارة أكثر انتظاماً للقضايا التي تعيق حركة الأعمال عبر الحدود.
الاجتماع الحالي ليس بداية من الصفر
تتضح أهمية الاجتماع الحالي أكثر عند وضعه ضمن المسار الذي سبقَه خلال العام الماضي.
ففي آب 2025، أُعلن عن توقيع 18 مذكرة تفاهم بين الجانبين، من بينها مذكرة إنشاء اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة نفسها، إلى جانب مذكرة إنشاء مجلس أعمال سوري–تركي.
وهذا يعني أن اجتماع إسطنبول الحالي ليس بداية العلاقة من الصفر، بل هو خطوة تنفيذية فوق أساس مؤسسي سبق بناؤه، ما يمنحه وزناً أعلى من مجرد خبر اقتصادي عابر.
ماذا يعني ذلك اقتصادياً لسوريا؟
من الناحية الاقتصادية، تأتي اللجنة في توقيت حساس بالنسبة لسوريا، حيث تحتاج السوق إلى أكثر من مجرد زيادة في الواردات أو الحركة الحدودية؛ فهي تحتاج إلى إعادة تنظيم قنوات التجارة وتخفيف كلف التعطل وتحسين بيئة التنفيذ.
وتعد تركيا اليوم الشريك التجاري الأكبر لسوريا من حيث الحجم، فيما تجاوزت الصادرات التركية إلى سوريا 2.5 مليار دولار خلال 2025، بنمو سنوي بلغ 69.9 بالمئة، بحسب بيانات منشورة سابقاً حول تطور العلاقات التجارية بين البلدين.
هذا لا يعني تلقائياً أن السوق السورية ستشهد تحولاً فورياً كبيراً، لكنه يعني أن الاتجاه العام يتعزز: مزيد من التنسيق الرسمي، مزيد من الربط بين الحكومات وقطاع الأعمال، ومزيد من القنوات المفتوحة لمناقشة الملفات العملية التي تؤثر على حركة التجارة والاستثمار.
الملفات المتوقع أن تكون على طاولة اللجنة
من أبرز الملفات التي يُتوقع أن تكون حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عمل اللجنة:
- التبادل التجاري
- المعابر واللوجستيات
- النقل البري
- الترتيبات الجمركية
- تسهيل أعمال الشركات
- تهيئة أرضية أوضح للاستثمارات المشتركة
وهذه التوقعات لا تأتي من فراغ، إذ إن التحركات السابقة بين الجانبين خلال 2025 و2026 أظهرت تركيزاً واضحاً على التجارة والجمارك والنقل والاستثمار والتمويل والطاقة.
الأثر العملي على قطاع الأعمال السوري
بالنسبة لقطاع الأعمال السوري، فإن القيمة العملية لهذا الاجتماع لا تكمن فقط في احتمال زيادة حجم التجارة، بل في نوعية البيئة التي قد تنتج عنه.
فالتاجر، والمستورد، والمصدر، وشركة النقل، والمستثمر، وحتى المصنع المحلي، لا يحتاجون إلى أخبار عامة بقدر حاجتهم إلى تخفيض حالة عدم اليقين، عبر:
- وضوح أكبر في الإجراءات
- حلحلة بعض العقبات التشغيلية
- انتظام أكبر في العلاقة المؤسسية
- إمكانية بناء توقعات تشغيلية على أساس أكثر ثباتاً
وإذا تمكنت اللجنة من المساهمة في هذه الجوانب، فسيكون أثرها على السوق أكبر من أي تصريح سياسي أو اقتصادي منفصل.
ما الذي يجب الانتباه إليه بواقعية؟
مع ذلك، يجب التعامل مع الحدث بواقعية.
فوجود اللجنة لا يعني تلقائياً إزالة جميع المعوقات، ولا يعني أن الاستثمارات المشتركة ستتدفق مباشرة، كما لا يعني أن الميزان التجاري سيتحول فوراً إلى وضع أكثر توازناً بالنسبة لسوريا.
ما يمكن قوله بثقة هو أن الاجتماع يمثل تقدماً في البنية المؤسسية للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، وأنه يرفع احتمال الانتقال من مرحلة التواصل العام إلى مرحلة التفاوض المنظم على ملفات التنفيذ.
أما النتائج الفعلية، فستُقاس لاحقاً بما سيصدر من تفاهمات عملية، أو تسهيلات، أو ترتيبات جديدة تمس حياة الشركات وحركة السوق فعلاً.
الخلاصة
يمثل إطلاق أعمال اللجنة الاقتصادية والتجارية السورية–التركية المشتركة في إسطنبول مؤشراً مهماً على أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين تدخل مرحلة أكثر تنظيماً ومأسسة.
وبالنسبة لسوريا، فإن أهمية هذه الخطوة تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها ترتبط أيضاً بقدرة الاقتصاد السوري على إعادة بناء قنوات التجارة والتمويل والنقل والتعاون الاستثماري في مرحلة تحتاج فيها السوق إلى شراكات عملية أكثر من حاجتها إلى رسائل عامة.
وإذا نجحت اللجنة في تحويل هذا المسار إلى نتائج تنفيذية قابلة للقياس، فقد تصبح واحدة من أهم القنوات المؤثرة في رسم جزء من البيئة الاقتصادية السورية خلال المرحلة المقبلة.