الاقتصاد السوري بين رواية الرئيس الشرع ورواية الأمم المتحدة: هل بدأ التعافي فعلاً أم أن الفجوة ما زالت أعمق من الخطاب؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
لم يعد السؤال المطروح حول الاقتصاد السوري هو ما إذا كانت هناك حركة تحسن أم لا، بل ما إذا كانت هذه الحركة كافية للحديث عن تعافٍ حقيقي يقرّب البلاد من مستويات ما قبل 2010. هنا تتقابل روايتان مختلفتان: رواية رسمية متفائلة يتصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع وتقول إن الاقتصاد السوري دخل مرحلة تسارع كبيرة، ورواية أممية أكثر تحفظاً ترى أن حجم التدهور المتراكم ما يزال أكبر من أن يُختزل في مؤشرات تحسن سريعة. والواقع، على الأرجح، يقع بين الروايتين لا عند أحد طرفيهما بالكامل.
ما الذي تقوله رواية الرئيس أحمد الشرع؟
الرواية الرسمية الحالية تنطلق من فكرة أن سوريا لم تعد في مرحلة “إدارة الانهيار”، بل في مرحلة إعادة البناء الاقتصادي. وقد تحدث الرئيس أحمد الشرع في مارس 2026 أن موازنة 2026 تبلغ نحو 10.5 مليارات دولار، وأن الناتج المحلي قد يصل إلى 50–60 مليار دولار هذا العام، بما يفتح الباب أمام تحسين الخدمات والإنفاق الاجتماعي ودفع مشاريع الإعمار والاستثمار. هذه الرواية تفترض أن رفع القيود الخارجية، وتحسن البيئة السياسية، وعودة التمويل، واستعادة الانفتاح الإقليمي، قادرة على إنتاج قفزة سريعة في الناتج والنشاط الاقتصادي.
وليس هذا التفاؤل منفصلاً تماماً عن الوقائع. فصندوق النقد الدولي قال في 25 فبراير 2026 إن الاقتصاد السوري “يواصل التعافي”، وإن النشاط تسارع في الشهور الأخيرة بدعم من تحسن ثقة المستهلك والمستثمر، وعودة اللاجئين، وزيادة الكهرباء، وتحسن الأمطار، وإزالة العقوبات، وإعادة الاندماج الإقليمي. كما أشار إلى أن موازنة 2025 انتهت بفائض صغير، وأن التضخم تباطأ إلى مستويات منخفضة من خانتين بنهاية 2025، مع تحسن في سعر الصرف مقارنة بعام 2024. هذه كلها إشارات مهمة لأنها تعني أن الاقتصاد السوري لم يعد ثابتاً عند قاع الأزمة، بل بدأ يتحرك فعلاً إلى الأعلى.
ما الذي تقوله رواية الأمم المتحدة؟
في المقابل، تنظر الأمم المتحدة إلى الاقتصاد السوري من زاوية مختلفة. فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قال إن الاقتصاد السوري، عند معدلات النمو الحالية، لن يستعيد مستوى ما قبل النزاع قبل عام 2080، وأن تسريع التعافي إلى أفق أقصر بكثير يتطلب قفزة كبيرة ومستدامة في النمو تتجاوز المسار القائم بعدة أضعاف. كما أكد أن الفقر واسع جداً، وأن البطالة ما تزال مرتفعة، وأن آثار الحرب لا تُقاس فقط بالناتج المحلي، بل أيضاً بتآكل رأس المال البشري والبنية التحتية والخدمات والقدرة الإنتاجية.
هذه الرواية لا تنفي وجود تحسن، لكنها تقول إن التحسن الحالي يجب ألا يُفهم باعتباره استعادة كاملة للاقتصاد. فالبنك الدولي قدّر سابقاً أن الناتج المحلي الاسمي لسوريا انخفض من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024، وأن كلفة إعادة الإعمار تصل إلى 216 مليار دولار. هذا يعني أن الاقتصاد السوري يمكن أن يتحسن بسرعة نسبياً من قاعدة منخفضة جداً، لكن ذلك لا يساوي تلقائياً عودته إلى البنية الاقتصادية التي كانت قائمة قبل 2010.
ماذا تغيّر فعلاً في 2026؟
حتى شهر آذار لم يكن المشهد في المسار الاقتصادي السوري عادياً. فقد ظهرت خلاله سلسلة مؤشرات تعزز فكرة أن البيئة الاقتصادية بدأت تنفتح عملياً لا خطابياً فقط. من أبرزها استمرار إعادة ربط النظام المالي السوري بالخارج، بعد إعلان المصرف المركزي في 28 فبراير 2026 استعادة علاقته المصرفية الكاملة مع الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ثم إعلان التفاهم مع بنك كندا في 7 مارس لبدء إجراءات فتح حساب جديد. هذه التطورات مهمة لأن أثرها يتجاوز الرمزية السياسية إلى ما هو عملي: التحويلات، إدارة الاحتياطيات، المدفوعات، واستعادة الثقة في القنوات المالية السورية.
وفي 19 مارس 2026 أعلنت وزارة المالية السورية المضي في إصلاحات ضريبية ورقمنة الإدارة المالية، بما يشمل ضريبة دخل موحدة، وتوسيع الفوترة الإلكترونية، ومنصات الدفع الإلكتروني، وأتمتة الإجراءات الجمركية. هذا النوع من الإصلاحات لا يصنع نمواً فورياً وحده، لكنه مهم للغاية للمستثمرين لأنه يرفع تدريجياً من وضوح البيئة التنظيمية ويخفض كلفة المعاملات ويعزز الانضباط المالي. كما شهد مارس الإعلان عن تسوية نهائية مع MTN وطرح مناقصة عالمية لرخصة اتصالات جديدة، بما يشير إلى محاولة إعادة فتح بعض القطاعات الكبرى أمام استثمارات جديدة.
وفي الإطار الدولي، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز كفاءة وشفافية إدارة المالية العامة في سوريا، وهو تطور مهم لأنه يعني أن العلاقة مع المؤسسات الدولية لم تعد مجمدة كما كانت. صحيح أن قيمة المنحة بحد ذاتها ليست ضخمة على مستوى الاقتصاد الكلي، لكن دلالتها المؤسسية كبيرة، لأنها تتصل بإصلاح أدوات الدولة المالية نفسها، وهي نقطة أساسية لأي تعافٍ مستدام.
أين تكمن الفجوة بين الروايتين؟
الفرق بين رواية الرئيس الشرع ورواية الأمم المتحدة ليس فقط فرقاً في درجة التفاؤل، بل في طبيعة القياس نفسها. الرواية الرسمية تركز على الاتجاه الحالي: انفتاح مالي، تحسن ثقة، موازنة أكبر، مشاريع جديدة، وإشارات إلى أن الاقتصاد يستعيد عافيته بسرعة. أما الرواية الأممية فتركز على الوزن التراكمي للخسارة: فقر واسع، بطالة، تراجع في الناتج والدخل، بنية تحتية متعبة، وحاجة ضخمة إلى إعادة الإعمار. لذلك يمكن أن تكون الروايتان صحيحتين جزئياً في الوقت نفسه: نعم، هناك تحسن حقيقي الآن، لكن لا، هذا التحسن لا يكفي بعد للقول إن الاقتصاد السوري عاد بالكامل إلى ما قبل 2010.
أي الروايتين أقرب إلى الواقع في ؟
الأقرب إلى الواقع المهني هو أن رواية الرئيس الشرع تشرح اتجاه الاقتصاد، بينما تشرح رواية الأمم المتحدة حجمه الحقيقي. الاقتصاد السوري اليوم ليس اقتصاداً متوقفاً، بل اقتصاد يتحرك فعلاً إلى الأمام، لكن من قاعدة منخفضة جداً. وهذا يعني أن أي تحسن سيبدو سريعاً وواضحاً في المؤشرات المبكرة، من دون أن يعني بالضرورة أن البلاد استعادت اقتصادها السابق بالكامل. لذلك فإن القراءة الأكثر توازناً هي أن سوريا دخلت مرحلة تعافٍ أولي متسارع، وأن 2026 قد يكون سنة انعطاف مهمة، لكن ليس من الدقة بعد اعتباره عاماً حاسماً أعاد الاقتصاد نهائياً إلى مستويات ما قبل 2010.
ماذا يعني هذا للمستثمر وصاحب القرار؟
بالنسبة للمستثمر، الخطأ يقع في اتجاهين: المبالغة في التفاؤل، أو المبالغة في التشاؤم. من يقرأ سوريا فقط كاقتصاد منهار قد يفوّت فرصة دخول مبكر إلى سوق بدأ يستعيد قنوات تمويله وتنظيمه وثقته تدريجياً. ومن يقرأها فقط عبر خطاب التسارع قد يقلل من عمق المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية، والدخل، والطلب، والزراعة، والتمويل، ووضوح البيانات. السوق السوري في نهاية آذار 2026 يبدو أقرب إلى سوق تعافٍ ناشئ عالي المخاطر وعالي الإمكانات: الفرص موجودة، لكنها ليست منفصلة عن مخاطر ثقيلة ما تزال قائمة.
الخلاصة
الاقتصاد السوري في نهاية آذار 2026 لا يمكن وصفه لا كاقتصاد عاد إلى ما كان عليه، ولا كاقتصاد بقي أسير الانهيار الكامل. الأدق أنه اقتصاد بدأ يتحرك بوضوح، لكن شفاءه لم يكتمل بعد. رواية الرئيس الشرع تملك ما يسندها من مؤشرات تحسن فعلية في المال والإدارة والثقة والانفتاح. ورواية الأمم المتحدة تملك ما يسندها من أرقام أشد عمقاً عن الفقر، والخسائر، وكلفة الإعمار، وبعد المسافة عن اقتصاد ما قبل 2010. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الأهم للمستثمر والقارئ المهني: سوريا دخلت مرحلة يمكن أن تؤسس لتعافٍ حقيقي، لكن تحويل هذه المرحلة إلى اقتصاد مستقر وقوي ما يزال يتطلب وقتاً، وإصلاحاً، وقدرة تنفيذية، واستمرارية سياسية ومالية لا مجرد تفاؤل معلن.