ماذا تعني إعادة هيكلة المياه والكهرباء والتعدين في سوريا للمستثمرين ورجال الأعمال؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
في الاقتصادات الخارجة من ضغط طويل على البنية التحتية والقدرة التشغيلية، لا تكون إعادة هيكلة القطاعات الاستراتيجية مجرد تعديل إداري، بل غالباً ما تكون إشارة إلى طريقة الدولة في إدارة المرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، تبدو المراسيم الصادرة في 6 نيسان 2026 لإحداث كيانات جديدة في المياه والكهرباء والتعدين خطوة تتجاوز الشكل القانوني، لأنها تمس ثلاث ركائز من ركائز بيئة الأعمال: الخدمة الأساسية، والطاقة، والموارد.
ليست خصخصة مباشرة، لكنها ليست تفصيلاً إدارياً أيضاً
النصوص المنشورة لا تقول إن الدولة تتخلى عن هذه القطاعات؛ بل على العكس، تؤكد في الكهرباء والتعدين أن الكيانات الجديدة مملوكة بالكامل للدولة، وتمنحها طابعاً اقتصادياً مع استقلال مالي وإداري وهيكلاً أقرب إلى منطق الشركات القابضة. هذا يعني أن الاتجاه الظاهر ليس الخصخصة المباشرة، بل إعادة بناء الذراع المؤسسية التي تدير الأصول والعقود والاستثمار داخل هذه القطاعات بطريقة أكثر قابلية للحوكمة والتفاوض والشراكة.
ما الرسالة الأهم للمستثمرين؟
الرسالة الأوضح هي أن الدولة تبدو في طور تجميع الأصول والقرارات والعقود ضمن كيانات أوضح يمكن التعامل معها لاحقاً كواجهات مؤسسية للاستثمار أو التمويل أو الشراكات. ففي الكهرباء والتعدين، تتكرر لغة مثل: تحديث الاتفاقيات، الإعلان عن مناطق معدّة للاستثمار، جذب المستثمرين المحليين والدوليين، تأسيس شركات تابعة أو مشتركة، وإقرار عقود شراكة. وهذه اللغة لا تُستخدم عادةً في نصوص تنظيمية محضة، بل في نصوص تريد أيضاً تهيئة القطاع لمرحلة أوسع من الحركة الاقتصادية والتعاقدية.
لماذا قد تكون هذه الخطوة مهمة فعلاً لبيئة الأعمال؟
لأن بيئة الأعمال لا تتأثر فقط بالضرائب والتراخيص، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على توفير خدمات مستقرة، وطاقة قابلة للإدارة، وقطاعات موارد واضحة الإطار المؤسسي. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تنظيم الكهرباء والمياه والتعدين قد تعني ثلاثة أشياء مهمة:
أولاً: وضوح أكبر في الجهة المسؤولة
حين تُجمع الأصول والعقود والالتزامات في كيان واحد أوضح، يصبح التعامل المؤسسي أكثر مباشرة، سواء في التفاوض أو التمويل أو التوريد أو الشراكة أو المساءلة. وهذا لا يحل المشكلات تلقائياً، لكنه يقلل التشظي الإداري الذي يربك المستثمرين والمتعاملين.
ثانياً: رفع قابلية القطاعات للتمويل والتعاقد
المراسيم لا تتحدث فقط عن إدارة يومية، بل عن تقييم الأصول، وتحديد رأس المال، والاقتراض، والمنح، والمساهمات، وإدارة الأصول وفق قواعد الحوكمة. وهذا مهم لأن القطاع يصبح أكثر قابلية لبناء ملفات تمويل أو إعادة تأهيل أو شراكة عندما تكون أصوله والتزاماته أكثر تنظيماً.
ثالثاً: إشارة إلى أن الكفاءة صارت جزءاً من الخطاب الرسمي
تكرار مفاهيم مثل الشفافية، والمساءلة، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والرقابة الداخلية، ومؤشرات الأداء يوحي بأن الخطاب الرسمي يريد نقل هذه القطاعات من منطق الإدارة الخدمية التقليدية إلى منطق أقرب إلى الإدارة الاقتصادية المؤسسية. لكن التحدي هنا هو أن هذه المفاهيم لا تصبح ذات معنى إلا إذا ظهرت فعلياً في التعيينات والأنظمة والتقارير والعقود، لا في النص وحده.
أين يمكن أن تظهر الفوائد إذا نجحت الخطوة؟
إذا تُرجمت هذه المراسيم تنفيذياً بصورة جيدة، فقد تظهر الفوائد في عدة مستويات:
في الكهرباء، قد يعني ذلك قدرة أكبر على تجميع إدارة التوليد والنقل والتوزيع تحت مظلة أكثر انسجاماً، بما يساعد على التخطيط الاستثماري وإدارة الأصول والشراكات.
وفي المياه، قد يساعد وجود مؤسسة مركزية وشركات محافظة على رفع القدرة على التخطيط، وإدارة المشاريع، والتنسيق مع المانحين، وتحسين الرقابة على الأداء والخدمة.
وفي التعدين، قد يسهم الفصل بين الدور البحثي/التنظيمي والدور الاستثماري/التجاري في جعل القطاع أوضح من حيث توزيع الوظائف، وهو أمر مهم في القطاعات التي تجمع بين التنظيم واستثمار الموارد.
لكن أين تكمن المخاطر أو نقاط الحذر؟
أي إعادة هيكلة بهذا الحجم تفتح في المقابل أسئلة حساسة لا ينبغي تجاهلها.
1) الخطر الأول: تغيير الشكل دون تغيير الأداء
من الممكن دائماً أن تتحول إعادة الهيكلة إلى مجرد تبديل أسماء ومجالس وإجراءات إذا لم تتبعها أدوات تنفيذ حقيقية. لذلك، فإن معيار النجاح ليس صدور المرسوم نفسه، بل ما إذا كانت الخدمة والكفاءة والقرارات التعاقدية والرقابية ستتحسن فعلاً. هذه نقطة استنتاجية، لكنها مستمدة من كون تفاصيل التشغيل الأساسية ما زالت مرتبطة بأنظمة وقرارات لاحقة نصت عليها المراسيم نفسها.
2) الخطر الثاني: ملف الأصول والعقود
عندما تُنقل حقوق والتزامات وعقود وأصول واسعة إلى كيانات جديدة، تصبح الشفافية في التقييم، والتسجيل، والمتابعة، والعقود المستقبلية عاملاً حاسماً. وكلما كانت هذه العمليات أوضح، زادت ثقة المتعاملين. وكلما بقيت ضبابية، تحولت إعادة الهيكلة إلى مصدر أسئلة بدل أن تكون مصدر ثقة.
3) الخطر الثالث: أثر الكلفة على الأعمال
في مرسوم المياه تحديداً، وجود بند يتعلق باقتراح التعرفة المالية وخطط الجباية يعني أن ملف الاستدامة المالية قد يصبح أكثر حضوراً في إدارة القطاع. وهذا قد يكون إيجابياً من زاوية الانضباط المالي، لكنه يعني أيضاً أن الشركات والمستهلكين الكبار قد يحتاجون إلى متابعة أي تغيّرات مستقبلية في الرسوم أو آليات التحصيل.
ما الذي ينبغي أن يراقبه المستثمر ورجل الأعمال الآن؟
بدل قراءة هذه المراسيم كحدث سياسي أو إداري فقط، من الأجدى متابعتها عبر أسئلة عملية:
هل ستصدر الأنظمة الأساسية سريعاً وبوضوح؟
هل ستُعلن معايير حوكمة وتدقيق وتقارير أداء يمكن الوثوق بها؟
هل ستظهر عقود وشراكات جديدة في الكهرباء أو التعدين؟
هل سيُترجم ملف المياه إلى تحسين في الخدمة أم إلى إعادة ضبط مالي فقط؟
وهل ستنتج هذه الهيكلة جهات أكثر قدرة على اتخاذ القرار والتفاوض والتنفيذ؟
هذه الأسئلة أهم من عنوان المرسوم نفسه، لأنها هي التي تحدد ما إذا كانت الخطوة إصلاحاً مؤسسياً فعلياً أم مجرد إعادة ترتيب إداري. والاستنتاج هنا تحليلي، لكنه منسجم مع طبيعة النصوص التي تربط الهيكلة بالاستثمار والحوكمة وتقييم الأصول وبقرارات لاحقة لم تصدر بعد.
الخلاصة
المراسيم الثلاثة ترسل إشارة واضحة إلى أن قطاعات المياه والكهرباء والتعدين تدخل مرحلة إعادة تنظيم مؤسسي قد تكون تمهيداً لمرحلة أوسع من الحوكمة والشراكات والاستثمار وإعادة ترتيب الأصول. وهذه إشارة مهمة لرجال الأعمال والمستثمرين، لأن ما يجري في هذه القطاعات ينعكس في النهاية على كلفة التشغيل، واستقرار الخدمات، وفرص التعاقد، وإشارات الجاهزية الاستثمارية في السوق السوري. لكن الأثر الحقيقي لن يتحدد بالنصوص وحدها، بل بمدى سرعة التنفيذ ووضوحه، وبنوعية القرارات اللاحقة التي ستبني على هذه المراسيم أو تفرغها من مضمونها.