الاقتصاد السوري بين 2010 و2026: ماذا تكشف أرقام الناتج المحلي والموازنة في كلمة الرئيس أحمد الشرع؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
في كلمته بمناسبة عيد الفطر من قصر الشعب، قدم رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع مجموعة من الأرقام والمؤشرات التي ترسم ملامح رواية اقتصادية جديدة حول وضع سوريا المالي والإنتاجي، انطلاقًا من مقارنة بين ما كانت عليه البلاد قبل الحرب، وما وصلت إليه في عام 2024، ثم ما تحقق أو أُعلن عنه في عامي 2025 و2026.
أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجمها، بل في ما تعكسه من تصور رسمي لمسار الاقتصاد السوري خلال المرحلة الحالية: من اقتصاد منهك منخفض الإنفاق والقدرة الإنتاجية، إلى اقتصاد يُراد له أن يستعيد جزءًا كبيرًا من حجمه السابق خلال فترة قصيرة، بالتوازي مع توسع كبير في الإنفاق العام، ورفع مخصصات الخدمات، وتوجيه أموال مباشرة للبنية التحتية.
من اقتصاد بحجم 60 مليار دولار إلى هبوط حاد قبل 2024
بحسب ما ورد في الكلمة، كان الناتج المحلي السوري في عام 2010 يقارب 60 مليار دولار، وهو مستوى يعكس حجم اقتصاد كان يعمل ضمن دورة إنتاج واستهلاك وإنفاق عام أكبر بكثير مما عرفته البلاد لاحقًا.
في المقابل، أشار الشرع إلى أن الناتج المحلي تراجع في عام 2024 إلى نحو 20 مليار دولار فقط، وهو ما يعني، وفق المقارنة نفسها، أن الاقتصاد السوري فقد نحو ثلثي حجمه تقريبًا قياسًا بعام 2010.
هذا التراجع لا يعكس فقط أثر الحرب الطويلة، بل يعبر أيضًا عن تآكل القاعدة الإنتاجية، وتراجع القدرة الشرائية، وانكماش الإنفاق العام، وتعطل أجزاء واسعة من الجغرافيا الاقتصادية السورية، سواء من حيث السكان أو الموارد أو البنية التحتية أو سلاسل الإمداد.
موازنة 2024: دولة بإنفاق محدود واقتصاد منخفض الحركة
من أكثر النقاط دلالة في الكلمة الإشارة إلى أن الإنفاق الحكومي في عام 2024 بلغ نحو 2 مليار دولار فقط.
هذا الرقم مهم لأنه لا يعبّر عن مجرد بند مالي، بل عن مستوى القدرة التشغيلية للدولة نفسها. فعندما تكون موازنة بلد بحجم سوريا عند هذا المستوى، فإن ذلك يعني أن قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية، والصيانة، والاستثمار العام، وتحريك الطلب الداخلي، تبقى محدودة للغاية.
بمعنى آخر، لم تكن المشكلة في 2024 مجرد تراجع في الناتج المحلي، بل أيضًا في ضيق الحيز المالي للدولة، وهو ما يفسر هشاشة الخدمات العامة، وضعف القدرة على التدخل الاقتصادي، وبطء أي مسار جدي لإعادة الإعمار أو إعادة تنشيط الداخل.
2025: بداية نمو سريع وعودة الفائض المحدود
وفق الأرقام المعلنة في الكلمة، حقق الاقتصاد السوري في عام 2025 نموًا تراوح بين 30% و35%، ليرتفع الناتج المحلي إلى حدود 32 أو 33 مليار دولار، في حين وصل الإنفاق العام إلى 3.5 مليار دولار.
إذا صحت هذه الأرقام على مستوى القياس والتنفيذ، فهذا يعني أن عام 2025 مثل نقطة انتقال واضحة مقارنة بعام 2024، ليس فقط بسبب ارتفاع الناتج المحلي، بل أيضًا لأن الشرع أشار إلى تحقق فائض محدود في الموازنة، ولو بنسبة صغيرة.
اقتصاديًا، تحمل هذه الإشارة أكثر من دلالة. أولًا، هناك محاولة لإظهار أن التحسن لم يكن قائمًا على التوسع غير المنضبط في الإنفاق فقط، بل على نمو في الإيرادات أيضًا. ثانيًا، وجود فائض، حتى لو كان محدودًا، يمنح الدولة هامشًا سياسيًا وماليًا لتبرير الانتقال إلى موازنة أكبر في العام التالي. وثالثًا، فإن الانتقال من اقتصاد حجمه 20 مليار دولار إلى أكثر من 32 مليارًا خلال فترة قصيرة يعني أن السلطة ترى أن جزءًا من التعافي بات قائمًا بالفعل، أو على الأقل أن المؤشرات المتاحة لديها تدفعها إلى اعتماد هذا المسار علنًا.
موازنة 2026: قفزة كبيرة في الإنفاق العام
النقطة المركزية في الخطاب كانت إعلان إقرار موازنة عام 2026 عند 10.5 مليار دولار.
هذه القفزة كبيرة بكل المقاييس إذا ما قورنت بمستوى الإنفاق السابق. فهي تعني أن الموازنة الجديدة تعادل نحو ثلاثة أضعاف موازنة 2025 البالغة 3.5 مليار دولار، ونحو خمسة أضعاف موازنة 2024 البالغة 2 مليار دولار.
نسبة النمو بين 2025 و2026 في حجم الموازنة تقارب 200%، أي أن الإنفاق العام المعلن للعام الجديد يزيد بنحو 7 مليارات دولار عن العام السابق. أما بالمقارنة مع 2024، فالزيادة تبلغ 8.5 مليارات دولار، أي نحو 425%.
هذه ليست زيادة تقنية أو اعتيادية في باب الموازنة، بل تحوّل كبير في حجم الدولة المالي كما يظهر في الأرقام المعلنة. وهذا يوحي بأن الحكومة تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة الانكماش إلى مرحلة توسيع الإنفاق العام بوصفه أداة لتحريك الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتمويل أعمال إعادة التأهيل والبناء.
هل تعني موازنة 2026 أن الدولة عادت فعلاً إلى حجم مالي جديد؟
من المهم هنا الانتباه إلى نقطة أساسية: الموازنة المعلنة تعكس حجم الإنفاق المعتمد رسميًا، لكنها لا تعني تلقائيًا أن كامل هذا الإنفاق قد نُفذ فعليًا، أو أن جميع نتائجه ستظهر خلال الفترة نفسها.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في القراءة الاقتصادية السورية، لأن التمييز بين القرار والنية والتنفيذ الفعلي ضرورة مهنية عند تناول البيانات الرسمية، خاصة في البيئات التي تمر بتحولات واسعة وسريعة. وهذا ينسجم مع مرجعية المشروع التحريرية التي تؤكد ضرورة الفصل بين الإعلان والواقع التنفيذي وعدم تحويل التوجهات الرسمية إلى حقائق مكتملة قبل تحققها على الأرض.
مع ذلك، حتى بوصفها رقمًا معتمدًا ومعلنًا، فإن موازنة 2026 تحمل دلالة واضحة: هناك قرار سياسي ومالي بتوسيع دور الدولة في الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة، وبشكل أكثر جرأة من السنوات السابقة.
العودة إلى مستوى 2010: هل يتحقق ذلك في 2026؟
أشار الشرع إلى توقع رسمي بأن يصل الناتج المحلي السوري في عام 2026 إلى ما بين 50 و60 مليار دولار، بما يعني اقتراب الاقتصاد من استعادة مستواه المسجل في عام 2010.
إذا أخذنا هذا التقدير كما ورد، فهذا يعني أن الاقتصاد السوري قد ينتقل من حدود 32 إلى 33 مليار دولار في 2025 إلى ما بين 50 و60 مليار دولار في 2026. أي أن الزيادة المتوقعة تتراوح بين نحو 17 و28 مليار دولار خلال عام واحد.
بحساب النسب التقريبية، فإن الانتقال من 33 مليار دولار إلى 50 مليارًا يعني نموًا يقارب 52%، بينما الوصول إلى 60 مليار دولار يعني نموًا قد يقترب من 82%.
هذه التوقعات مرتفعة جدًا، وهي تعكس سقفًا رسميًا عاليًا للتعافي الاقتصادي خلال سنة واحدة. ومن الناحية التحليلية، فإن تحقق هذا المسار يتطلب توافر مجموعة عوامل متزامنة، من بينها تحسن الاستقرار الداخلي، واتساع الجغرافيا الاقتصادية الفاعلة، وعودة جزء من الموارد، وقدرة الإنفاق العام على توليد أثر مضاعف في الخدمات والبنية التحتية والنشاط الإنتاجي.
ما الذي يدعم هذا التفاؤل الرسمي؟
الخطاب لم يربط الأرقام فقط بالمحاسبة المالية، بل قدم عناصر تفسيرية للارتفاع المتوقع، من أهمها:
أولًا، استعادة مناطق ذات وزن اقتصادي مهم، وخاصة المناطق التي تمثل مصدرًا للطاقة والغذاء والمياه، وما يعنيه ذلك من إعادة دمج عناصر أساسية في الدورة الاقتصادية السورية.
ثانيًا، تخصيص 40% من موازنة 2026 للخدمات، وهو ما يعني أن جانبًا كبيرًا من التوسع المالي سيتجه إلى الصحة والتعليم والبنية الخدمية، بما قد يسهم في تخفيف بعض الاختناقات الداخلية وتحسين البيئة المعيشية والإنتاجية معًا.
ثالثًا، رصد نحو 3 مليارات دولار لصندوق دعم البنية التحتية خلال السنة، بتمويل حكومي مباشر وليس عبر قروض أو مساعدات، وفق ما جاء في الكلمة. هذه النقطة بالذات مهمة لأنها تعني أن الدولة تريد تقديم نفسها كجهة تمويلية مباشرة لمرحلة إعادة التأهيل، وليس فقط كجهة تنسيق أو استقبال للدعم الخارجي.
لماذا تهم هذه الأرقام المتابع للاقتصاد السوري؟
المتابع الاقتصادي لا يقرأ هذه المؤشرات باعتبارها أرقامًا مجردة، بل باعتبارها إشارات إلى اتجاه السياسة الاقتصادية في المرحلة المقبلة.
أول ما يظهر من الخطاب هو أن الدولة تريد رفع مستوى حضورها المالي داخل الاقتصاد، عبر موازنة أكبر، وتخصيص أعلى للخدمات، وإنفاق رأسمالي أو شبه رأسمالي على البنية التحتية.
ثانيًا، تشير الأرقام إلى أن الرهان الرسمي لا يقوم فقط على الاستقرار السياسي، بل على استخدام الإنفاق العام كوسيلة لإعادة تدوير الاقتصاد الداخلي، وخلق طلب، وتحسين بيئة العودة والإقامة والخدمة في عدد من المحافظات.
ثالثًا، تكشف المقارنة بين 2010 و2024 و2026 أن السلطة تحاول بناء سردية اقتصادية واضحة: الانهيار كان عميقًا، لكن التعافي بدأ، والهدف لم يعد مجرد تحسين جزئي، بل استعادة مستوى قريب من الحجم الاقتصادي السابق لسوريا.
بين الطموح والاختبار التنفيذي
رغم أهمية الأرقام المعلنة، فإن الاختبار الحقيقي لهذا المسار سيبقى في التنفيذ. فالسؤال الأهم ليس فقط كم بلغت الموازنة، بل كم سينفق منها فعليًا، وأين سيذهب الإنفاق، وما أثره على الخدمات والنشاط الاقتصادي والقدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.
كما أن الوصول إلى ناتج محلي بين 50 و60 مليار دولار بنهاية 2026 سيكون، إذا تحقق، تطورًا استثنائيًا في السياق السوري. أما إذا بقي في إطار التقدير المستهدف، فستظل قيمة هذه الأرقام قائمة بوصفها مؤشرات على اتجاه رسمي جديد، لكنها تحتاج إلى متابعة دقيقة عبر التنفيذ الفعلي، والبيانات اللاحقة، وأثرها الملموس في السوق.
خلاصة
تكشف الأرقام التي عرضها الرئيس أحمد الشرع عن محاولة رسم مرحلة اقتصادية جديدة في سوريا تقوم على ثلاث ركائز مترابطة: رفع حجم الاقتصاد، توسيع الموازنة العامة، وتوجيه جزء كبير من الإنفاق نحو الخدمات والبنية التحتية.
وبين اقتصاد قُدّر بنحو 60 مليار دولار في 2010، ثم تراجع إلى نحو 20 مليارًا في 2024، قبل أن يرتفع إلى حدود 32-33 مليارًا في 2025، وتستهدف الدولة رفعه إلى 50-60 مليارًا في 2026، تبدو سوريا أمام خطاب اقتصادي جديد عالي السقف.
لكن القيمة الفعلية لهذا التحول ستتحدد بقدر ما تتحول هذه الأرقام من إعلان رسمي إلى نتائج تنفيذية قابلة للقياس في الاقتصاد الحقيقي، وفي حياة السوق، وفي قدرة الدولة على تثبيت مسار التعافي بصورة مستدامة.


