من الدخل المنزلي إلى المشروع المنظم: كيف تبدأ النساء في سوريا أنشطةً اقتصاديَّةً قابلةً للنمو؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ مارس 2026
في الاقتصاد السوري الحالي، لا تبدأ كثيرٌ من المبادرات النسائيَّة من شركةٍ ناشئةٍ أو من رأس مالٍ واضحٍ أو من بيئةٍ جاهزةٍ للنمو. بل تبدأ غالبًا من شيءٍ أقرب إلى الحياة اليوميَّة:
مهارةٍ منزليَّةٍ، أو حاجةٍ داخل الأسرة، أو موردٍ بسيطٍ متاحٍ، أو فجوةٍ صغيرةٍ في السوق المحلي.
وهذا ليس تفصيلًا ثانويًّا. بل هو جزءٌ من منطق الاقتصاد نفسه تحت الضغط. فحين تكون فرص العمل الرسمي أقل، وتكون الموارد محدودةً، وتبقى مشاركة النساء في سوق العمل منخفضةً، يصبح النشاط المنزلي أو المحلي أحد أكثر المداخل واقعيَّةً لبدء مشروعٍ صغيرٍ أو نشاطٍ مولّدٍ للدخل. وتشير أحدث البيانات المتاحة إلى أن مشاركة النساء في القوى العاملة في سوريا بلغت 13.34% في 2024، في حين تؤكد UNDP أن النساء يعتمدن على التدريب، والتمويل، وأنشطة الدخل، والوصول إلى الموارد بوصفها أدواتٍ للتعافي الاقتصادي.
من أين تبدأ هذه الأنشطة عادةً؟
في كثيرٍ من الحالات، تبدأ المرأة من واحدٍ من هذه المداخل:
- إعداد الأغذية أو الخَبز
- الحِرف اليدويَّة أو التطريز أو الخياطة
- تربية الدواجن أو المواشي على نطاقٍ صغيرٍ
- خدمةٍ تعليميةٍ أو منزليةٍ مرتبطةٍ بالمجتمع المحلي
- منتجٍ غذائيٍّ أو صحيٍّ أو حرفيٍّ يستجيب لحاجةٍ قريبةٍ
قصص UNDP الحديثة في سوريا تعكس هذا النمط بوضوح. فـطرفة في دير الزور اختارت الخَبز بوصفه مهارةً مناسبةً لها ضمن مشروع تمكينٍ معيشـيٍّ، وخديجة بنت نشاطًا صغيرًا في الدواجن بعد حصولها على تدريبٍ ومعداتٍ أوليَّةٍ، بينما بنت أمَنة مشروعًا غذائيًّا متخصصًا انطلاقًا من حاجةٍ صحيَّةٍ واقعيَّةٍ داخل أسرتها، مع تدريبٍ على حساب التكاليف والتسويق ودعمٍ أوليٍّ للمعدات.
لماذا تبدو هذه البداية “منزليَّةً” أو “محليَّةً”؟
لأنها غالبًا تراعي أربعة عناصرَ واقعيَّةٍ:
- انخفاض كلفة البداية
- الاعتماد على مهارةٍ موجودةٍ أصلًا أو قابلةٍ للتعلُّم بسرعةٍ
- إمكان البدء من المنزل أو من نطاقٍ قريبٍ
- وضوح الطلب المحلي أو المجتمعي
وهذه العناصر تجعل النشاط أكثر قابليةً للانطلاق في بيئةٍ اقتصاديَّةٍ غير مستقرةٍ، حتى لو لم يكن في بدايته مشروعًا “كبيرًا” أو “رياديًّا” بالمعنى المتداول.
متى يتحول النشاط الصغير إلى مشروعٍ فعليٍّ؟
ليس كل نشاطٍ منزليٍّ مشروعًا، لكن بعض الأنشطة يمكن أن تنتقل من مستوى دخلٍ متقطعٍ إلى مستوى مشروعٍ أكثر تنظيمًا عندما تظهر فيها عناصر مثل:
- زبائن متكررون
- قدرة على التسعير وحساب الكلفة
- انتظام في الإنتاج أو الخدمة
- تحسن في الجودة أو العرض
- توسع بسيط في السوق أو في عدد الطلبات
- الحاجة إلى أدواتٍ أو تنظيمٍ أو متابعةٍ
ومن هنا تظهر أهمية التدريب العملي، والدعم الأولي، والإرشاد، لا بوصفها إضافاتٍ تجميليةً، بل بوصفها أدواتٍ تساعد على الانتقال من الجهد الفردي إلى شكلٍ أوضحَ من النشاط الاقتصادي.
ما الذي يمنع هذا التحول أحيانًا؟
هناك عوائق متكررةٌ في السياق السوري، منها:
- ضعف الوصول إلى السوق
- صعوبة التسعير تحت ضغط الكلفة
- غياب التنظيم المالي الأولي
- نقص الأدوات أو الطاقة أو المواد
- بقاء النشاط مرهونًا بشخصٍ واحدٍ فقط
- عدم الانتقال من “الإنتاج” إلى “البيع المنتظم”
ولهذا لا تكفي المهارة وحدها. فالمشروع لا ينمو لأن صاحبته تتقن العمل فقط، بل لأن هناك خطوةً إضافيَّةً في التنظيم والوصول والاستمرار.
ما الدرس الاقتصادي هنا؟
الدرس المهم ليس أن “النساء يبدأن من المنزل”، بل أن المدخل المنزلي أو المحلي قد يكون نقطةَ انطلاقٍ واقعيَّةٍ نحو مشروعٍ منظمٍ إذا توافرت الشروط التالية:
- مهارةٌ قابلةٌ للبيع
- سوقٌ قريبٌ أو واضحٌ
- قدرةٌ على حساب الكلفة والسعر
- أداةٌ أو دعمٌ يحسّن الإنتاج
- متابعةٌ تساعد على الثبات والاستمرار
الخلاصة
كثيرٌ من المشاريع النسائيَّة في سوريا لا تبدأ من نموذجٍ مكتملٍ، بل من نشاطٍ صغيرٍ محليٍّ أو منزليٍّ مرتبطٍ بحاجةٍ مباشرةٍ أو مهارةٍ متاحةٍ. لكن هذا لا يقلل من قيمتها الاقتصاديَّة، بل يفسر منطقها الواقعي.
فالتحول الحقيقي لا يكمن في البداية وحدها، بل في القدرة على نقل النشاط من جهدٍ محدودٍ إلى مشروعٍ أكثر تنظيمًا، وأكثر وضوحًا في السوق، وأكثر قدرةً على الاستمرار.
المزيد من المقالات
راسلنا / اشترك بنشرتنا الإقتصادية