من طاقة الصناعة والتجارة والزراعة في الخمسينيات إلى ذاكرة الإنتاج لدى السوريين: كيف نعيد تشغيل عجلة الاقتصاد؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
عندما يُقال إن سوريا في الخمسينيات كانت تمتلك طاقة صناعية وتجارية وزراعية، فالمقصود ليس أنها كانت اقتصاداً متقدماً مكتمل البنية، ولا أنها كانت خالية من الفقر أو ضعف الخدمات أو الاختلالات الاجتماعية. المقصود أنها كانت تملك دورة اقتصادية قابلة للنمو: أرضاً تنتج، تجارة تتحرك، مدناً صناعية تتوسع، ورأسمالاً خاصاً قادراً على المبادرة.
أما سوريا اليوم، فهي لا تقف في نقطة الصفر، لكنها لا تملك الطاقة نفسها بصورة جاهزة. ما تملكه هو ذاكرة إنتاجية موزعة بين السوريين: ذاكرة مصنع، وذاكرة ورشة، وذاكرة أرض، وذاكرة سوق، وذاكرة تصدير، وذاكرة شبكات تجارية امتدت داخل البلاد وخارجها.
الفرق بين المرحلتين جوهري. في الخمسينيات، كانت المشكلة كيف تُدار طاقة صاعدة. اليوم، السؤال هو كيف تُعاد الحياة إلى ذاكرة إنتاجية تعطلت، وتفرقت، وتحتاج إلى شروط جديدة كي تتحول مرة أخرى إلى اقتصاد عامل.
سوريا في الخمسينيات: طاقة نمو لم تكتمل
بعد الاستقلال، لم تكن سوريا دولة صناعية كبرى، لكنها كانت تملك عناصر أولية مهمة للنمو. الزراعة كانت أحد أعمدة الاقتصاد، والتجارة كانت نشطة، والقطاع الخاص لعب دوراً بارزاً في الاستثمار الزراعي والصناعي، خاصة في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة. وتشير دراسات تاريخية عن الاقتصاد السوري إلى أن التوسع الاقتصادي في تلك المرحلة اعتمد بدرجة كبيرة على استثمارات القطاع الخاص في الزراعة والصناعة، رغم أن فوائد النمو لم تكن موزعة بالتساوي على المجتمع.
كانت الصناعة السورية في طور التشكل، لا في طور الاكتمال. ومع ذلك، شهد القطاع الصناعي توسعاً ملحوظاً في النصف الأول من الخمسينيات، إذ تشير دراسة منشورة عن التحول الاقتصادي في سوريا إلى نمو دخل القطاع الصناعي بمعدل يقارب 12% سنوياً خلال الفترة 1950–1956.
هذا يعني أن سوريا لم تكن تملك اقتصاداً مثالياً، لكنها كانت تملك شيئاً شديد الأهمية: إمكانية التراكم. أي أن الزراعة كانت تغذي التجارة، والتجارة تموّل جزءاً من الصناعة، والصناعة تبدأ ببناء خبرة محلية، والمدن تتحول تدريجياً إلى مراكز إنتاج وتبادل.
ماذا نعني بـ “طاقة الصناعة والتجارة والزراعة”؟
الطاقة الاقتصادية ليست مجرد وجود مصانع أو أراضٍ أو أسواق. الطاقة تعني أن العناصر الأساسية تعمل معاً:
- المزارع يستطيع أن يزرع ويبيع.
- التاجر يستطيع أن يشتري وينقل ويموّل.
- الصناعي يستطيع أن ينتج ويشغّل عمالاً ويبيع في السوق.
- المدن والأسواق تستوعب الحركة.
- القوانين لا تخنق المبادرة بالكامل.
- رأس المال المحلي يجد سبباً للبقاء والعمل.
في الخمسينيات، كانت هذه العناصر موجودة بدرجات متفاوتة. لم تكن كاملة، لكنها كانت تتحرك. لذلك يمكن القول إن سوريا حينها كانت تمتلك طاقة تشغيل أولية، وكان أمامها مسار محتمل لتطوير الزراعة، بناء الصناعة، وتوسيع التجارة.
لكن هذه الطاقة كانت تحتاج إلى استقرار سياسي ومؤسسي، وإلى سياسات تنموية متوازنة، وإلى حماية للمبادرة الخاصة مع ضبط عادل للسوق. عدم تحقق ذلك بالشكل الكافي جعل مسار النمو عرضة للانقطاع والتحولات الحادة.
سوريا اليوم: من الطاقة إلى الذاكرة
اليوم، لا يمكن القول إن سوريا تمتلك طاقة تشغيل جاهزة كما كانت تمتلكها في بدايات الاستقلال. فالطاقة الكهربائية متضررة، البنية التحتية تحتاج إلى إعادة بناء واسعة، التمويل محدود، الأسواق الداخلية ضعيفة القدرة الشرائية، والكثير من سلاسل الإنتاج والتوريد تعرضت للانقطاع.
لكن في المقابل، لا تبدأ سوريا من فراغ. السوريون لا يحتاجون إلى تعلم التجارة من الصفر، ولا الصناعة من الصفر، ولا الزراعة من الصفر. توجد ذاكرة عملية عميقة:
- حلب تعرف الصناعة والنسيج والتجارة.
- دمشق تعرف التجارة والخدمات والصناعات الخفيفة.
- حمص وحماة تعرفان الصناعة والزراعة والتحويل الغذائي.
- الجزيرة تعرف القمح والقطن والثروة الزراعية.
- الساحل يعرف الزراعة والتجارة البحرية والخدمات المرتبطة بها.
- السوريون في الخارج يعرفون الأسواق، النقل، التمويل، والتصدير.
هذه الذاكرة هي أصل اقتصادي مهم، لكنها ليست كافية وحدها. الذاكرة لا تشغل مصنعاً بلا كهرباء. ولا تعيد التصدير بلا تمويل. ولا تجذب المستثمر بلا قانون واضح. ولا تعيد الزراعة بلا مياه ومدخلات وتسويق.
لماذا الذاكرة الإنتاجية مهمة؟
لأن الدول التي تملك ذاكرة إنتاجية لا تحتاج إلى بناء الإنسان الاقتصادي من البداية. تحتاج إلى إعادة توصيل ما انقطع.
العامل الذي كان يعمل في معمل نسيج يستطيع العودة إلى الإنتاج إذا توفرت المعدات والطاقة والأجر المناسب. التاجر الذي كان يصدّر يعرف الأسواق إن وُجدت قنوات دفع وشحن وتسهيلات. المزارع يعرف الأرض، لكنه يحتاج إلى بذار ووقود وتمويل وتسويق. الصناعي يعرف خط الإنتاج، لكنه يحتاج إلى حماية من الفوضى، ووضوح جمركي وضريبي، وقدرة على الاستيراد والتصدير.
لهذا، فإن الذاكرة الإنتاجية السورية ليست مجرد حنين. إنها قاعدة يمكن البناء عليها، بشرط ألا تُعامل كبديل عن الإصلاح. الذاكرة تعطي نقطة انطلاق، لكنها لا تعطي النتيجة.
حجم الفجوة اليوم
الفجوة بين الذاكرة والقدرة التشغيلية كبيرة. تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار المادية في سوريا تصل إلى نحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024. كما يشير البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي تراجع من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024.
هذا الرقم لا يعني فقط أن المباني مدمرة. يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة في البنية التحتية، الطاقة، السكن، المنشآت غير السكنية، والخدمات التي تسمح للقطاع الخاص بالعمل. فالمصنع لا يعمل بمعزل عن الكهرباء والطرق والتمويل والجمارك والقانون والطلب المحلي والخارجي.
لذلك، فإن إعادة تشغيل الاقتصاد السوري لا يمكن اختصارها بشعار “عودة الصناعة” أو “تشجيع الاستثمار”. المطلوب هو إعادة بناء شروط العمل نفسها.
الطاقة الكهربائية: الشرط الأول لعودة الإنتاج
إذا أردنا إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، فإن الكهرباء ليست ملفاً خدمياً فقط، بل ملف إنتاج وطني. لا يمكن لمعمل أن يعمل، ولا لبراد زراعي أن يحفظ، ولا لمخبز أن ينتج بكفاءة، ولا لمركز بيانات أو خدمة رقمية أن تستقر من دون طاقة موثوقة.
في حزيران/يونيو 2025، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لمساعدة سوريا على تحسين إمدادات الكهرباء ودعم تعافي القطاع، وهو مؤشر واضح إلى أن الطاقة تُعامل دولياً بوصفها مدخلاً أساسياً للتعافي الاقتصادي لا مجرد خدمة عامة.
من هنا، فإن أي خطة جدية لإعادة تشغيل الصناعة والزراعة والتجارة يجب أن تبدأ من سؤال الطاقة: أين تتوفر؟ كم تكلف؟ هل يمكن الاعتماد عليها؟ وما القطاعات التي يجب أن تحصل على أولوية تشغيلية؟
كيف تتحول الذاكرة إلى طاقة جديدة؟
الذاكرة الإنتاجية تتحول إلى طاقة اقتصادية عندما تتوفر خمسة شروط رئيسية:
1. الاستقرار
رأس المال لا يحب الغموض. المستثمر لا يضع أمواله في مشروع متوسط أو طويل الأجل إذا كان لا يعرف مصير القانون، الأرض، الترخيص، الضرائب، الجمارك، أو القدرة على تحويل الأرباح. لذلك، فإن الاستقرار ليس مطلباً سياسياً عاماً فقط، بل شرط اقتصادي مباشر.
2. التمويل
سوريا تحتاج إلى تمويل إنتاجي لا استهلاكي فقط. أي تمويل يذهب إلى إعادة تشغيل الورش، شراء المعدات، تمويل رأس المال العامل، دعم الزراعة، بناء سلاسل التوريد، وتوسيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. من دون أدوات تمويل مرنة، تبقى الذاكرة مجرد خبرة غير قادرة على الحركة.
3. الطاقة والبنية التحتية
الكهرباء، الطرق، الاتصالات، المرافئ، المعابر، والمناطق الصناعية ليست تفاصيل. هي البنية التي تسمح للمنتج أن يتحول إلى سلعة، وللسلعة أن تصل إلى السوق، وللسوق أن يتحول إلى دخل وفرص عمل.
4. قانون واضح وقابل للتطبيق
لا يكفي أن تصدر قوانين مشجعة. المهم أن تكون الإجراءات واضحة وسريعة وقابلة للتنفيذ. المستثمر يحتاج إلى معرفة: كيف يؤسس؟ كم يدفع؟ من يراجع؟ كم يستغرق الترخيص؟ ما حقوقه؟ وما التزاماته؟
5. أسواق قابلة للوصول
الإنتاج بلا سوق يتحول إلى مخزون. لذلك تحتاج سوريا إلى إعادة بناء قنوات السوق الداخلي، وربطها بأسواق خارجية، خاصة عبر السوريين في الخارج، والعلاقات التجارية الإقليمية، والمناطق القادرة على استيعاب منتجات زراعية وصناعية سورية.
ما القطاعات الأقرب إلى إعادة التشغيل؟
ليست كل القطاعات قابلة للانطلاق بالسرعة نفسها. الأولوية يجب أن تكون للقطاعات التي تجمع بين الذاكرة والخبرة والسوق:
الزراعة والصناعات الغذائية
هذا المسار هو الأقرب إلى حياة السوريين اليومية. القمح، الخضار، الفواكه، الزيتون، الألبان، والصناعات الغذائية يمكن أن تشكل قاعدة تشغيل واسعة، خاصة إذا ارتبطت بالتخزين والتبريد والتعبئة والتصنيع.
النسيج والألبسة
هذا القطاع يحمل ذاكرة سورية قوية، خصوصاً في حلب ودمشق. عودته تحتاج إلى كهرباء، تمويل، آلات، عمالة ماهرة، وأسواق تصريف. ميزته أنه قادر على خلق فرص عمل واسعة إذا توفرت شروط التشغيل.
مواد البناء
مع أي مسار إعادة إعمار، ترتفع الحاجة إلى الإسمنت، الحديد، الحجر، البلاط، الألمنيوم، الأخشاب، والمواد المرتبطة بالبناء. لكن هذا القطاع يحتاج إلى ضبط جودة وأسعار وطاقة، حتى لا يتحول إلى عبء تضخمي على إعادة الإعمار.
الصناعات الدوائية والمستلزمات الصحية
سوريا امتلكت خبرة مهمة في هذا المجال. عودة هذا القطاع تخدم السوق المحلي أولاً، ويمكن أن تخفف فاتورة الاستيراد وتفتح فرصاً لاحقة للتصدير، بشرط الالتزام بالجودة والرقابة.
التجارة والخدمات اللوجستية
لا يمكن فصل التجارة عن الصناعة والزراعة. عودة المرافئ والمعابر والمناطق اللوجستية والمستودعات والتخليص الجمركي والتمويل التجاري شرط لعودة الدورة الاقتصادية.
ماذا تحتاج الدولة؟ وماذا يحتاج القطاع الخاص؟
الدولة تحتاج إلى بناء قواعد اللعبة: استقرار، قانون، بنية تحتية، كهرباء، إدارة جمركية وضريبية واضحة، حماية للملكية، وتسهيل للإجراءات.
أما القطاع الخاص فيحتاج إلى الانتقال من انتظار الظروف المثالية إلى بناء مشاريع واقعية قابلة للتشغيل التدريجي. ليس المطلوب مشاريع ضخمة فقط، بل أيضاً مشاريع صغيرة ومتوسطة في الزراعة، التصنيع الغذائي، الخدمات، التصدير، والصناعات الخفيفة.
الاقتصاد السوري لن ينهض بقرار واحد، ولا باستثمار واحد، ولا بمؤتمر واحد. سينهض عندما تتكرر آلاف العمليات الصغيرة: ورشة تعود، مزرعة تنتج، شركة تسجل، شحنة تُصدّر، عامل يتدرب، قرض إنتاجي يُمنح، وطريق تجاري يُفتح.
من الحنين إلى الخطة
الحديث عن الخمسينيات لا يجب أن يكون حنيناً إلى زمن مضى، بل أداة لفهم الفرق بين ما كان ممكناً وما هو مطلوب اليوم.
في الخمسينيات، كانت سوريا تملك طاقة نمو ناشئة، لكنها لم تمتلك دائماً الاستقرار الكافي لحمايتها وتطويرها. اليوم، تمتلك سوريا ذاكرة إنتاجية واسعة، لكنها تحتاج إلى شروط تشغيل جديدة كي تعود هذه الذاكرة إلى الفعل.
الخطر هو أن نكتفي بالقول إن السوريين تجار وصناعيون ومزارعون بالفطرة. هذه عبارة صحيحة جزئياً، لكنها غير كافية اقتصادياً. الخبرة لا تنتج وحدها. تحتاج إلى مؤسسة، تمويل، طاقة، قانون، سوق، وثقة.
الخلاصة
سوريا لا تعود إلى الاقتصاد القوي بمجرد استذكار ما كانت عليه. ولا تبدأ من الصفر كما لو أنها لا تملك تاريخاً إنتاجياً. موقعها الحقيقي بين الأمرين: لديها ذاكرة صناعية وتجارية وزراعية، لكنها تحتاج إلى إعادة تحويل هذه الذاكرة إلى طاقة.
إذا توفرت الكهرباء، وبدأ التمويل الإنتاجي، واستقر القانون، وتوضحت الإجراءات، وعادت الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، يمكن لعجلة الاقتصاد أن تبدأ بالدوران. لن يحدث ذلك دفعة واحدة، ولن يكون سهلاً، لكنه ممكن إذا جرى التعامل مع الاقتصاد السوري لا بوصفه ملف إسعاف مؤقت، بل بوصفه مشروع إعادة تشغيل طويل النفس.
الطاقة التي امتلكتها سوريا في الخمسينيات لم تختفِ بالكامل. جزء منها بقي في الذاكرة، في المهارة، في المدن، في الأسواق، وفي السوريين أنفسهم. والمهمة اليوم هي أن تتحول هذه الذاكرة مرة أخرى إلى إنتاج، وفرص عمل، وتجارة، وصناعة، وزراعة قادرة على حمل اقتصاد سوري جديد.