هل نعيش استقرار لليرة السورية؟ وما العوامل التي قد تحرك سعر الصرف بعد تموز 2026؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
حافظت الليرة السورية خلال الأشهر الممتدة من النصف الثاني لعام 2025 حتى تموز 2026 على قدر من الاستقرار النسبي، مقارنة بالتقلبات الحادة التي شهدتها مباشرة بعد التحرير وفي الأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية. لكن هذا الاستقرار لا يعني ثبات سعر الصرف، ولا استعادة الليرة كامل قوتها الشرائية، ولا انتهاء المخاطر المحيطة بها.
تُظهر الأرقام أن متوسط السعر الرسمي للدولار انخفض من نحو 13,568 ليرة قديمة في 29 كانون الأول 2024 إلى ما يعادل 12,200 ليرة قديمة في 9 تموز 2026، أي إن السعر الرسمي للدولار تراجع بنحو 10.1% خلال هذه الفترة. وفي المقابل، ارتفع السعر الرسمي للدولار خلال عام 2026 نفسه من متوسط 110.5 ليرات جديدة في مطلع كانون الثاني إلى 122 ليرة جديدة في تموز، بزيادة تقارب 10.4%، ما يعني أن الاستقرار لم يكن خطاً مستقيماً، بل تخللته إعادة تسعير تدريجية.
ويعود الاستقرار النسبي إلى مزيج غير متجانس من العوامل: انضباط السياسة النقدية، توقف تمويل الموازنة مباشرة من المصرف المركزي، تراجع التضخم، نقص السيولة بالليرة، عودة سوريين من الخارج، زيادة التحويلات، تحسن التوقعات بعد تخفيف العقوبات، وضعف الطلب المحلي على الواردات نتيجة تراجع القوة الشرائية.
بعض هذه العوامل صحي، مثل الانضباط المالي وتراجع التضخم، بينما يمثل بعضها الآخر استقراراً ناتجاً عن الضعف، مثل انكماش الاستهلاك ونقص السيولة. لذلك يبقى السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الليرة مستقرة اليوم فقط، بل ما إذا كان هذا الاستقرار سينتقل من مرحلة تقوم على الندرة والانضباط والتوقعات إلى مرحلة تستند إلى الإنتاج والصادرات والاستثمار وتدفقات النقد الأجنبي.
من التقلب الحاد إلى النطاق الأضيق
بدأت المرحلة الجديدة لسعر الصرف بتقلبات استثنائية عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024. ففي 14 كانون الأول، نقلت رويترز عن متعاملين في دمشق أسعاراً تراوحت بين 10 آلاف و12,500 ليرة للدولار، مقارنة بنحو 15 ألف ليرة قبل ذلك، مع فروقات واسعة بين الأسعار نتيجة شح السيولة واضطراب السوق وغياب سعر مرجعي واضح.
أما النشرة الرسمية، فقد عكست بدورها مرحلة إعادة تسعير متسارعة. بلغ السعر الرسمي في 19 كانون الأول 2024 نحو 15 ألف ليرة للشراء و15,150 ليرة للبيع، ثم تراجع إلى 13,500 ليرة للشراء و13,635 ليرة للبيع في 29 كانون الأول. وفي شباط 2025 استقر السعر الرسمي حول 13 ألف ليرة للشراء و13,130 ليرة للبيع.
وفي السوق الموازية، ارتفعت قيمة الليرة بصورة أسرع. ففي 13 شباط 2025 بلغ السعر نحو 9,850 ليرة للدولار، بينما بقي السعر الرسمي قريباً من 13 ألف ليرة، وهو ما أوجد فجوة كبيرة بين السعرين وأظهر أن حركة السوق كانت مدفوعة آنذاك بالسيولة والتوقعات أكثر من ارتباطها بتغير موازٍ في المؤشرات الاقتصادية الأساسية.
وجاءت موجة أخرى من الارتفاع في أيار 2025 عقب الإعلان الأميركي عن التوجه إلى رفع العقوبات، فوصلت بعض الأسعار المتداولة بصورة لحظية إلى حدود 7,500 ليرة للدولار، قبل أن تتراجع الليرة مجدداً مع استيعاب السوق أن الأثر الفعلي لتخفيف العقوبات يحتاج إلى ترتيبات مصرفية وقانونية وتنفيذية، ولا يتحول فوراً إلى تدفقات نقدية.
وبحلول آب 2025، كان السعر المتداول قد عاد إلى قرابة 10 آلاف ليرة للدولار، في مؤشر على تراجع الاندفاع النفسي وبدء تشكل نطاق أكثر ارتباطاً بالعرض والطلب الفعليين.
ومع بدء استبدال العملة وحذف صفرين اعتباراً من كانون الثاني 2026، أصبح كل 100 ليرة قديمة يعادل ليرة جديدة واحدة لأغراض التداول والمقارنة. بدأ السعر الرسمي لعام 2026 عند 110 ليرات جديدة للشراء و111 ليرة للبيع، واستمر قريباً من هذا المستوى حتى نيسان، ثم ارتفع إلى 112.5 و113.5 ليرة في أيار وحزيران، قبل أن ينتقل تدريجياً إلى 121.5 ليرة للشراء و122.5 ليرة للبيع في مطلع تموز.
وفي 8 تموز 2026، بلغ السعر في السوق الموازية نحو 13,100 ليرة قديمة للشراء و13,200 ليرة للبيع، أي ما يعادل 131 و132 ليرة جديدة، مقابل متوسط رسمي بلغ 122 ليرة جديدة. وبذلك وصلت الفجوة بين متوسطي السعرين إلى نحو 7.8%، وهي فجوة ما تزال قائمة، لكنها أضيق من الفروقات التي سجلت في بعض مراحل عام 2025.
محطات مختارة لسعر الدولار
| التاريخ | السعر أو النطاق | الدلالة |
|---|
| قبل التحرير وأيامه الأولى | قرابة 15 ألف ليرة في السوق | مستوى سابق أعقبته إعادة تسعير حادة |
| 14 كانون الأول 2024 | بين 10 آلاف و12,500 ليرة في السوق | تقلب واسع مدفوع بالعودة والسيولة والتوقعات |
| 29 كانون الأول 2024 | 13,500–13,635 ليرة رسمياً | بدء تراجع السعر الرسمي للدولار |
| 13 شباط 2025 | نحو 9,850 ليرة في السوق | ارتفاع قوي لليرة مع اتساع الفجوة عن الرسمي |
| أيار 2025 | أسعار لحظية وصلت إلى نحو 7,500 ليرة | استجابة نفسية لإعلان رفع العقوبات |
| آب 2025 | قرابة 10 آلاف ليرة | تراجع الأثر النفسي وعودة التسعير الواقعي |
| مطلع كانون الثاني 2026 | 110–111 ليرة جديدة رسمياً | بداية العمل بالتسعير وفق العملة الجديدة |
| 8–9 تموز 2026 | 121.5–122.5 رسمياً و131–132 في السوق | استقرار نسبي مع فجوة تقارب 8% |
لماذا استقرت الليرة السورية نسبياً؟
1. توقف تمويل الإنفاق الحكومي بطباعة النقود
يُعد هذا العامل أهم تحول نقدي مقارنة بالسنوات السابقة. فقد أفاد صندوق النقد الدولي في شباط 2026 بأن موازنة الحكومة المركزية أنهت عام 2025 بفائض محدود وفق البيانات الأولية، وأن وزارة المالية حصرت الإنفاق ضمن الموارد المتاحة وامتنعت عن تمويل الموازنة من المصرف المركزي.
وأشار الصندوق إلى أن تشدد السياسة النقدية وغياب تمويل العجز من المصرف المركزي ساهما في إبطاء التضخم إلى مستويات منخفضة من خانة العشرات بنهاية 2025، وفي تحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن أحد أبرز أسباب انهيار الليرة خلال سنوات الحرب كان التوسع النقدي غير المدعوم بإنتاج أو احتياطيات. ويقدّر البنك الدولي أن القاعدة النقدية ارتفعت بنحو 105 أضعاف بين عام 2011 وتشرين الثاني 2024، بالتوازي مع انكماش الاقتصاد وتراجع الطلب على العملة المحلية.
بمعنى آخر، توقّف خلق كميات كبيرة من الليرات لتمويل الإنفاق عن إضافة ضغط جديد مشابه لما شهدته البلاد سابقاً، وهو ما منح السوق فرصة لالتقاط التوازن، حتى مع بقاء الاقتصاد ضعيفاً.
2. أزمة السيولة دعمت الليرة بصورة غير مباشرة
من المفارقات أن أحد أسباب قوة الليرة بعد التحرير لم يكن وفرة الموارد، بل ندرة الأوراق النقدية بالعملة المحلية.
أوضح البنك الدولي أن نقص السيولة بالليرة وتراجع دورانها في السوق كانا من العوامل التي ساعدت على ارتفاع قيمتها، إذ احتاج العائدون من الخارج والتجار والأفراد إلى شراء الليرة لتغطية الإنفاق المحلي، في وقت كانت فيه الكميات المتاحة محدودة. وقدّر البنك ارتفاع قيمة الليرة بنحو 30% بين كانون الأول 2024 وشباط 2025، مدفوعة بنقص السيولة وتخفيف القيود على التعامل بالعملات الأجنبية وارتفاع الطلب من العائدين والمغتربين.
لكن هذا العامل لا يمثل قوة اقتصادية مستدامة. نقص السيولة قد يدعم سعر الصرف مؤقتاً، لكنه يعرقل دفع الرواتب، ويسبب صعوبة في السحب والتحويل، ويحد من التجارة والاستهلاك والاستثمار.
لذلك ينبغي التمييز بين عملة مستقرة لأن الاقتصاد منتج ويملك احتياطيات وتدفقات خارجية، وعملة مستقرة جزئياً لأن كمياتها المتاحة قليلة ولأن الطلب الداخلي ضعيف.
3. عودة السوريين والتحويلات من الخارج
شهدت الفترة التالية للتحرير عودة أعداد من السوريين من لبنان والأردن ودول أخرى، إضافة إلى دخول أموال بهدف الإنفاق أو إصلاح العقارات أو تأسيس أنشطة صغيرة أو استكشاف فرص استثمارية.
تؤدي هذه الحركة إلى زيادة عرض الدولار والعملات الأجنبية مقابل الطلب على الليرة لتغطية النفقات المحلية. وقد ربطت رويترز الارتفاع الأول لليرة في كانون الأول 2024 بتدفق العائدين وإنهاء القيود الصارمة على تداول العملات الأجنبية، بينما ربط البنك الدولي التحسن اللاحق بارتفاع التحويلات والطلب على العملة المحلية من العائدين والمغتربين.
غير أن أثر التحويلات يعتمد على القناة المستخدمة. فكلما انتقلت التحويلات من الأسواق غير الرسمية إلى المصارف وشركات الصرافة المرخصة، أصبحت قدرة المصرف المركزي على قياس التدفقات وإدارتها أكبر، وتراجعت مساحة المضاربة وعدم اليقين.
4. رفع العقوبات غيّر التوقعات قبل أن يغير التدفقات
في 23 أيار 2025، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 25، الذي سمح بمجموعة واسعة من المعاملات التي كانت محظورة، وفتح المجال أمام الاستثمار والنشاط الخاص والخدمات المالية وبعض المعاملات المرتبطة بقطاع النفط. كما رفع الاتحاد الأوروبي في 28 أيار 2025 الإجراءات الاقتصادية التقييدية، باستثناء التدابير المرتبطة بأسباب أمنية، وأزال عدداً من المصارف والكيانات السورية، بينها مصرف سورية المركزي، من قوائم تجميد الأموال.
كان الأثر الفوري نفسياً وتوقعياً. فقد بدأ المتعاملون بتسعير احتمال عودة التحويلات والاستثمارات والتجارة والمصارف المراسلة قبل وصول هذه التدفقات فعلياً.
وهذا يفسر الارتفاع القوي والمؤقت لليرة في أيار 2025، ثم تراجعها إلى مستويات أكثر واقعية. فالقرار السياسي بإزالة العقوبات يزيل جزءاً من الحواجز القانونية، لكنه لا يضمن وحده أن تبدأ المصارف الدولية فوراً بتنفيذ التحويلات أو فتح العلاقات، إذ تبقى متطلبات الامتثال وإدارة المخاطر وإعادة تأهيل المصارف السورية عوامل حاسمة.
5. تراجع التضخم أعاد قدراً من الثقة بالعملة
قدّر البنك الدولي التضخم في سوريا بنحو 72.1% خلال عام 2024، قبل أن ينخفض إلى نحو 11.5% في 2025، بالتزامن مع التشدد النقدي وتحسن الظروف الخارجية وتراجع التمويل التضخمي.
يساعد تباطؤ التضخم على استقرار سعر الصرف بطريقتين. الأولى أن احتفاظ الأفراد بالليرة يصبح أقل خسارة مقارنة بالفترات التي كانت الأسعار ترتفع فيها أسبوعياً. والثانية أن التجار يصبحون أقل حاجة إلى إعادة تسعير السلع والدولار بصورة متواصلة لحماية رأس المال.
لكن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ. ولذلك قد يبقى شعور الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة قائماً رغم تحسن معدل التضخم الكلي.
6. ضعف الطلب المحلي خفّض الضغط على الدولار
تعاني السوق السورية من ضعف واسع في القوة الشرائية والسيولة والائتمان. وهذا يحد من الطلب على السلع المستوردة، وبالتالي من الطلب التجاري على الدولار.
يمثل هذا عاملاً داعماً لسعر الصرف، لكنه ليس مؤشراً إيجابياً بمفرده. فالاستقرار الناتج عن عدم قدرة الأسر والشركات على الاستيراد أو الاستهلاك يختلف عن الاستقرار الناتج عن ارتفاع الإنتاج والصادرات والاستثمار.
ومع تحسن النشاط الاقتصادي، قد يرتفع الطلب على الدولار لتمويل استيراد الآلات والمواد الأولية والوقود ومواد البناء. لذلك قد يؤدي التعافي الاقتصادي في مراحله الأولى إلى ضغط على الليرة، قبل أن تبدأ المشاريع الجديدة بتوليد إنتاج أو صادرات أو تدفقات نقدية تعوض هذا الضغط.
7. تقلص الفارق بين السعرين الرسمي والموازي
بدأ مصرف سورية المركزي بتحريك السعر الرسمي تدريجياً باتجاه مستويات أقرب إلى السوق، بدلاً من الحفاظ على فجوة شديدة الاتساع. فانتقل السعر من نحو 13 ألف ليرة قديمة في شباط 2025 إلى قرابة 12 ألف ليرة في نيسان، ثم إلى 110–111 ليرة جديدة مطلع 2026، قبل تحريكه إلى 121.5–122.5 ليرة في تموز.
وجود سعر رسمي أقرب إلى السوق يقلل فرص التحكيم والمضاربة الناتجة عن شراء العملات أو بيعها بأسعار مختلفة، ويساعد على إعادة جزء من التعاملات إلى القنوات النظامية.
ومع ذلك، فإن فجوة تقارب 8% في تموز 2026 تعني أن عملية توحيد السوق لم تكتمل، وأن المتعاملين ما زالوا يضعون علاوة للمخاطر والسيولة وسهولة الوصول إلى الدولار خارج القنوات الرسمية.
8. العملة الجديدة حسّنت التداول لكنها لم تخلق قيمة اقتصادية
جاء حذف صفرين وطرح العملة الجديدة بهدف تبسيط التعاملات وإدارة السيولة واستبدال الأوراق القديمة وتحسين أنظمة الدفع والتداول. وأكد مصرف سورية المركزي أن كميات العملة الجديدة ستُضبط وفق احتياجات الاقتصاد والسياسة النقدية، وأن العملية لا يُفترض أن تغيّر عرض النقود أو القيمة الاقتصادية للعملة بحد ذاتها.
لذلك لا ينبغي تفسير انتقال الدولار من 12 ألف ليرة قديمة إلى 120 ليرة جديدة بوصفه تحسناً في سعر الصرف. إنه تغيير في الوحدة الحسابية، يشبه تحويل 100 وحدة قديمة إلى وحدة جديدة واحدة.
القيمة الحقيقية للعملة يحددها التضخم والإنتاج والثقة والتدفقات الخارجية والسياسة النقدية، لا عدد الأصفار المطبوعة على الورقة.
لماذا لم تنعكس الاضطرابات العالمية والإقليمية بانهيار سريع؟
واجه الاقتصاد العالمي والإقليمي في 2026 تقلبات مرتبطة بالطاقة والتجارة والشحن والتوترات العسكرية. ومع ذلك، لم تتحرك الليرة السورية بالسرعة أو الدرجة نفسها التي تتحرك بها عملات الأسواق الناشئة المتصلة مباشرة بأسواق المال الدولية.
يمكن تفسير ذلك جزئياً بأن السوق السورية ما تزال محدودة الارتباط بتدفقات المحافظ المالية وأسواق السندات العالمية. لا توجد تدفقات استثمار أجنبي ساخنة تدخل وتخرج يومياً بالمستويات المعروفة في الأسواق المفتوحة، كما أن حجم سوق القطع صغير نسبياً، وتتحكم فيه بصورة أكبر التحويلات والتجارة والاستيراد والسيولة المحلية والتوقعات السياسية.
لكن هذا لا يعني أن سوريا معزولة عن الصدمات العالمية. فالانتقال يحدث عبر تكلفة الوقود والقمح والنقل البحري والتأمين والتحويلات والتجارة الإقليمية. وقد حذر البنك الدولي من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يعكس جانباً من التحسن الاقتصادي في سوريا من خلال إضعاف التجارة والسياحة والاستثمار وإمدادات الكهرباء.
وبسبب الاعتماد الكبير على الواردات، فإن ارتفاع أسعار الطاقة أو الغذاء أو أجور الشحن يرفع الحاجة إلى الدولار، وقد ينتقل لاحقاً إلى سعر الصرف والأسعار المحلية. وقدّر البنك الدولي تاريخياً أن انخفاض قيمة الليرة بنسبة 100% يمكن أن يرفع التضخم بنحو 30% إلى 84% خلال عام، ما يظهر قوة العلاقة بين الصرف والأسعار في الاقتصاد السوري.
ما العوامل التي قد تقوي الليرة؟
تدفقات فعلية عبر المصارف
الانتقال من الإعلان عن رفع العقوبات إلى فتح حسابات مراسلة وتنفيذ تحويلات واعتمادات مستندية سيمثل تحولاً جوهرياً. فالتحويلات الرسمية أكثر استقراراً وقابلية للإدارة من التدفقات النقدية غير المنظمة.
ارتفاع التحويلات وعودة رؤوس الأموال السورية
يمكن لعودة مزيد من السوريين ورؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة أن تزيد عرض العملات الأجنبية، خصوصاً إذا اتجهت الأموال إلى تأسيس شركات وإصلاح منشآت وتمويل مشاريع منتجة.
تحسن إنتاج النفط والغاز والكهرباء
كل زيادة في الإنتاج المحلي من الطاقة تقلل فاتورة الاستيراد والحاجة إلى الدولار. كما أن تحسن الكهرباء يرفع قدرة المصانع والمنشآت على العمل والإنتاج والتصدير.
بدء تنفيذ الاستثمارات الممولة خارجياً
لا يكفي توقيع مذكرات التفاهم. الأثر على الصرف يبدأ عندما تدخل دفعات تمويل فعلية إلى البلاد، وتتحول المشروعات إلى إنفاق واستيراد وتشغيل وإنتاج.
وقد يسبب المشروع في بدايته طلباً على الدولار لاستيراد التجهيزات، لكنه يصبح داعماً للعملة إذا ولّد لاحقاً صادرات أو إيرادات بالعملات الأجنبية أو خفّض الواردات.
نمو الصادرات والسياحة والخدمات
التحسن المستدام للعملة يحتاج إلى مصادر دورية للنقد الأجنبي، لا إلى موجات مؤقتة من التفاؤل. وتشمل هذه المصادر الصادرات الصناعية والزراعية، والسياحة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والخدمات الرقمية، وتحويلات السوريين.
ما العوامل التي قد تضغط على الليرة؟
التوسع في الإنفاق دون موارد حقيقية
يمثل العودة إلى تمويل الرواتب والمشاريع والعجز من خلال إصدار نقدي غير مغطى أخطر عامل داخلي على سعر الصرف. نجاح عام 2025 ارتبط جزئياً بالامتناع عن تمويل الموازنة من المصرف المركزي، وأي تراجع عن هذا المسار قد يعيد الضغوط التضخمية سريعاً.
ارتفاع فاتورة الاستيراد
إعادة الإعمار وتعافي الاستهلاك والنشاط الصناعي ستزيد الطلب على الآلات والوقود والمواد الأولية ومواد البناء. إذا لم تتزامن هذه الزيادة مع تمويل خارجي أو صادرات أو تحويلات أكبر، فقد يرتفع الطلب على الدولار بوتيرة أسرع من عرضه.
صدمة في أسعار الطاقة أو الغذاء أو الشحن
يعتمد الاقتصاد السوري على استيراد جزء مهم من احتياجاته، ما يجعله معرضاً لتقلب أسعار النفط والقمح والنقل والتأمين. ويمكن أن تنتقل الصدمة العالمية إلى السوق السورية بعد فترة تأخير، حتى إذا لم يظهر أثرها فوراً في سعر الصرف.
تراجع التحويلات أو عودة المضاربة
سوق القطع السورية محدودة العمق، وبالتالي يمكن لتغيرات غير كبيرة نسبياً في العرض والطلب أن تسبب تحركات واسعة. كما يمكن للشائعات والأخبار السياسية والأمنية أن تدفع الأفراد والتجار إلى شراء الدولار بصورة احترازية.
تعثر العلاقات المصرفية الدولية
رفع العقوبات القانونية لا يعني انتهاء مخاطر الامتثال. إذا بقيت المصارف الأجنبية مترددة في التعامل مع المصارف السورية، ستظل التحويلات مرتفعة التكلفة وبطيئة، وسيستمر جزء كبير من الطلب والعرض خارج القنوات النظامية.
ضعف الاحتياطيات
أشار البنك الدولي إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي السورية كانت شبه مستنزفة بعد سنوات الحرب. وهذا يحد من قدرة المصرف المركزي على التدخل الواسع والمستمر للدفاع عن سعر محدد، ويجعل الاستقرار أكثر اعتماداً على التدفقات الجارية والانضباط النقدي.
التطورات السياسية والأمنية
يظل سعر الصرف شديد الحساسية لمستوى الاستقرار الداخلي والعلاقات الخارجية. أي تصعيد أمني واسع أو تعثر في مسار الانفتاح الاقتصادي قد يعيد الطلب الاحترازي على الدولار ويؤخر الاستثمار والتحويلات.
ما المؤشرات التي يجب مراقبتها؟
لفهم اتجاه الليرة خلال الأشهر المقبلة، لا يكفي النظر إلى السعر اليومي. المؤشرات الأكثر أهمية هي:
الفارق بين السعر الرسمي والموازي: اتساعه يشير إلى نقص الدولار في القنوات النظامية أو ضعف الثقة بالسعر الرسمي.
تمويل الموازنة: استمرار الامتناع عن تمويل الإنفاق من المصرف المركزي يمثل خط الدفاع الأول عن الاستقرار.
معدل التضخم: عودة التضخم إلى الارتفاع قد تدفع الأفراد والشركات إلى التخلص من الليرة والاتجاه إلى العملات الأجنبية.
التحويلات الرسمية: ارتفاعها يعني زيادة عرض الدولار وتحسن قدرة النظام المالي على إدارة التدفقات.
حجم الواردات وتمويلها: الارتفاع السريع في الاستيراد دون تمويل خارجي أو صادرات مقابلة قد يضغط على الليرة.
أسعار النفط والقمح والشحن: وهي من أهم قنوات انتقال الاضطرابات العالمية إلى السوق السورية.
العلاقات المصرفية المراسلة: كل تقدم في هذا الملف يقلل تكلفة التحويل والتجارة ويرفع الثقة بالنظام المصرفي.
تنفيذ الاستثمارات المعلنة: يجب التمييز بين قيمة الاتفاقات المعلنة وبين الأموال التي دخلت فعلياً وبدأ إنفاقها.
إنتاج النفط والغاز والكهرباء: تحسن الإنتاج المحلي يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويدعم النشاط الاقتصادي.
السيناريوهات المحتملة بعد تموز 2026
السيناريو الأساسي: تذبذب منضبط
يفترض هذا السيناريو استمرار السياسة النقدية المتشددة، وعدم تمويل عجز الموازنة بطباعة النقود، واستمرار التحويلات والتدفقات الإقليمية، دون حدوث صدمة أمنية أو تجارية كبيرة.
في هذه الحالة، قد تتحرك الليرة ضمن نطاقات متدرجة مع تعديلات دورية للسعر الرسمي، من دون عودة إلى موجات الانهيار السابقة. وسيبقى الفارق بين الرسمي والموازي مؤشراً رئيسياً على جودة الاستقرار.
السيناريو الإيجابي: تحسن تدريجي ومستدام
يتطلب هذا السيناريو بدء العلاقات المصرفية الدولية، وزيادة التحويلات الرسمية، ودخول تمويلات استثمارية، وتحسن إنتاج الطاقة والصادرات والسياحة.
عندها يمكن أن تتحسن الليرة أو تستقر لفترة أطول، بالتزامن مع انخفاض الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي. لكن التحسن المستدام يجب أن يكون تدريجياً ومتوافقاً مع إنتاجية الاقتصاد، لا ارتفاعاً سريعاً مدفوعاً بالأخبار والمضاربات.
السيناريو الضاغط: عودة الطلب القوي على الدولار
يمكن أن يظهر هذا السيناريو إذا ارتفعت الواردات قبل دخول التمويلات، أو توسع الإنفاق العام دون موارد، أو ارتفعت أسعار الطاقة والنقل، أو تراجعت التحويلات، أو حدث تصعيد أمني وإقليمي.
في هذه الحالة قد يرتفع سعر الدولار في السوق الموازية أولاً، ثم تتسع الفجوة عن السعر الرسمي، قبل أن يضطر المصرف المركزي إلى تعديل نشرته أو اتخاذ إجراءات نقدية وتنظيمية.
استقرار نسبي وليس تعافياً مكتملاً
تكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الليرة انتقلت من التقلبات اليومية الحادة إلى نطاق أكثر قابلية للقراءة والتوقع. وهذا تحسن مهم للشركات والتجار والمستهلكين، لأنه يقلل مخاطر التسعير ويمنح المنشآت قدرة أفضل على التخطيط وإدارة المخزون والعقود.
لكن الاستقرار الحالي يستند إلى ثلاثة عناصر رئيسية: الانضباط النقدي، وندرة السيولة، وتحسن التوقعات السياسية والاقتصادية.
أما الاستقرار المستدام، فيحتاج إلى قاعدة أوسع تتضمن الإنتاج والصادرات والتحويلات الرسمية والاستثمار والمصارف القادرة على تمويل التجارة.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح السياسة الاقتصادية فقط بقدرة الليرة على البقاء ضمن نطاق معين، بل بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا النطاق بالتزامن مع زيادة الرواتب الحقيقية، وتحسن الإنتاج، وارتفاع الاستثمار، واستعادة النظام المصرفي، وتوفير النقد والسيولة اللازمة للأعمال.
الاختبار الحقيقي لليرة لن يكون في فترة انخفاض الطلب وضعف الاستهلاك، بل عندما تبدأ إعادة الإعمار ويتوسع الاستيراد وتتحرك المشاريع والرواتب والائتمان. عندها سيتضح ما إذا كان الاستقرار الحالي بداية تعاف اقتصادي مستدام، أم توازناً مؤقتاً يحتاج إلى أدوات ومصادر نقد أجنبي أكبر للحفاظ عليه.