سوريا تقترب من إنشاء حساب مصرفي مراسل مع تركيا: ماذا قد يعني ذلك للأعمال والتجارة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
تتجه سوريا وتركيا نحو خطوة مالية قد تحمل أثراً مباشراً على حركة التجارة بين البلدين، بعد حديث حاكم مصرف سوريا المركزي عن الوصول إلى المراحل النهائية لإنشاء علاقة مصرفية مراسلة مع البنك المركزي التركي، بالتوازي مع بحث احتمال ترتيب مقايضة عملات وتوسيع التعاون نحو أنظمة مدفوعات متكاملة، وتسويات عبر الحدود، وأطر أكثر تنظيماً لتمويل التجارة.
الحدث لا يعني أن كل العوائق المصرفية قد زالت بالفعل، لكنه يشير إلى محاولة بناء قناة مالية أكثر انتظاماً بين البلدين في لحظة تشهد فيها التجارة السورية التركية توسعاً متزايداً، وسط حاجة السوق إلى آليات دفع أكثر وضوحاً وكفاءة من الاعتماد الكبير على النقد أو مكاتب الحوالات التقليدية.
ما الذي أُعلن حتى الآن؟
بحسب التصريحات المنشورة في 10 أبريل 2026، قال حاكم مصرف سوريا المركزي إن العمل وصل إلى المرحلة النهائية لإنشاء حساب أو علاقة مصرفية مراسلة مع الجانب التركي، مع بحث مقايضة عملات محتملة لدعم التجارة. كما أشار إلى أن التعاون المالي بين الطرفين قد يتوسع ليشمل تسويات عبر الحدود وتمويلاً تجارياً أكثر انتظاماً، مع توقع بدء بنكين تركيين، هما زراعات وأكتف بنك، عمليات في سوريا في المدى القريب.
وفي موازاة ذلك، نُشرت معطيات إضافية عن اجتماعات سورية-تركية تناولت تسريع خدمات المصارف المراسلة بين البنوك التركية والسورية، وبحث فرص ترخيص محتملة لمؤسسات مصرفية وتأمينية وخدمات مالية تركية للعمل في سوريا، مع تشكيل لجان عمل مشتركة لمتابعة الملفات المطروحة.
لماذا يُعد هذا التطور مهماً؟
تكمن أهمية هذا المستجد في أنه يمس نقطة شديدة الحساسية في التجارة الخارجية: الدفع والتسوية والتمويل. فحتى عندما تكون هناك رغبة في التبادل التجاري، تبقى غياب القنوات المصرفية الواضحة واحدة من أكبر العقبات أمام توسيع الأعمال بشكل منظم. وقد أشار تقرير رويترز المنشور عبر زاوية إلى أن غياب نظام مدفوعات عابر للحدود كان من أبرز العوائق أمام مزيد من النمو والاستثمار بين البلدين.
بعبارة عملية، لا يتعلق الأمر بخبر مصرفي تقني فقط، بل ببنية تحتية مالية يحتاجها:
- المستورد الذي يريد تسوية مدفوعاته بآلية أكثر وضوحاً
- المصدر الذي يحتاج قناة أكثر انتظاماً لتحصيل مستحقاته
- الشركة التي تبحث عن تقليل الاحتكاك والكلفة والمخاطر في التحويلات
- السوق الذي يريد الانتقال من التسويات المجزأة إلى ترتيبات أكثر مؤسسية
ماذا قد يتغير فعلياً إذا دخل الترتيب حيّز التنفيذ؟
إذا تحولت هذه التفاهمات إلى ترتيبات عاملة بالفعل، فقد تظهر عدة آثار عملية على بيئة الأعمال:
1) تسهيل المدفوعات التجارية
وجود علاقة مصرفية مراسلة أكثر وضوحاً قد يخفف الاعتماد على الأساليب غير المباشرة أو النقدية، ويمنح الشركات مساراً أوضح لتحويل الأموال المرتبطة بالاستيراد والتصدير. هذا لا يعني اختفاء جميع التعقيدات فوراً، لكنه قد يكون خطوة مهمة نحو تقليل الاحتكاك المالي في التجارة الثنائية.
2) دعم تمويل التجارة
أحد أبرز الجوانب التي ذُكرت صراحة هو التوجه نحو أطر أكثر تنظيماً لتمويل التجارة. وهذا مهم لأن نمو التجارة لا يعتمد فقط على الرغبة في التبادل، بل أيضاً على توافر أدوات مصرفية تدعم الاعتمادات، والتسويات، وإدارة المخاطر، والالتزامات بين الأطراف التجارية.
3) دفع العلاقات التجارية نحو صيغة أكثر مؤسسية
المعطيات المتاحة تشير إلى أن الجانبين لا يناقشان فقط آلية مصرفية ضيقة، بل مسار تعاون أوسع يشمل الدفع، والتسويات، ونقل الخبرة، وربما دخول مؤسسات مالية تركية إلى السوق السورية. وهذا قد يفتح الباب تدريجياً أمام بنية مالية أكثر ارتباطاً بحركة التجارة الفعلية، لا مجرد حلول مرحلية متفرقة.
4) تحسين قابلية التوسع في التبادل التجاري
تشير بيانات رسمية أوردتها رويترز إلى أن صادرات تركيا إلى سوريا قفزت بنحو 60% العام الماضي إلى 3.5 مليارات دولار، مع هدف متوسط الأجل لرفع حجم التجارة إلى 10 مليارات دولار. كما أوردت عنب بلدي أرقاماً تظهر ارتفاع الصادرات التركية إلى سوريا في 2025 إلى 2.56 مليار دولار مقارنة بـ1.54 مليار دولار في 2024. ورغم اختلاف الفترات والمنهجيات بين المصدرين، فإن الاتجاه العام واحد: التجارة تنمو، والقطاع المالي يحاول اللحاق بها.
لكن ما الذي لا يزال غير محسوم؟
من المهم التعامل مع هذا التطور بواقعية. فالمعلن حتى الآن هو التقدم نحو الترتيب، لا اكتمال جميع آثاره التنفيذية على الأرض. ولا توجد بعد في المعطيات المنشورة تفاصيل تشغيلية كافية تجيب عن أسئلة من نوع:
- متى يبدأ التطبيق الفعلي؟
- ما البنوك السورية التي ستستفيد أولاً؟
- ما نوع الخدمات التي ستتاح للشركات مباشرة؟
- هل ستنعكس الخطوة بسرعة على كلفة التحويلات أو سرعة التسويات؟
- ما حدود الاستفادة الفعلية في ظل البيئة التنظيمية والامتثالية الأوسع؟
لذلك، فإن القيمة الحالية للحدث تكمن في أنه إشارة قوية إلى اتجاه مالي جديد، لا في اعتباره تحولاً مكتمل الأثر منذ الآن.
ما الذي ينبغي أن تراقبه الشركات ورجال الأعمال؟
بالنسبة للشركات السورية، ولا سيما العاملة في التجارة مع تركيا أو المرتبطة بسلاسل توريد عابرة للحدود، فإن الملف يستحق المتابعة من زاوية عملية جداً:
أولاً، أي إعلان رسمي لاحق يحدد آليات التشغيل الفعلية للخدمة.
ثانياً، أي مؤشرات على بدء تقديم خدمات مصرفية أو تسويات مباشرة أكثر انتظاماً.
ثالثاً، مدى انعكاس ذلك على سرعة تنفيذ المدفوعات وكلفتها ووضوحها.
رابعاً، ما إذا كان دخول بنوك تركية أو توسع العلاقات المراسلة سيخلق أدوات أفضل لدعم التجارة وتمويلها.
خطوة تستحق المتابعة لا المبالغة
ما يجري بين سوريا وتركيا في هذا الملف يبدو أكبر من مجرد خبر مصرفي عابر، لأنه يرتبط مباشرة بسؤال مهم لقطاع الأعمال: كيف يمكن تحويل نمو التجارة إلى تدفقات مالية أكثر انتظاماً وكفاءة؟ وإذا نجح هذا المسار، فقد يكون من بين التطورات التي تساعد على تقليل واحدة من أكثر نقاط الاختناق حساسية في النشاط التجاري، وهي آليات الدفع والتسوية والتمويل.
لكن حتى ذلك الحين، يبقى التعامل الأدق مع الحدث هو اعتباره تقدماً مؤسسياً واعداً يحتاج إلى متابعة تنفيذية قريبة، لا حكماً نهائياً على أن البيئة المصرفية والتجارية قد تغيرت بالكامل بالفعل.