لماذا تتراجع الليرة السورية مجدداً؟ قراءة عملية في الأسباب الواقعية والسيناريوهات والحلول

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
شهدت الليرة السورية في الأيام الأخيرة موجة تراجع جديدة في السوق الموازية، بعد فترة من التحسن النسبي خلال 2025 وبداية 2026. ففي حين أبقى مصرف سورية المركزي النشرة الرسمية عند 110 ليرات جديدة للشراء و111 ليرة للبيع للدولار بتاريخ 15 أبريل 2026، أظهرت منصات متابعة السوق الموازية أن الدولار بلغ في دمشق 13,350 ليرة للشراء و13,450 ليرة للبيع بتاريخ 16 أبريل 2026، بعدما كان بحدود 12,870 إلى 12,920 ليرة في 13 أبريل. وهذا يعني أن السوق يرسل إشارة ضغط واضحة خلال أيام قليلة، حتى لو ظلت النشرة الرسمية مستقرة.
المهم هنا أن تفسير هذا التراجع لا ينبغي أن يكون تبسيطياً. فالمشكلة ليست ناجمة عن عامل واحد، ولا يمكن اختزالها بالقول إنها نتيجة الحرب الإقليمية فقط، ولا بالقول إنها نتيجة السياسات الحكومية وحدها، ولا أيضاً اعتبارها أمراً “طبيعياً” بالكامل لاقتصاد خارج من حرب طويلة. القراءة الأدق تقول إن ما يحدث هو نتيجة تفاعل ثلاثة مستويات في الوقت نفسه: هشاشة داخلية متراكمة منذ سنوات، وتحسن غير مكتمل منذ 2025، ثم صدمة إقليمية جديدة أعادت الضغط على سوق القطع والطاقة والتوقعات.
أولاً: ما الذي تغيّر فعلياً منذ 2025؟
الصورة الكلية في سوريا لم تكن سوداء بالكامل خلال 2025. البنك الدولي قدّر نمو الاقتصاد السوري بنحو 1% في 2025 بعد انكماش 1.5% في 2024، بينما أشار صندوق النقد في فبراير 2026 إلى تسارع النشاط الاقتصادي وتحسن الثقة الاستهلاكية والاستثمارية، وإلى أن موازنة 2025 انتهت بفائض صغير مع امتناع وزارة المالية عن التمويل المباشر من المصرف المركزي، وهو تطور مهم مقارنة بسنوات سابقة. كما قدّر البنك الدولي أن التضخم هبط إلى نحو 11.5% في 2025 بعد 72.1% في 2024، وهي إشارة تحسن جوهرية، لكنها لا تعني أن أساس الاستقرار أصبح صلباً أو نهائياً.
بمعنى آخر، التحسن الذي حدث كان تحسناً حقيقياً، لكنه كان أقرب إلى استقرار هش منه إلى تعافٍ مكتمل. وهذا فرق مهم جداً. فالاقتصاد الذي لا يزال يخرج من 14 سنة حرب، مع قاعدة إنتاج متضررة، ونظام مالي لم يستعد عمقه الطبيعي، وثقة نقدية لم تترسخ بعد، يبقى شديد الحساسية لأي صدمة داخلية أو خارجية. لذلك فإن أي ارتفاع جديد في الطلب على الدولار، أو أي توتر إقليمي يرفع كلفة الطاقة والتحويلات والمخاطر، يمكن أن ينعكس سريعاً على السوق.
ثانياً: هل السبب هو السياسات الحكومية منذ بداية 2025؟
الجواب المهني هو: جزئياً نعم، لكن ليس وحدها.
هناك جانب إيجابي واضح في السياسات المالية والنقدية خلال 2025 وبداية 2026. من أبرز ما يمكن رصده: ضبط نسبي للإنفاق قياساً إلى الموارد المتاحة، عدم اللجوء إلى تمويل تضخمي مباشر من المركزي، تحسن نسبي في بيئة الإصلاح، وتقدم في إعادة الاندماج المالي الخارجي، إلى جانب رفع أوروبي للعقوبات الاقتصادية في مايو 2025 شمل أيضاً مؤسسات مالية وقطاعات اقتصادية أساسية. كل هذا ساعد فعلاً في تهدئة الضغط على الليرة خلال مرحلة سابقة.
لكن في المقابل، ما زالت هناك مشكلات بنيوية تجعل أثر هذه السياسات محدوداً أو سريع التآكل عند أول صدمة. أول هذه المشكلات أن الاستقرار النقدي لم يتحول بعد إلى زيادة إنتاجية واسعة ومستدامة. وثانيها أن سوق الصرف لا يزال حساساً جداً للتدفقات الموسمية والتحويلات. وثالثها أن الهوة بين النشرة الرسمية والسوق الفعلية، حتى لو تقلصت أحياناً، ما تزال تعني أن السعر الرسمي ليس هو المرجع الحقيقي الوحيد لسلوك السوق. ورابعها أن الثقة بالعملة لم تتجذر بعد بما يكفي ليحتفظ الناس والتجار والسيولة الفائضة بالليرة عند أول توتر. هذا ليس فشلاً كاملاً للسياسات، لكنه يعني أن السياسات الحالية لم تنجز بعد “تحصيناً” كاملاً للعملة.
ثالثاً: ما دور الحرب الإقليمية في هذا التراجع؟
الحرب الإقليمية عامل مهم، لكن ينبغي وضعه في حجمه الصحيح. صندوق النقد أوضح في نهاية مارس 2026 أن الحرب في الشرق الأوسط تعتم آفاق التعافي، وأن أثرها غير متماثل لكنه أشد على الاقتصادات الفقيرة والمستوردة للطاقة والتي تملك هوامش أمان ضعيفة. كما أشار إلى أن الاقتصادات المعتمدة على واردات النفط تتعرض لضغط أعلى مع ارتفاع كلف الوقود والنقل والتمويل. والبنك الدولي قال صراحة إن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يعكس التحسن الأخير في سوريا عبر إضعاف التجارة والسياحة والاستثمار وتوفير الكهرباء.
وسوريا تقع عملياً في قلب هذا النوع من الهشاشة: اقتصاد منخفض القدرة على امتصاص الصدمات، احتياجات استيراد كبيرة، طاقة حساسة، وأسواق تتأثر بسرعة بالتوقعات النفسية والطلب الوقائي على الدولار. لذلك فالحرب الإقليمية لا تفسر كل شيء، لكنها سرّعت انتقال الضغط إلى السوق السورية. أي أنها ليست السبب البنيوي الأول، لكنها كانت بمثابة محفز قوي فوق بنية اقتصادية أصلًا هشة.
رابعاً: لماذا تراجع سعر الصرف سريعاً في الأيام الأخيرة تحديداً؟
هناك أربعة تفسيرات عملية تبدو الأقرب للواقع في التوقيت الحالي:
1) انحسار أثر التحويلات الموسمية
أحد الشروحات المتداولة في السوق، والمدعوم بتحليلات محلية حديثة، هو أن الليرة استفادت قبل العيد من زيادة التحويلات الخارجية، ثم عاد الضغط بعد انحسار هذا التدفق الاستثنائي. هذا يفسر لماذا يبدو التراجع سريعاً بعد فترة هدوء قصيرة.
2) عودة الطلب الوقائي على الدولار
عندما يشعر المستورد أو التاجر أو الأسرة أن المنطقة تدخل مرحلة توتر، يرتفع الطلب الاحترازي على القطع الأجنبي حتى قبل ظهور نقص مادي مباشر. هذا السلوك النفسي مهم جداً في سوريا لأن السوق أصلاً قليلة العمق وسريعة التأثر بالتوقعات. ويمكن رؤية ذلك في القفزة الأخيرة بالسوق الموازية مقارنة بالنشرة الرسمية المستقرة.
3) انتقال الضغط عبر الطاقة والنقل
أي صدمة نفطية أو لوجستية في الإقليم تضغط مباشرة على سوريا. وقد شهدت الأسواق العالمية خلال أبريل 2026 ارتفاعاً حاداً في أسعار النفط بعد تطورات مضيق هرمز، وهو ما يرفع كلفة الاستيراد والتشغيل والنقل، ويغذي توقعات تضخمية محلية إضافية.
4) هشاشة الأساس الإنتاجي والتمويلي
حتى مع بوادر تعافٍ، ما زال الاقتصاد السوري بعيداً عن حالة التوازن التي تجعل العملة مستقرة على أساس إنتاج وصادرات واحتياطات وثقة مؤسساتية عميقة. وهذا ما يفسر لماذا يتحسن السعر حين تتحسن البيئة، لكنه يبقى سريع الانكشاف عند أول ضغط جديد.
خامساً: هل ما يجري “طبيعي” لبلد خرج من حرب طويلة؟
إلى حدٍّ ما نعم، لكن هذه العبارة قد تكون مضللة إذا استُخدمت لتبرير كل شيء.
من الطبيعي أن يمر اقتصاد خارج من حرب طويلة بتقلبات حادة في سعر الصرف، لأن بنيته الإنتاجية والمؤسساتية والمالية تكون أضعف من أن تمتص الصدمات بسهولة. ومن الطبيعي أيضاً أن يبقى التعافي غير خطي، أي يتحسن فترة ثم يتراجع جزئياً ثم يعاود التحسن. لكن غير الطبيعي أن يُترك سعر الصرف رهينة التحويلات الموسمية أو رهينة السوق النفسية أو رهينة الصدمات الخارجية من دون بناء أدوات امتصاص داخلية أقوى. لذلك، نعم، التقلب مفهوم في سياق بلد خارج من حرب، لكن استمرار الهشاشة بالدرجة نفسها ليس قدراً لا يمكن التعامل معه.
سادساً: ما الحلول الواقعية لوقف التراجع أو تخفيفه؟
لا يوجد حل سحري سريع، لكن توجد حزمة إجراءات واقعية أكثر فاعلية من الاكتفاء بالملاحقة الأمنية أو البيانات العامة.
1) تثبيت مصدر الدولار المنتج لا الدولار المؤقت
التحويلات مهمة، لكنها لا تكفي. المطلوب هو توسيع مصادر القطع ذات الطبيعة الإنتاجية: الصادرات، الخدمات، الطاقة، إعادة تفعيل التجارة، وتحسين قدرة القطاعات القابلة للتصدير على جلب تدفقات مستمرة. أي استقرار قائم فقط على تحويلات أو موجات موسمية سيبقى هشاً.
2) تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الفعلية
كلما بقيت النشرة الرسمية بعيدة عن السوق، تراجعت فعاليتها كأداة توجيه. المطلوب ليس تعويماً فوضوياً، بل بناء مسار أكثر مرونة وشفافية يسمح بتحويل السعر الرسمي إلى مرجع أقرب للواقع، مع آلية واضحة للتدخل عند الحاجة. استقرار النشرة عند 110-111 ليرة جديدة في الوقت الذي تدور فيه السوق الموازية حول 13,000 ليرة قديمة وأكثر، يعني أن هناك انفصالاً لا يمكن تجاهله طويلًا.
3) حماية الانضباط المالي ومنع العودة إلى التمويل التضخمي
هذه نقطة بالغة الأهمية. أحد مكاسب 2025 كان امتناع المالية عن التمويل المباشر من المركزي. الحفاظ على هذا المسار أساسي جداً، لأن أي عودة إلى تمويل العجز بطباعة نقدية ستبتلع بسرعة أي مكاسب تحققت في الصرف والتضخم.
4) إدارة صدمة الطاقة بدل نقلها دفعة واحدة إلى السوق
إذا ارتفعت كلفة النفط والنقل إقليمياً، فالمطلوب هو إدارة الأثر بحذر، لا تركه يتحول فوراً إلى موجة تضخمية شاملة. الأفضل أن يكون التعامل أكثر استهدافاً: دعم الفئات والقطاعات الأكثر تأثراً، وتحسين كفاءة التسعير، بدل تعميم دعم واسع يرهق المالية أو نقل كامل الكلفة مباشرة إلى السوق والمستهلك. هذا يتفق أيضاً مع تحذيرات صندوق النقد من أن صدمات الطاقة تضر أكثر الاقتصادات الأضعف والأشد اعتماداً على الاستيراد.
5) رفع الثقة بالليرة عبر القنوات المؤسسية لا الخطابية
الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل عبر: وضوح السياسة النقدية، انتظام البيانات، سهولة الوصول إلى القنوات الرسمية، تحسين الخدمات المصرفية، وتوسيع القدرة على إجراء التحويلات والتعاملات الرسمية بفعالية. كلما تحسنت الثقة بالمؤسسات، تراجع الميل إلى “الدولرة الوقائية”.
6) ربط ملف الصرف بالإنتاج لا بالاستهلاك فقط
استقرار العملة لا يأتي من مراقبة السوق فقط، بل من زيادة المعروض الحقيقي من السلع والخدمات والطاقة والعمل. لذلك فإن إصلاح الصرف يجب أن يبقى مرتبطاً بملفات الكهرباء والإنتاج والنقل والتجارة والاستثمار، لا أن يُعامل كملف نقدي معزول. البنك الدولي نفسه ربط نمو 2026 في سوريا بعوامل مثل زيادة إنتاج النفط والغاز وتحسن الكهرباء وعودة الطلب المحلي.
سابعاً: ماذا نتوقع في الفترة القادمة؟
الأرجح أن الأشهر المقبلة ستبقى ضمن سيناريو تقلب مرتفع لا انهيار شامل، ما لم تتفاقم الحرب الإقليمية بصورة أكبر أو يعود التمويل التضخمي أو تتعثر الإصلاحات المالية والنقدية. فهناك من جهة عوامل دعم مهمة: تحسن نسبي في المزاج الاقتصادي، انفتاح خارجي أكبر، إصلاحات قائمة، إزالة جزء من القيود الأوروبية، وعودة نشاط اقتصادي تدريجية. لكن من جهة أخرى، ما زالت المخاطر كبيرة: صدمة الطاقة، هشاشة السوق، ضعف العمق المصرفي، وحساسية الثقة النقدية لأي خبر إقليمي أو ضغط موسمي.
لذلك يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات عملية:
السيناريو الأول: تذبذب مضبوط
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً. فيه تبقى الليرة تحت ضغط، لكن ضمن نطاقات متغيرة يمكن إدارتها إذا استمرت الإصلاحات ولم تتسع الحرب إقليمياً.
السيناريو الثاني: موجة ضغط أعمق
ويحدث إذا طال أمد الحرب الإقليمية أو ارتفعت كلفة الطاقة أكثر أو عاد الخوف بقوة إلى السوق، ما يدفع الطلب على الدولار إلى الصعود ويضغط على الأسعار والمحروقات والنقل.
السيناريو الثالث: عودة تدريجية إلى الاستقرار النسبي
ويصبح ممكناً إذا نجحت سوريا في تحويل الانفتاح الخارجي والإصلاحات الحالية إلى تدفقات استثمارية وإنتاجية حقيقية، مع استمرار الانضباط المالي وتقليص التشوهات في سوق الصرف. لكنه يظل سيناريو مشروطاً، لا مضموناً تلقائياً.
الخلاصة
تراجع الليرة السورية اليوم ليس حدثاً معزولاً، بل اختبار جديد لمدى عمق التعافي الاقتصادي السوري. المعطيات المتاحة تقول إن السبب ليس الحرب الإقليمية وحدها، ولا السياسات الحكومية وحدها، ولا “الطبيعة العادية” لاقتصاد خارج من حرب فقط، بل هو حصيلة تداخل هذه العناصر الثلاثة معاً. لقد تحسن الاقتصاد السوري نسبياً منذ 2025، وتراجع التضخم بشكل واضح، وتحسنت بعض المؤشرات المالية، لكن سعر الصرف ما زال هشاً لأن التعافي لم يتحول بعد إلى قاعدة إنتاج وثقة وسيولة مستقرة بما يكفي.
ومن هنا، فإن وقف التراجع لا يحتاج فقط إلى الدفاع عن الليرة في السوق، بل إلى توسيع مصادر الدولار المنتج، وترسيخ الانضباط المالي، وتقليص فجوة السعر الرسمي مع السوق، وإدارة صدمة الطاقة، وربط استقرار العملة بإحياء الاقتصاد الحقيقي. هذه هي النقطة الفاصلة بين استقرار مؤقت واستقرار قابل للاستمرار.