المرسوم 68 وزيادات الرواتب النوعية في سوريا: قراءة في الأثر على الكفاءات والقطاع العام وسوق العمل

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
أعادت التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 68 لعام 2026 ملف الرواتب والأجور في القطاع العام السوري إلى الواجهة، ليس بوصفه إجراءً مالياً مباشراً فقط، بل بوصفه خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب منظومة الأجور في الدولة، وربط الزيادة بفئات وظيفية وقطاعات محددة ذات أهمية تشغيلية ومؤسسية.
فالمرسوم 68 لا يقدم زيادة عامة موحدة لجميع العاملين، بل يطبق لائحة زيادة نوعية على رواتب وأجور العاملين في جهات عامة محددة، بينها الصحة والتعليم العالي والتربية والتعليم والأوقاف ومصرف سوريا المركزي والجهات الرقابية وهيئة الطاقة الذرية. وهذا التفريق بين الزيادة العامة والزيادة النوعية هو جوهر القرار، لأنه ينقل النقاش من مجرد رفع رقمي للأجر إلى محاولة معالجة اختلالات أعمق تتعلق بالكفاءات، والاختصاصات، وقدرة المؤسسات العامة على الاحتفاظ بالموارد البشرية الأساسية.
ما الذي صدر فعلياً؟
صدر المرسوم رقم 68 لعام 2026 ليطبق لائحة زيادة نوعية على رواتب وأجور العاملين في ثماني جهات عامة، هي وزارة الصحة، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وزارة التربية والتعليم، وزارة الأوقاف، مصرف سوريا المركزي، الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، الجهاز المركزي للرقابة المالية، وهيئة الطاقة الذرية.
وتنص التعليمات التنفيذية الصادرة عن وزارة المالية على أن الاستفادة من المرسوم ترتبط بالمسميات الوظيفية الواردة في اللوائح المرفقة، لا بمجرد الانتماء إلى جهة عامة مشمولة بالمرسوم. وهذا يعني أن معيار الاستفادة ليس اسم الوزارة أو المؤسسة وحده، بل المسمى الوظيفي المحدد في الجداول المعتمدة.
كما توضح التعليمات أن كل مسمى وظيفي غير مدرج في لوائح الزيادة النوعية يطبق عليه مسار المرسوم رقم 67 لعام 2026، أي الزيادة العامة بنسبة 50%، بدلاً من الزيادة النوعية الخاصة.
لماذا سميّت زيادة نوعية؟
وصف الزيادة بأنها “نوعية” يعكس أن الدولة لا تتعامل هنا مع رواتب القطاع العام ككتلة واحدة فقط، بل تميز بين وظائف ذات حساسية أعلى في مرحلة إعادة بناء المؤسسات.
فالطبيب، والمدرس، وأستاذ الجامعة، والممرض، والمفتش المالي، والخبراء في المصرف المركزي، والكوادر الفنية أو الرقابية، لا يمثلون وظائف إدارية عادية فحسب، بل يشكلون جزءاً من قدرة الدولة على تشغيل قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والرقابة والمال العام والسياسة النقدية.
من هذه الزاوية، لا يستهدف المرسوم تحسين الدخل فقط، بل يسعى إلى تقليل نزيف الكفاءات، ودعم استقرار الكوادر، ورفع جاذبية بعض الوظائف العامة التي فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها التنافسية خلال السنوات الماضية.
الفرق بين المرسوم 67 والمرسوم 68
من المهم الفصل بين مسارين متوازيين:
المرسوم 67 يمنح زيادة عامة بنسبة 50% للعاملين في الجهات العامة الذين لا تشملهم الزيادة النوعية. أما المرسوم 68 فيطبق زيادات نوعية على فئات ومسميات محددة داخل جهات عامة بعينها.
هذا الفصل يمنع قراءة القرارين بوصفهما زيادة واحدة متساوية. فالزيادة العامة تؤدي وظيفة تحسين أوسع للرواتب، بينما تؤدي الزيادة النوعية وظيفة أكثر استهدافاً، مرتبطة بالحفاظ على كوادر وقطاعات يعتبر استمرارها عاملاً حاسماً في عمل الدولة والاقتصاد.
الفئات والقطاعات الأكثر تأثراً
1. قطاع الصحة
يشكل شمول وزارة الصحة أحد أهم جوانب المرسوم، لأن القطاع الصحي يعتمد على كوادر بشرية عالية الاختصاص، يصعب تعويضها سريعاً عند خروجها من المؤسسات العامة أو انتقالها إلى القطاع الخاص أو الخارج.
الزيادة النوعية هنا تحمل بعداً مزدوجاً: تحسين دخل العاملين من جهة، وحماية استقرار الخدمة الصحية العامة من جهة أخرى. كما أن منح تعويضات إضافية للعاملين في المناطق النائية وشبه النائية يعكس إدراكاً لفجوة التوزع الجغرافي للكوادر، وهي من أكثر المشكلات تأثيراً على جودة الخدمة خارج المراكز الكبرى.
2. التعليم والتربية
يشمل المرسوم وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، وهما قطاعان يرتبطان مباشرة ببناء رأس المال البشري.
في التعليم المدرسي، يمكن أن يساعد تحسين الأجور على تخفيف الضغط المعيشي عن المعلمين، ودعم الاستقرار الوظيفي، وتقليل الحاجة إلى مصادر دخل بديلة قد تؤثر على جودة العملية التعليمية. وفي التعليم العالي، تحمل الزيادة دلالة إضافية تتعلق بالحفاظ على الكفاءات الأكاديمية والبحثية داخل الجامعات والمعاهد.
كما عالجت التعليمات التنفيذية مسألة التدريس بالساعات الإضافية ولجان الامتحانات، بما يشير إلى أن التطبيق لا يقتصر على الراتب الأساسي، بل يمتد إلى بعض التعويضات المرتبطة بعمل العملية التعليمية.
3. مصرف سوريا المركزي
شمول مصرف سوريا المركزي يحمل دلالة اقتصادية خاصة. فالمصرف المركزي ليس مؤسسة إدارية عادية، بل هو أحد مفاصل السياسة النقدية والرقابة المالية والاستقرار النقدي.
تحسين أجور الخبرات العاملة في هذا المجال يمكن أن يكون جزءاً من محاولة حماية الكفاءة الفنية داخل المؤسسة، خصوصاً في مرحلة تتطلب إدارة دقيقة لسعر الصرف، والسيولة، والنظام المصرفي، والتعامل مع ملفات مالية حساسة.
4. الجهات الرقابية
يشمل المرسوم الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية، وهو ما يمنح الزيادة بعداً مؤسسياً يتجاوز تحسين الدخل. فالرقابة المالية والإدارية تحتاج إلى كوادر مهنية مستقرة وذات قدرة على العمل في بيئة معقدة.
كلما كانت الجهات الرقابية أكثر قدرة على استقطاب وحفظ الكفاءات، زادت فرص تحسين الانضباط المالي والإداري، وهو عنصر مهم لأي إصلاح اقتصادي أو مالي لاحق.
5. هيئة الطاقة الذرية
تضمن التعليمات التنفيذية تعويضاً مرتبطاً بالتوصيف الإشعاعي لمستحقيه في هيئة الطاقة الذرية، وفق المبالغ المدرجة في اللائحة المرفقة. وهذا يعكس طبيعة عمل خاصة تحتاج إلى معايير مختلفة عن الوظائف الإدارية التقليدية، بحكم ارتباطها باختصاصات فنية ومخاطر مهنية محددة.
تعويض المناطق النائية وشبه النائية
من النقاط المهمة في التعليمات التنفيذية منح العاملين في المناطق النائية ضمن وزارتي الصحة والتربية والتعليم تعويضاً إضافياً بنسبة 15% من الأجر الشهري المقطوع، ومنح العاملين في المناطق شبه النائية تعويضاً بنسبة 10%.
هذه النقطة ذات أهمية عملية، لأنها لا تتعامل مع الأجر بوصفه رقماً مجرداً فقط، بل تربطه بصعوبة موقع العمل. فالعمل في منطقة نائية أو شبه نائية لا يحمل العبء الوظيفي نفسه الموجود في المدن الكبرى، وغالباً ما يرتبط بتكاليف أعلى وصعوبات معيشية وخدمية أكبر.
إذا طُبقت هذه التعويضات بصورة دقيقة، فقد تساعد على تخفيف فجوة التوزع بين المدن والأطراف، خصوصاً في التعليم والصحة، وهما قطاعان يتأثران مباشرة بنقص الكوادر في المناطق الأقل جذباً.
الأثر المتوقع على سوق العمل
لا يمكن النظر إلى زيادة رواتب القطاع العام بمعزل عن سوق العمل الأوسع. فالقطاع العام في سوريا لا يزال صاحب تأثير كبير في بنية التشغيل، وأي تعديل في أجوره ينعكس بطريقة أو بأخرى على توقعات العاملين في القطاع الخاص أيضاً.
قد يدفع القرار بعض منشآت القطاع الخاص إلى مراجعة مستويات الأجور، خصوصاً في المهن التي تتنافس فيها مع القطاع العام على الكفاءات نفسها. لكن هذا الأثر لن يكون موحداً. فالقطاعات ذات الربحية الأعلى أو الحاجة الأكبر إلى الكفاءات ستتأثر أكثر، بينما قد تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة صعوبة في مجاراة أي ضغط تصاعدي سريع على الأجور.
لذلك، فإن الزيادة قد تعزز دخل فئات واسعة من العاملين، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً أوسع حول إنتاجية العمل، وتكاليف التشغيل، وقدرة الشركات على تمويل الزيادات دون نقل كامل العبء إلى الأسعار.
الأثر الاقتصادي: دخل أعلى أم ضغط تضخمي؟
من الناحية الاقتصادية، أي زيادة في الرواتب يمكن أن تؤثر في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
أولاً، رفع القدرة الشرائية لفئات من العاملين، ما قد يزيد الطلب على السلع والخدمات الأساسية.
ثانياً، تحسين الاستقرار الوظيفي في قطاعات عامة حيوية، وهو أثر مؤسسي لا يظهر فوراً في الأسواق لكنه مهم على المدى المتوسط.
ثالثاً، احتمال زيادة الضغوط السعرية إذا لم يترافق تحسن الدخل مع ضبط الأسواق وتحسن العرض والإنتاجية.
لكن الأثر التضخمي لا يرتبط بالزيادة وحدها، بل بطريقة تمويلها. فإذا كانت الزيادة ممولة من موارد حقيقية دون التوسع في العجز أو طباعة النقود، يكون أثرها التضخمي أقل من زيادة ممولة نقدياً. أما إذا واجهت الأسواق ضعفاً في العرض أو احتكاراً أو تسعيراً غير مبرر، فقد تتحول الزيادة جزئياً إلى ارتفاع أسعار بدلاً من تحسن صافٍ في مستوى المعيشة.
دلالة القرار على إصلاح منظومة الأجور
يبدو المرسوم 68 جزءاً من انتقال تدريجي من نظام أجور موحد شكلياً لكنه غير عادل فعلياً، إلى نظام يحاول التمييز بين طبيعة الوظائف وحساسيتها وأثرها على المؤسسات.
هذا لا يعني أن منظومة الأجور أصبحت مكتملة. فالزيادة النوعية تعالج جانباً من المشكلة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى إصلاح أوسع يشمل سلم الرواتب، التعويضات، تقييم الوظائف، ربط الأجر بالمسؤولية والكفاءة، وضبط الفوارق بين القطاعات.
كما أن نجاح القرار لا يقاس فقط بصرف الزيادة، بل بقدرته على تحقيق نتائج عملية مثل تقليل التسرب الوظيفي، رفع جودة الخدمة، تحسين الحافز، وتخفيف الفجوة بين الأجر وتكاليف المعيشة.
ما الذي يجب أن تتابعه الشركات والمهنيون؟
بالنسبة لأصحاب الأعمال والمديرين، لا يقتصر أثر القرار على موظفي القطاع العام. هناك نقاط يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة:
- اتجاهات الأجور في القطاع الخاص، خصوصاً في التعليم والصحة والخدمات المهنية.
- تأثير الزيادة على الطلب المحلي، ولا سيما السلع الأساسية والخدمات الاستهلاكية.
- قدرة الحكومة على ضبط أثر الزيادة مالياً ونقدياً.
- صدور الجداول التفصيلية واللوائح الخاصة بكل جهة مشمولة.
- انعكاس الزيادة على استقرار الكفاءات في القطاعات العامة الحيوية.
- أي قرارات لاحقة تتعلق بتوحيد أو إعادة هيكلة منظومة الأجور.
قراءة ختامية
يمثل المرسوم رقم 68 لعام 2026 خطوة مهمة في اتجاه مختلف عن الزيادات العامة التقليدية. فهو لا يرفع الأجور بطريقة موحدة فقط، بل يحاول توجيه الزيادة نحو قطاعات ووظائف ذات أثر مؤسسي مباشر.
الأهمية الحقيقية للقرار ستظهر في التطبيق: دقة اللوائح، سرعة الصرف، وضوح الفئات المشمولة، وعدالة توزيع التعويضات، وقدرة الدولة على منع تآكل أثر الزيادة بفعل الأسعار.
وفي بيئة اقتصادية تمر بمرحلة إعادة ترتيب، يبقى إصلاح الأجور أحد الملفات الأكثر حساسية، لأنه يقع عند تقاطع المالية العامة، سوق العمل، القدرة الشرائية، واستقرار المؤسسات. لذلك، يمكن قراءة المرسوم 68 لا كإجراء معزول، بل كاختبار عملي لمسار أوسع في إصلاح الإدارة العامة والرواتب في سوريا.