تطوير منظومة الأجور في سوريا: ماذا يعني تصريح الرئيس الشرع للعمال وأصحاب الأعمال والمستثمرين؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
أعاد تصريح الرئيس السوري أحمد الشرع حول الاستمرار في تطوير منظومة الأجور والرواتب فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد السوري: كيف يمكن رفع دخل العاملين والمتقاعدين، دون أن تتحول الزيادة إلى ضغط تضخمي جديد، أو عبء غير قابل للاستمرار على المؤسسات، أو فجوة إضافية بين القطاعين العام والخاص؟
التصريح جاء بعد صدور المرسومين رقم 67 و68 لعام 2026، حيث أضاف المرسوم 67 زيادة عامة بنسبة 50% إلى الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في جهات القطاع العام، بينما اتجه المرسوم 68 إلى زيادات نوعية للعاملين في ثماني جهات عامة تشمل قطاعات حيوية مثل الصحة، التعليم، التعليم العالي، الأوقاف، مصرف سوريا المركزي، وهيئات رقابية وفنية. ووفق التصريح الرئاسي، استفاد جميع العاملين من الزيادات العامة، وأكثر من 861 ألفاً من الزيادات النوعية في القطاعات الحيوية.
لكن الأهمية الحقيقية لا تقف عند أرقام الزيادة نفسها، بل عند العبارة الأوسع: تطوير منظومة الأجور والرواتب. هذه العبارة تعني أن الملف لم يعد محصوراً في قرار زيادة ظرفي، بل في محاولة لإعادة بناء علاقة أكثر توازناً بين الدخل، الإنتاجية، كلفة المعيشة، استقرار الكفاءات، وقدرة الدولة والقطاع الخاص على الاستمرار.
أولاً: ماذا يعني تطوير منظومة الأجور؟
تطوير منظومة الأجور لا يعني فقط رفع الراتب الاسمي. الزيادة قد تحسن الدخل مؤقتاً، لكنها لا تصنع منظومة عادلة ومستقرة إذا لم ترتبط بعدة عناصر: طبيعة العمل، مستوى الاختصاص، الإنتاجية، مكان العمل، ندرة الكفاءات، وحاجة القطاعات الحيوية إلى الاحتفاظ بالعاملين.
من هنا يمكن قراءة المرسومين 67 و68 في مستويين مختلفين:
الأول هو زيادة عامة تستهدف تحسين دخل جميع العاملين في القطاع العام، وتخفيف جزء من الفجوة بين الأجر وتكاليف المعيشة.
الثاني هو زيادة نوعية تستهدف قطاعات أو جهات محددة، بما يعكس إدراكاً أن بعض الوظائف لا يمكن التعامل معها بمنطق موحد، خصوصاً في الصحة والتعليم والجهات الفنية والرقابية والمالية.
هذا التمييز مهم، لأنه يفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل تتجه سوريا تدريجياً نحو أجور أكثر ارتباطاً بالقطاع، والاختصاص، والندرة، والأداء، بدلاً من سلم أجور جامد لا يميز بما يكفي بين طبيعة الأعمال؟
ثانياً: ماذا يعني ذلك للعاملين؟
بالنسبة للعاملين، الزيادة تمثل تحسناً مباشراً في الدخل، لكنها لا تلغي السؤال اليومي عن القدرة الشرائية. العامل لا يقيس راتبه بالرقم المكتوب على القسيمة فقط، بل بما يستطيع شراؤه من غذاء، نقل، طبابة، تعليم، إيجار، واحتياجات أساسية.
لذلك يطرح العاملون أسئلة عملية:
هل ستعوض الزيادة جزءاً ملموساً من ارتفاع الأسعار؟
هل ستُصرف الزيادات بانتظام ودون تأخير؟
هل ستشمل التعويضات والحوافز أم الراتب المقطوع فقط؟
هل ستتوسع الزيادات النوعية لتشمل قطاعات أخرى؟
هل سيعاد النظر بسلم الرواتب كاملاً أم تبقى الزيادات متفرقة؟
هل المتقاعدون جزء من المسار نفسه أم يحتاجون معالجة مستقلة؟
هذه الأسئلة مشروعة، لأن أثر أي زيادة يتوقف على ثلاثة عوامل: حجم الزيادة، سرعة انعكاسها في الدخل الفعلي، وقدرة السوق على عدم امتصاصها عبر ارتفاع الأسعار.
ثالثاً: ماذا يعني ذلك للمتقاعدين؟
تصريح الرئيس الشرع ذكر المواطنين العاملين والمتقاعدين، وهذا مهم لأن ملف التقاعد لا يقل حساسية عن ملف العاملين. المتقاعد في سوريا يواجه عادة دخلاً ثابتاً، قدرة أقل على العمل الإضافي، واحتياجات صحية ومعيشية أعلى من المتوسط.
من زاوية اقتصادية، إدخال المتقاعدين في خطاب تطوير الأجور يعني أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على من هم داخل سوق العمل فقط. فشريحة المتقاعدين جزء من الطلب المحلي، ومن الاستقرار الاجتماعي، ومن ثقة العاملين الحاليين بمستقبلهم بعد نهاية الخدمة.
السؤال العملي هنا: هل ستتجه السياسة المقبلة إلى ربط المعاشات التقاعدية بمؤشرات أو زيادات دورية؟ أم ستبقى الزيادات قرارات متفرقة حسب الظرف المالي؟
رابعاً: ماذا يعني ذلك للقطاع الخاص؟
قد تبدو الزيادة موجهة إلى القطاع العام، لكنها عملياً تؤثر في القطاع الخاص أيضاً. عندما ترتفع أجور القطاع العام، ولو جزئياً، تبدأ الشركات الخاصة بمراجعة قدرتها على الحفاظ على العمالة والكفاءات، خصوصاً في القطاعات التي تعاني أصلاً من نقص الخبرات.
أصحاب الأعمال سيطرحون أسئلة مختلفة:
هل يجب رفع الرواتب في القطاع الخاص فوراً؟
ما الحد الأدنى اللازم للحفاظ على العمالة؟
هل تؤدي زيادات القطاع العام إلى انتقال بعض العاملين من الخاص إلى العام؟
كيف يمكن زيادة الأجور دون رفع الأسعار على المستهلك؟
هل تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة تحمل كلفة أجور أعلى؟
هل تصبح الأجور جزءاً من المنافسة على الكفاءات في السوق السوري؟
الإجابة ليست واحدة لكل الشركات. شركة ذات هامش ربح جيد أو سوق مستقر قد تستطيع تعديل الرواتب تدريجياً. أما منشأة صغيرة تعمل بهوامش ضعيفة فقد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما رفع الأجور لتجنب خسارة العمال، أو تثبيت الأجور مع خطر تراجع الإنتاجية والولاء الوظيفي، أو نقل جزء من الكلفة إلى الأسعار.
خامساً: هل يمكن أن تزيد الأجور التضخم؟
هذا من أكثر الأسئلة حساسية. زيادة الأجور لا تؤدي تلقائياً إلى التضخم، لكنها قد تضغط على الأسعار إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاج أو ضبط في الأسواق أو قدرة أفضل على تأمين السلع والخدمات.
الأثر يعتمد على طريقة التمويل، وحجم الكتلة النقدية، واستجابة الأسواق، وسلوك التجار، ومستوى الإنتاج المحلي. إذا تحولت الزيادة إلى طلب إضافي في سوق يعاني نقصاً في العرض، فقد ترتفع الأسعار ويفقد العامل جزءاً من المكسب. أما إذا ترافقت مع تحسين الإنتاج، وضبط الاحتكار، وتوسيع العرض، فقد يكون أثرها أكثر توازناً.
لذلك، تطوير منظومة الأجور لا ينبغي أن ينفصل عن ثلاثة ملفات موازية:
زيادة الإنتاجية داخل المؤسسات العامة والخاصة.
تحسين بيئة العمل حتى لا تكون الزيادة مجرد كلفة إضافية دون مردود.
مراقبة الأسواق لمنع تحويل الزيادة إلى موجة أسعار جديدة.
سادساً: ما الذي يهم المستثمرين؟
المستثمر لا ينظر إلى الأجور من زاوية الكلفة فقط. انخفاض الأجور قد يبدو ميزة قصيرة الأجل، لكنه قد يعني ضعفاً في القدرة الشرائية، وهجرة كفاءات، وتراجعاً في جودة العمل. في المقابل، ارتفاع الأجور دون إنتاجية قد يضغط على تكاليف التشغيل.
لذلك يهم المستثمر أن يعرف اتجاه السياسة العامة: هل سوريا تتجه إلى سوق عمل أكثر استقراراً؟ هل توجد محاولة للاحتفاظ بالكفاءات في القطاعات الحيوية؟ هل ستصبح الأجور أكثر قابلية للتوقع؟ هل سيعاد بناء سلم أجور يحسن الاستقرار الوظيفي؟
بالنسبة للمستثمرين، تطوير منظومة الأجور قد يحمل مؤشرين متعاكسين:
من جهة، قد يعني ارتفاعاً تدريجياً في كلفة التشغيل.
ومن جهة أخرى، قد يعني تحسناً في الاستقرار الاجتماعي، وزيادة في الطلب المحلي، وقدرة أكبر على بناء فرق عمل أكثر التزاماً.
النتيجة النهائية تتوقف على طريقة إدارة الإصلاح: هل سيكون مساراً متدرجاً ومنظماً، أم زيادات متقطعة لا تكفي لتكوين توقعات واضحة؟
سابعاً: هل تستفيد كل القطاعات بالقدر نفسه؟
لا. القطاعات لا تتأثر بالطريقة نفسها.
القطاعات كثيفة العمالة، مثل الصناعات الخفيفة، التجارة، الخدمات، الزراعة، والمقاولات، ستكون أكثر حساسية لأي تغير في كلفة الأجور. أما القطاعات التي تعتمد على المهارات العالية، مثل الصحة، التعليم، التقنية، الخدمات المالية، والاستشارات، فالتحدي الأكبر فيها ليس فقط مستوى الراتب، بل القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات ومنع تسربها.
لهذا تبدو الزيادات النوعية في قطاعات محددة إشارة إلى أن الدولة تميز بين القطاعات حسب الحاجة والأولوية. فالطبيب، المعلم، الفني، الخبير المالي، والعامل الرقابي لا يمثلون فقط موظفين ضمن جهاز عام، بل يشكلون جزءاً من البنية التي يعتمد عليها الاقتصاد والمجتمع في التعافي.
ثامناً: ماذا عن العدالة بين العاملين؟
كل زيادة نوعية تفتح سؤال العدالة. لماذا قطاع دون آخر؟ لماذا جهة دون أخرى؟ لماذا يستفيد بعض العاملين أكثر من غيرهم؟
هذا السؤال لا يمكن تجاهله. لكن العدالة في الأجور لا تعني دائماً المساواة الرقمية الكاملة. قد تكون العدالة أحياناً في التمييز بين الأعمال حسب طبيعتها، ندرة خبرتها، أثرها على المجتمع، ظروفها الجغرافية، ومخاطرها المهنية.
المشكلة تظهر عندما لا تكون معايير التمييز واضحة. لذلك يحتاج تطوير منظومة الأجور إلى شفافية أكبر في شرح الأسس: لماذا شمل القرار هذه الجهات؟ ما المعايير؟ هل توجد مراحل لاحقة؟ ما القطاعات التالية؟ وكيف ستتم معالجة الفجوات بين العاملين؟
كلما كانت المعايير أوضح، تراجعت حساسية المقارنة بين الفئات.
تاسعاً: ما علاقة الأجور بالإصلاح الإداري؟
لا يمكن فصل الأجور عن الإصلاح الإداري. رفع الراتب دون تحسين الإدارة قد يخفف الضغط المعيشي، لكنه لا يحل مشكلة الأداء. وفي المقابل، مطالبة الموظف بإنتاجية أعلى دون أجر مناسب تفقد الإصلاح الإداري جديته.
المعادلة الأقرب للواقع هي أن إصلاح الأجور يجب أن يترافق مع:
توصيف وظيفي أوضح.
معايير أداء قابلة للقياس.
حوافز مرتبطة بالنتائج.
تقليل الترهل الإداري.
تدريب وتأهيل.
تحسين بيئة العمل.
فصل أوضح بين الراتب الأساسي والتعويضات والحوافز.
عندها يصبح الأجر أداة لإصلاح الإدارة، لا مجرد بند إنفاق إضافي.
عاشراً: ماذا يجب أن يتابع أصحاب الأعمال خلال المرحلة المقبلة؟
أصحاب الأعمال، خصوصاً في القطاع الخاص، لا يحتاجون إلى انتظار كل قرار حكومي كي يراجعوا سياساتهم الداخلية. المرحلة المقبلة تتطلب من الشركات السورية أن تتعامل مع ملف الأجور بوصفه جزءاً من إدارة المخاطر والموارد البشرية، لا مجرد كلفة شهرية.
الأفضل أن تبدأ الشركات بمراجعة عملية تشمل:
ما الحد الأدنى الحقيقي الذي يحتاجه العامل للاستمرار؟
ما الوظائف الأكثر عرضة للمغادرة؟
ما الكفاءات التي يصعب تعويضها؟
هل الأجور الحالية مرتبطة بالإنتاجية أم بالعرف فقط؟
هل يمكن تقديم مزايا غير نقدية تخفف الضغط، مثل النقل، الوجبات، التأمين، أو المرونة؟
هل توجد فجوات غير عادلة داخل الشركة نفسها؟
هل يمكن اعتماد زيادات مرحلية بدلاً من صدمة مالية واحدة؟
الشركة التي لا تراجع أجورها قد تدفع الكلفة لاحقاً عبر دوران العمالة، ضعف الإنتاجية، انخفاض الجودة، أو فقدان الخبرات.
ما السيناريوهات المحتملة؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: زيادات متدرجة ومنظمة
في هذا المسار، تستمر الدولة في مراجعة الأجور تدريجياً، مع توسيع الزيادات النوعية حسب الأولويات، وربط ذلك بإصلاح إداري ومالي. هذا هو السيناريو الأكثر قدرة على بناء ثقة واستقرار.
السيناريو الثاني: زيادات اسمية يلتهمها التضخم
هنا ترتفع الرواتب، لكن الأسعار ترتفع معها أو بعدها، فيشعر العامل بتحسن قصير الأجل ثم يعود الضغط المعيشي. هذا السيناريو يحدث إذا لم تترافق الزيادة مع ضبط الأسواق وتوسيع العرض والإنتاج.
السيناريو الثالث: فجوة متزايدة بين القطاعات
إذا حصلت بعض القطاعات على زيادات نوعية متكررة بينما بقيت قطاعات أخرى بعيدة عن المعالجة، فقد تتزايد الفجوات داخل سوق العمل، وتظهر ضغوط انتقال وظيفي أو تراجع رضا في قطاعات غير مشمولة.
الخلاصة: الزيادة مهمة، لكن المنظومة أهم
تصريح الرئيس الشرع يضع ملف الأجور في إطار أوسع من قرار زيادة. الرسالة الأساسية أن سوريا تتجه إلى التعامل مع الرواتب بوصفها منظومة تحتاج تطويراً تدريجياً، لا بنداً مالياً يعالج كل فترة بزيادة منفصلة.
بالنسبة للعامل، المسألة هي القدرة على العيش بكرامة.
بالنسبة لصاحب العمل، المسألة هي كلفة التشغيل والاحتفاظ بالكفاءات.
بالنسبة للمستثمر، المسألة هي استقرار سوق العمل وقابلية التوقع.
وبالنسبة للاقتصاد، المسألة هي التوازن بين الدخل، الأسعار، الإنتاجية، والقدرة المالية.
لذلك، فإن نجاح تطوير منظومة الأجور لن يقاس فقط بنسبة الزيادة، بل بقدرة السياسات المقبلة على تحويل الأجر من رقم غير كافٍ في نهاية الشهر إلى جزء من عقد اقتصادي جديد: أجر أكثر عدالة، عمل أكثر إنتاجية، سوق أكثر استقراراً، ومؤسسات أكثر قدرة على الاحتفاظ بالناس والكفاءات.
أسئلة شائعة متداولة
هل تعني زيادة الرواتب تحسناً فورياً في المعيشة؟
جزئياً نعم، لكنها لا تكفي وحدها. التحسن الفعلي يتوقف على الأسعار، انتظام الصرف، وتوافر السلع والخدمات الأساسية.
هل سيضطر القطاع الخاص إلى رفع الرواتب؟
ليس قانونياً بالضرورة في كل الحالات، لكنه عملياً سيواجه ضغطاً أكبر للحفاظ على العمالة والكفاءات، خصوصاً إذا تحسنت أجور القطاع العام أو زادت المنافسة على الاختصاصات.
هل الزيادات النوعية عادلة؟
قد تكون مبررة عندما تستهدف قطاعات حيوية أو وظائف نادرة أو مناطق صعبة، لكن عدالتها ترتبط بوضوح المعايير ووجود مراحل لاحقة لمعالجة قطاعات أخرى.
هل تؤدي زيادة الأجور إلى ارتفاع الأسعار؟
قد يحدث ذلك إذا زاد الطلب دون زيادة العرض أو ضبط الأسواق. أما إذا ترافقت الزيادة مع إنتاجية أعلى وتوافر أفضل للسلع، فقد يكون الأثر أكثر توازناً.
ما الذي يجب على الشركات فعله الآن؟
مراجعة سلم الأجور الداخلي، تحديد الوظائف الحرجة، دراسة مزايا غير نقدية، وربط جزء من الزيادات بالإنتاجية والاحتفاظ بالكفاءات.