إطلاق برنامج “نرتقي من الأساس”: هل تبدأ سوريا إعادة بناء قطاع الضيافة من القاعدة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
يشهد القطاع السياحي السوري خلال عام 2026 واحدة من أبرز المبادرات الحكومية الموجهة نحو إعادة تنشيط البنية الفندقية المتوسطة والاقتصادية، مع إطلاق المرحلة التنفيذية من برنامج «نرتقي من الأساس» الذي تقوده وزارة السياحة السورية بالتعاون مع القطاع المصرفي وشركات استشارية متخصصة.
البرنامج الذي أُعلن عنه رسمياً خلال فعالية أقيمت في فندق البوابات السبع بدمشق، بحضور وزير السياحة مازن الصالحاني وممثلين عن مصارف وشركات استشارية وأصحاب منشآت فندقية، لا يقتصر على تحسين منشآت قائمة فقط، بل يمثل محاولة لإعادة بناء جزء أساسي من البنية التشغيلية للسياحة السورية انطلاقاً من الفنادق الأقرب إلى السوق المحلي والزوار الإقليميين وقطاع الأعمال.
من أين بدأت الفكرة؟
جاء البرنامج في سياق مجموعة من التحولات التي يشهدها القطاع السياحي السوري خلال العامين الأخيرين، مع ارتفاع ملحوظ في النشاط السياحي الداخلي، وعودة تدريجية لبعض الفعاليات الاقتصادية والمعارض، وتحسن نسبي في حركة رجال الأعمال والوفود والأنشطة التجارية المرتبطة بالسوق السوري.
لكن في المقابل، واجهت السوق الفندقية السورية تحدياً واضحاً يتمثل في وجود فجوة كبيرة بين:
- الطلب المتزايد نسبياً على الإقامة المتوسطة.
- وقدرة الفنادق الاقتصادية والمتوسطة على تقديم خدمات بمستوى مقبول تشغيلياً.
وخلال السنوات الماضية، تركز جزء كبير من الاستثمارات الفندقية على الفنادق الكبيرة أو الفاخرة، بينما بقيت مئات المنشآت الصغيرة والمتوسطة تعمل بإمكانات تشغيلية ضعيفة، وتجهيزات قديمة، ومستويات متفاوتة من الجودة والخدمات.
من هنا بدأت وزارة السياحة العمل على مشروع يستهدف الشريحة الأوسع والأكثر تأثيراً عملياً في السوق، أي فنادق النجمة والنجمتين.
ماذا يتضمن البرنامج؟
بحسب المعطيات الرسمية، يستهدف برنامج «نرتقي من الأساس»:
- تأهيل وتطوير 332 فندقاً.
- موزعة على مختلف المحافظات السورية.
- بطاقة تتجاوز 10 آلاف غرفة فندقية.
ويُعد هذا الرقم كبيراً نسبياً إذا ما قورن بحجم الفنادق المتوسطة العاملة فعلياً داخل السوق السورية حالياً، ما يعني أن البرنامج لا يستهدف حالات محدودة، بل يحاول خلق أثر قطاعي واسع.
ويتضمن البرنامج عدة محاور متكاملة:
أولاً: التمويل الميسر
تم إشراك ثلاثة مصارف في المرحلة الحالية:
- بنك شام
- QNB
- البنك الوطني الإسلامي
ويُنتظر أن تقدم هذه الجهات:
- قروضاً أو تمويلات ميسرة.
- برامج دعم للتجهيز والتطوير.
- حلولاً مالية تساعد أصحاب الفنادق على تنفيذ أعمال التأهيل دون الحاجة إلى سيولة ضخمة مباشرة.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة، لأن التمويل بقي لسنوات أحد أكبر العوائق أمام تحديث المنشآت السياحية السورية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف:
- التجهيزات الفندقية.
- الطاقة.
- أعمال الصيانة.
- المفروشات.
- أنظمة التشغيل.
- تجهيزات المطابخ والخدمات.
ثانياً: الدعم الفني والاستشاري
يشارك في البرنامج عدد من الشركات الاستشارية المتخصصة، منها:
- إينوفا
- منارة الشرق للاستشارات والأعمال
- إي إم بي إس
وهذه الخطوة تعني أن المشروع لا يقوم فقط على منح التمويل، بل على محاولة تحسين النموذج التشغيلي للفنادق نفسها، من خلال:
- تقييم واقع المنشآت.
- وضع خطط تطوير.
- تحسين الإدارة الفندقية.
- رفع جودة الخدمات.
- تطوير تجربة الضيافة.
- تدريب الكوادر.
- تعزيز الجاهزية التشغيلية.
وهو جانب غالباً ما يكون أكثر أهمية من الترميم الشكلي وحده.
ثالثاً: رفع المعايير التشغيلية
تركز المبادرة على الوصول إلى مستوى خدمة أقرب إلى المعايير الدولية في الفئة الاقتصادية والمتوسطة، وليس فقط في الفنادق الفاخرة.
ويشمل ذلك:
- مستوى النظافة.
- جودة الغرف.
- السلامة.
- الاستقبال والخدمة.
- التجهيزات الأساسية.
- تجربة النزيل.
- توحيد الحد الأدنى المقبول من الجودة.
لماذا التركيز على فنادق النجمة والنجمتين؟
يحمل هذا التوجه دلالة اقتصادية مهمة.
فالواقع السياحي السوري الحالي لا يقوم أساساً على السياحة الفاخرة، بل يعتمد بدرجة أكبر على:
- السياحة الداخلية.
- زوار الأعمال.
- الوفود المهنية.
- الزوار الإقليميين.
- الإقامة الاقتصادية والمتوسطة.
- النشاط المرتبط بالمعارض والفعاليات.
وهذا يعني أن الفنادق المتوسطة تمثل العمود الفقري الفعلي للقطاع في هذه المرحلة.
كما أن تطوير هذه الفئة يحقق عدة نتائج في وقت واحد:
- رفع الطاقة الاستيعابية القابلة للاستخدام.
- تحسين صورة القطاع السياحي.
- دعم حركة رجال الأعمال.
- تنشيط الاقتصاد المحلي.
- تحفيز الإنفاق الخدمي.
- خلق فرص تشغيل جديدة.
ماذا حدث منذ إطلاق المبادرة؟
منذ الإعلان الرسمي عن المرحلة التنفيذية، بدأت الوزارة فعلياً بفتح الباب أمام:
- التواصل مع أصحاب المنشآت.
- تقييم الجاهزية.
- دراسة احتياجات الفنادق.
- بناء آليات التمويل والتأهيل.
- إطلاق التنسيق مع الجهات المصرفية والاستشارية.
كما بدأت تتشكل ملامح انتقال البرنامج من مجرد فكرة تنظيمية إلى مشروع تشغيلي فعلي، خصوصاً مع دخول أطراف متعددة في التنفيذ:
- وزارة السياحة.
- المصارف.
- شركات الاستشارات.
- أصحاب المنشآت.
- مزودو التجهيزات والخدمات.
ومن المتوقع خلال المرحلة القادمة أن تظهر:
- دفعات أولى من الفنادق التي تبدأ عمليات التطوير.
- نماذج تشغيلية جديدة.
- معايير تصنيف وتقييم أكثر وضوحاً.
- توسع تدريجي في الخدمات المرافقة.
ما الأثر الاقتصادي المتوقع؟
إذا جرى تنفيذ البرنامج بصورة مستقرة، فقد تتجاوز نتائجه القطاع السياحي نفسه.
فالمشروع يمكن أن يخلق دورة اقتصادية تشمل:
- شركات المقاولات والتشطيبات.
- الأثاث والتجهيزات الفندقية.
- أنظمة الإدارة والتقنيات.
- خدمات التدريب.
- شركات التنظيف والصيانة.
- قطاع الأغذية والمشروبات.
- النقل والخدمات اللوجستية.
- التوظيف والتشغيل.
كما قد يساهم في رفع الطلب على منتجات محلية مرتبطة بالقطاع الفندقي، وهو ما يخلق أثراً غير مباشر على قطاعات صناعية وتجارية متعددة.
ما الذي يعنيه هذا للواقع السياحي السوري؟
رغم التحديات الكبيرة التي ما تزال تواجه السياحة السورية، فإن البرنامج يحمل عدة إشارات مهمة:
1) انتقال التركيز من التوسع النظري إلى تحسين الجودة
بدلاً من الحديث فقط عن مشاريع سياحية ضخمة جديدة، يجري التركيز هنا على رفع كفاءة البنية الموجودة فعلياً والقابلة للتشغيل السريع.
2) إعادة بناء الثقة تدريجياً
تحسين تجربة الإقامة والخدمات يمثل جزءاً أساسياً من إعادة بناء صورة القطاع السياحي السوري أمام:
- الزوار.
- المستثمرين.
- الوفود الاقتصادية.
- الشركات.
- منظمي الفعاليات.
3) تحريك استثمارات متوسطة الحجم
البرنامج يفتح الباب أمام استثمارات تشغيلية وتطويرية أقل تكلفة من إنشاء فنادق جديدة بالكامل، ما قد يشجع شريحة أوسع من المستثمرين وأصحاب المنشآت.
4) دعم النشاط الاقتصادي المرتبط بالسياحة
السياحة ليست قطاعاً منفصلاً، بل شبكة واسعة ترتبط بالنقل والتجارة والخدمات والفعاليات والمعارض والمطاعم والتوظيف.
ما الذي قد يواجه البرنامج؟
رغم الطابع الإيجابي للمبادرة، فإن نجاحها الفعلي سيبقى مرتبطاً بعدة عوامل:
- قدرة الفنادق على تحمل التمويل.
- استقرار البيئة التشغيلية.
- توفر الطاقة والخدمات.
- القدرة على ضبط الجودة.
- استمرار الطلب السياحي.
- مستوى الأسعار مقارنة بالقوة الشرائية.
- استمرارية المتابعة بعد التأهيل.
كما أن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في ترميم الفنادق، بل في:
- الحفاظ على مستوى الخدمة.
- بناء كوادر مدربة.
- تحسين الإدارة التشغيلية.
- خلق تجربة ضيافة مستقرة وقابلة للاستمرار.
إلى أين يمكن أن تصل المبادرة؟
إذا تمكن البرنامج من تحقيق أهدافه الأساسية خلال السنوات القادمة، فقد يصبح:
- نقطة انطلاق لإعادة هيكلة قطاع الضيافة المتوسط في سوريا.
- نموذجاً لتعاون حكومي–مصرفي–تشغيلي في قطاعات أخرى.
- مدخلاً لتحسين الجاذبية السياحية والاستثمارية تدريجياً.
- قاعدة لإطلاق برامج تصنيف وتشغيل أكثر تطوراً مستقبلاً.
كما قد يفتح الباب لاحقاً أمام:
- دخول علامات تشغيل جديدة.
- توسع الاستثمارات السياحية المتوسطة.
- تحسين معايير التدريب الفندقي.
- زيادة قدرة سوريا على استضافة الفعاليات الاقتصادية والسياحية.
وفي ظل حاجة السوق السورية الحالية إلى مشاريع تشغيلية واقعية أكثر من المشاريع الضخمة المؤجلة، يبدو برنامج «نرتقي من الأساس» محاولة لبناء التعافي السياحي من النقطة الأكثر عملية وتأثيراً: تحسين الأساس نفسه.