مجلس الشعب السوري الجديد… هل تبدأ مرحلة الاقتصاد بالتشريع؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
مع اكتمال تشكيل مجلس الشعب السوري في الأول من تموز/يوليو 2026، ودعوة المجلس لعقد أولى جلساته في السادس من الشهر نفسه، تدخل سوريا مرحلة مؤسساتية جديدة تحمل أبعاداً تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد والاستثمار. فبالنسبة لرجال الأعمال، لا تكمن أهمية المجلس في كونه سلطة تشريعية فحسب، بل في كونه الجهة التي ستحدد شكل البيئة القانونية التي سيعمل ضمنها الاقتصاد خلال المرحلة الانتقالية.
وبينما ينظر كثيرون إلى الحدث من زاوية سياسية، يقرأه المستثمرون بطريقة مختلفة: هل سيتمكن المجلس من إنتاج تشريعات مستقرة تعيد بناء الثقة بالسوق السورية، أم سيبقى أثره محدوداً إذا لم تتحول القوانين إلى إصلاحات قابلة للتنفيذ؟
من اكتمال التشكيل إلى بداية الاختبار
اكتمل المجلس بإعلان الثلث الرئاسي، ليصل عدد أعضائه إلى 210 أعضاء، على أن يبدأ أعماله رسمياً خلال الأيام المقبلة. إلا أن اكتمال التشكيل لا يعني انتهاء المرحلة الانتقالية، بل بداية اختبارها الحقيقي.
فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان المجلس سيؤدي دوراً تشريعياً ورقابياً فاعلاً، أم سيبقى حضوره أقرب إلى الإطار المؤسسي دون تأثير اقتصادي ملموس.
لماذا يهتم المستثمر بالبرلمان؟
في الاقتصادات الناشئة أو الخارجة من النزاعات، لا تتخذ الشركات قراراتها بناءً على المؤشرات السياسية وحدها، بل تقيّم جودة المؤسسات. لذلك يراقب المستثمرون البرلمانات لأنها تصدر القوانين التي تنظم الاستثمار والضرائب والشركات والعقود، وتحدد درجة استقرار البيئة التنظيمية.
وبالنسبة لسوريا، فإن السنوات الماضية اتسمت بارتفاع ما يعرف بـ”المخاطر التشريعية”، أي غياب القدرة على التنبؤ بالقوانين وآليات تطبيقها. ومن هنا، فإن نجاح المجلس في تقليص هذا الغموض قد يكون أكثر أهمية من أي حوافز استثمارية قصيرة الأجل.
اقتصاد يبحث عن قواعد جديدة
يدخل المجلس عمله في وقت لا يزال فيه الاقتصاد السوري يواجه تحديات كبيرة. وبينما تشير التصريحات الرسمية إلى تحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية، تدعو تقديرات مستقلة إلى قراءة هذه الأرقام بحذر، مع التمييز بين النمو الناتج عن توسع النشاط الاقتصادي الحقيقي، والنمو الاسمي المرتبط بارتفاع الأسعار أو انخفاض قاعدة المقارنة بعد سنوات من الانكماش.
وفي المقابل، تبقى مؤشرات مثل ارتفاع معدلات الفقر، وضعف القدرة الشرائية، وتحديات الطاقة، واحتياجات إعادة الإعمار، من أبرز الملفات التي تجعل الإصلاح التشريعي شرطاً ضرورياً، لكنه غير كافٍ وحده لتحقيق التعافي.
ما الذي ينتظره مجتمع الأعمال؟
يركز مجتمع الأعمال على مجموعة محددة من الملفات التي ستشكل معياراً للحكم على أداء المجلس خلال أشهره الأولى، وفي مقدمتها:
- تحديث قانون الاستثمار وتوفير ضمانات أوضح للمستثمرين.
- مراجعة النظام الضريبي وتبسيط الإجراءات.
- تطوير قوانين الشركات والإفلاس والحوكمة.
- تحديث التشريعات المصرفية والتمويلية.
- إقرار أطر قانونية للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- تعزيز حماية حقوق الملكية وتسوية المنازعات التجارية.
ولا يتعلق الأمر بعدد القوانين التي ستصدر، بل بجودتها وسرعة تطبيقها، لأن المستثمر يقيس البيئة الاستثمارية بمدى استقرار القواعد وليس بكثرة النصوص القانونية.
هل ينعكس المجلس على سعر الصرف والتضخم؟
الإجابة المختصرة: ليس بشكل مباشر.
فمجلس الشعب لا يدير السياسة النقدية، لكن بإمكانه التأثير بصورة غير مباشرة عبر تشريعات تشجع الاستثمار والإنتاج، وتقلل من تكلفة ممارسة الأعمال، وتعزز الثقة بالمؤسسات.
وإذا نجحت هذه الإصلاحات في تحفيز النشاط الاقتصادي وزيادة تدفقات الاستثمار، فقد تسهم تدريجياً في تخفيف الضغوط على سوق القطع الأجنبي وتحسين استقرار الاقتصاد الكلي، إلى جانب السياسات التي تتخذها الجهات التنفيذية والنقدية.
القطاعات التي تترقب
ليست جميع القطاعات في موقع واحد. فالطاقة والكهرباء تأتيان في مقدمة الأولويات، لأنهما تؤثران في تكلفة الإنتاج في مختلف الأنشطة الاقتصادية. كما يترقب القطاع المصرفي تحديث التشريعات المنظمة للتمويل، فيما ينتظر قطاعا الصناعة والعقارات وضوحاً أكبر في قوانين الاستثمار وحقوق الملكية.
أما الاقتصاد الرقمي، فيبقى من أكثر المجالات القادرة على النمو السريع إذا حظي بإطار قانوني حديث ينظم التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، وحماية البيانات.
الفرصة والتحدي
يمثل المجلس فرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، لكنه يواجه أيضاً تحديات كبيرة. فالتشريع وحده لا يكفي إذا تأخر التنفيذ أو بقيت الإجراءات الإدارية معقدة، كما أن استمرار بعض القيود الخارجية، وتحديات البنية التحتية، وملفات الطاقة والتمويل، ستظل عوامل مؤثرة في قرارات المستثمرين.
ومن هنا، فإن نجاح المجلس سيقاس بقدرته على تحويل الإصلاحات الاقتصادية من نصوص قانونية إلى واقع ينعكس على الشركات والأسواق.
ماذا سيراقب المستثمرون؟
خلال الأشهر الأولى، سيركز المستثمرون على مؤشرات عملية أكثر من الخطابات، أبرزها:
- سرعة إصدار القوانين الاقتصادية.
- جودة اللوائح التنفيذية.
- مستوى الحوار مع القطاع الخاص.
- استقرار السياسات الضريبية.
- تحسن إجراءات تأسيس الشركات.
- تطور بيئة التقاضي التجاري.
- مؤشرات الاستثمار المحلي والأجنبي.
هذه المؤشرات ستحدد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو بيئة أعمال أكثر جاذبية، أم أن حالة الترقب ستستمر.
الخلاصة
يمثل مجلس الشعب السوري بداية مرحلة جديدة في إعادة بناء المؤسسات، لكنه ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة تشكيل البيئة الاقتصادية. وإذا استطاع أن يضع إطاراً تشريعياً مستقراً، ويمنح القطاع الخاص رؤية واضحة للمستقبل، فقد يصبح أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
أما إذا بقيت الإصلاحات بطيئة أو متعثرة، فإن الأسواق ستتعامل مع المجلس بوصفه خطوة مؤسساتية مهمة، لكنها غير كافية وحدها لتغيير قرارات الاستثمار.
في النهاية، سيحكم المستثمرون على المجلس بالطريقة نفسها التي تحكم بها الأسواق دائماً: ليس بما يُعلن، بل بما يُنفذ.