بعد بدء إعداد موازنة 2027: ماذا يعني دخول صندوق النقد على خط الإطار المالي متوسط المدى في سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
بعد أيام من بدء وزارة المالية السورية إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2027، مع التركيز على الرقمنة، مؤشرات الأداء، كفاءة الإنفاق، وشمولية الموازنة، برز تطور جديد يتمثل في بحث الوزارة مع بعثة من صندوق النقد الدولي بناء إطار مالي متوسط المدى للمالية العامة.
هذا التطور لا يكرر مسار إعداد الموازنة، بل يضيف إليه بعداً أعمق. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بكيفية إعداد موازنة سنة واحدة، بل بكيفية بناء تقديرات مالية واقتصادية تمتد لعدة سنوات، وتربط الإيرادات، الإنفاق، العجز، التمويل، الدين، الاستثمار العام، والتوقعات الاقتصادية ضمن إطار واحد قابل للمتابعة.
من هنا، تبدو موازنة 2027 أمام اختبار مختلف: هل ستكون مجرد موازنة جديدة أكثر تنظيماً ورقمنة، أم بداية انتقال نحو تخطيط مالي متوسط المدى يساعد الدولة والقطاع الخاص والمستثمرين على قراءة الاتجاهات المالية بصورة أوضح؟
ما الجديد في هذا التطور؟
الجديد ليس أن وزارة المالية بدأت إعداد موازنة 2027؛ فهذا المسار بدأ بالفعل. الجديد هو دخول صندوق النقد الدولي على خط بناء إطار مالي متوسط المدى، ودعم أدوات التوقع الاقتصادي والمالي الكلي التي يمكن أن تستند إليها الموازنة المقبلة وما بعدها.
الإطار المالي متوسط المدى لا يكتفي بسؤال: كم ستنفق الدولة في عام 2027؟
بل يطرح أسئلة أوسع:
- ما الإيرادات المتوقعة خلال أكثر من سنة؟
- ما حجم الإنفاق الجاري والاستثماري الممكن؟
- ما مستوى العجز المقبول؟
- كيف سيموَّل العجز؟
- ما أثر ذلك على التضخم وسعر الصرف؟
- كيف ستُدار الالتزامات والدين؟
- ما القطاعات التي ستحصل على أولوية في الإنفاق العام؟
- كيف يمكن منع عودة تمويل العجز بطرق تضغط على الأسعار والعملة؟
بهذا المعنى، فإن الإطار المالي متوسط المدى يمثل انتقالاً من موازنة سنوية معزولة إلى رؤية مالية متعددة السنوات.
لماذا تحتاج سوريا إلى إطار مالي متوسط المدى؟
تحتاج سوريا إلى هذا النوع من التخطيط لسبب جوهري: حجم الاحتياجات أكبر بكثير من قدرة الموازنة السنوية على استيعابها دفعة واحدة.
البلاد تحتاج إلى إنفاق واسع على البنية التحتية، الكهرباء، المياه، الطرق، الصحة، التعليم، الأجور، الدعم الاجتماعي، إعادة تأهيل المؤسسات، وتحسين الخدمات العامة. وفي المقابل، لا تزال الإيرادات العامة بحاجة إلى إعادة بناء وتوسيع وتحسين في التحصيل، خصوصاً في الضرائب، الرسوم، الجمارك، النفط والغاز، والإيرادات المتنوعة.
لذلك، فإن أي موازنة سنوية لا يمكن أن تكون كافية وحدها. المطلوب هو إطار يجيب عن سؤال أبعد: كيف ستتحرك المالية العامة خلال ثلاث إلى خمس سنوات؟ وما حدود الإنفاق والتمويل والعجز ضمن مسار لا يعيد إنتاج التضخم أو عدم الاستقرار؟
موازنة 2026 كقاعدة رقمية لفهم موازنة 2027
لفهم أهمية هذا الإطار، يجب العودة إلى أرقام موازنة 2026، لأنها تمثل القاعدة التي سيُبنى عليها جزء كبير من النقاش حول موازنة 2027.
بلغت نفقات موازنة 2026 نحو 10.516 مليارات دولار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 8.716 مليارات دولار. وهذا يعني فجوة تمويلية تقارب 1.8 مليار دولار.
وتوزعت النفقات وفق الأرقام المعلنة على النحو الآتي:
- 60% نفقات جارية.
- 27% نفقات استثمارية.
- 13% للدعم والضمان الاجتماعي.
وبحسابات تقريبية، يعني ذلك أن الإنفاق الجاري يبلغ نحو 6.31 مليارات دولار، والإنفاق الاستثماري نحو 2.84 مليار دولار، والدعم والضمان الاجتماعي نحو 1.37 مليار دولار.
أما الإيرادات، فتوزعت على النحو الآتي:
- 50% من الضرائب والرسوم والجمارك.
- 28% من النفط والغاز.
- 22% من إيرادات متنوعة أخرى.
وبحسابات تقريبية، يعني ذلك أن الضرائب والرسوم والجمارك تمثل نحو 4.36 مليارات دولار، والنفط والغاز نحو 2.44 مليار دولار، والإيرادات الأخرى نحو 1.92 مليار دولار.
هذه الأرقام تكشف حجم التحدي. فالموازنة ليست فقط وثيقة إنفاق، بل معادلة توازن بين حاجات كبيرة، إيرادات محدودة، وفجوة تمويلية يجب أن تُدار بحذر.
العجز: لماذا لا تكفي معرفة الرقم؟
الفجوة التمويلية في موازنة 2026، والبالغة نحو 1.8 مليار دولار، تعادل تقريباً 17% من إجمالي النفقات، ونحو 21% من الإيرادات المتوقعة.
لكن قراءة العجز لا تكتمل عند هذا الرقم. السؤال الأهم هو: كيف سيموَّل هذا العجز؟
إذا مُوّل العجز عبر أدوات مالية واضحة مثل السندات أو الصكوك أو موارد سيادية أو منح أو تمويلات غير تضخمية، فقد يكون أثره قابلاً للإدارة. أما إذا عاد التمويل عبر البنك المركزي أو عبر آليات تضغط على الكتلة النقدية، فقد ينعكس ذلك على التضخم وسعر الصرف وكلفة المعيشة وكلفة الأعمال.
لذلك، فإن دور الإطار المالي متوسط المدى هو تحويل العجز من رقم معلن إلى مسار قابل للتخطيط: كم سيكون العجز في 2027؟ كيف سينخفض أو يرتفع في 2028 و2029؟ وما مصادر تمويله؟ وما أثر كل خيار على الاستقرار المالي والنقدي؟
من الرقمنة إلى الفرضيات المالية الكلية
المادة السابقة حول موازنة 2027 ركزت على الرقمنة، مؤشرات الأداء، كفاءة الإنفاق، وشمولية الموازنة. هذه عناصر مهمة في تحسين طريقة إعداد وتنفيذ الموازنة.
أما التطور الجديد مع صندوق النقد فينقل النقاش إلى مستوى آخر: الفرضيات المالية والاقتصادية الكلية.
الرقمنة تساعد على تحسين البيانات والمتابعة.
مؤشرات الأداء تساعد على قياس النتائج.
كفاءة الإنفاق تساعد على تقليل الهدر.
لكن الإطار المالي متوسط المدى يسأل عن الأساس الذي تُبنى عليه كل هذه الأدوات: ما توقعات النمو؟ ما مستوى التضخم؟ ما سعر الصرف المرجعي؟ ما حجم الإيرادات الممكن؟ ما حدود الإنفاق؟ ما قدرة الدولة على التمويل؟ وما مستوى الدين أو الالتزامات؟
بهذا المعنى، فإن التعاون مع صندوق النقد لا يستبدل مسار الرقمنة، بل يكمله من زاوية التخطيط المالي الكلي.
الدين والالتزامات: الخلفية الثقيلة لأي موازنة مقبلة
لا يمكن بناء موازنة 2027 بمعزل عن ملف الدين والالتزامات المالية السابقة. تقديرات دولية أشارت إلى أن إجمالي الدين السوري بلغ نحو 27 مليار دولار في نهاية 2024، أي ما يعادل 128% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر، مع وجود دين خارجي كبير ومتأخرات مالية تحتاج إلى معالجة تدريجية.
هذه الأرقام تضع موازنة 2027 أمام تحديين متلازمين:
الأول، تمويل احتياجات الإنفاق الحالية دون توسيع الاختلال المالي.
الثاني، إدارة الالتزامات السابقة دون تعطيل القدرة على تمويل الخدمات والاستثمار العام.
وهنا تظهر أهمية الإطار متوسط المدى، لأنه لا يتعامل مع الدين بوصفه رقماً منفصلاً، بل يربطه بالإيرادات، العجز، النمو، التمويل، والقدرة المستقبلية على السداد أو إعادة الهيكلة أو التسوية.
ما أثر ذلك على القطاع الخاص؟
بالنسبة للقطاع الخاص، قد تبدو الموازنة العامة ملفاً حكومياً بحتاً، لكنها عملياً تؤثر في كل شركة تقريباً.
الشركات تتأثر بالضرائب والرسوم والجمارك، وبحجم الإنفاق الاستثماري العام، وبمشاريع البنية التحتية، وباستقرار العملة، وبمستوى التضخم، وبقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع ودفع الالتزامات.
إذا نجحت وزارة المالية في بناء إطار مالي متوسط المدى، يمكن أن يتحسن مستوى التوقع لدى الشركات. فالمستثمر لا يريد فقط معرفة ما ستنفقه الدولة هذا العام، بل يريد معرفة الاتجاه: هل ستزيد الضرائب؟ هل سيستمر الإنفاق الاستثماري؟ هل ستُطلق مشاريع بنية تحتية؟ هل ستكون هناك فجوة تمويلية تضغط على الأسعار؟ هل ستبقى السياسة المالية متناسقة مع السياسة النقدية؟
كلما زاد وضوح هذه الإجابات، تحسنت قدرة القطاع الخاص على التخطيط.
مؤشرات يجب مراقبتها في موازنة 2027
حتى لا يبقى الحديث عن الإطار المالي متوسط المدى عاماً، هناك مجموعة مؤشرات يجب مراقبتها عند صدور مشروع موازنة 2027:
- حجم النفقات الكلي مقارنة بموازنة 2026.
هل سيبقى الإنفاق قريباً من مستوى 10.5 مليارات دولار؟ أم سيزيد أو ينخفض؟ - نسبة الإنفاق الاستثماري.
هل ستبقى عند 27% أو ترتفع؟ وهل سيتحول الإنفاق الاستثماري إلى مشاريع فعلية قابلة للتنفيذ؟ - حجم الفجوة التمويلية.
هل ستنخفض عن 1.8 مليار دولار؟ أم ستتوسع؟ وما نسبتها إلى الإيرادات والنفقات؟ - مصادر تمويل العجز.
هل ستكون عبر أدوات مالية منظمة؟ أم عبر موارد استثنائية؟ أم عبر تمويل يضغط على الاستقرار النقدي؟ - الإيرادات الضريبية والجمركية.
بما أنها تمثل نصف الإيرادات المتوقعة في 2026، فإن أي إصلاح في التحصيل الضريبي والجمركي سيؤثر مباشرة في قدرة الدولة على تمويل الإنفاق. - إيرادات النفط والغاز.
كونها تمثل 28% من الإيرادات المتوقعة في 2026، فإن استقرار هذا البند سيكون مؤثراً في الموازنة المقبلة. - مستوى الإفصاح المالي.
هل ستُنشر فرضيات الموازنة بصورة واضحة؟ وهل ستتطور نسخة المواطن لتشمل مقارنة بين 2026 و2027؟ - استمرار عدم تمويل العجز من البنك المركزي.
هذا المؤشر مهم لحماية الاستقرار النقدي وتجنب ضغوط تضخمية جديدة. - إدخال مؤشرات أداء قابلة للقياس.
ليس المطلوب فقط ذكر مؤشرات الأداء، بل ربطها بمشاريع وقطاعات ومخرجات واضحة. - طريقة التعامل مع الدين والمتأخرات.
هل ستظهر إشارات إلى آلية إدارة الدين أو إعادة ترتيب الالتزامات؟
ما الذي قد يضيفه صندوق النقد عملياً؟
وجود صندوق النقد في هذا المسار لا يعني بالضرورة برنامج تمويل أو اتفاقاً مالياً واسعاً. لكنه قد يقدم دعماً فنياً في مجالات مهمة، منها:
- بناء نماذج توقع للإيرادات والنفقات.
- تحسين تقدير العجز والتمويل.
- تطوير أدوات تحليل الدين والاستدامة المالية.
- ربط الموازنة بالتوقعات الاقتصادية الكلية.
- دعم إعداد سيناريوهات متعددة للإنفاق والإيرادات.
- تحسين شفافية البيانات المالية.
- تطوير قدرات وزارة المالية في إعداد موازنات متعددة السنوات.
قيمة هذا الدعم لا تظهر في الاجتماعات، بل في شكل موازنة 2027 نفسها: هل ستصبح أكثر وضوحاً؟ هل ستتضمن فرضيات قابلة للقياس؟ هل ستربط الإنفاق بالأولويات؟ وهل ستجعل المخاطر المالية أكثر قابلية للفهم؟
المخاطر التي يجب عدم تجاهلها
رغم أهمية الخطوة، هناك مخاطر يجب قراءتها بواقعية.
الخطر الأول أن يبقى الإطار المالي متوسط المدى وثيقة فنية لا تؤثر فعلياً في قرارات الإنفاق.
الخطر الثاني أن تكون الفرضيات الاقتصادية متفائلة أكثر من اللازم، بما يؤدي إلى تقدير إيرادات أعلى من الممكن.
الخطر الثالث أن يتوسع الإنفاق الجاري على حساب الاستثمار العام المنتج.
الخطر الرابع أن يستمر ضعف التنفيذ، فيبقى الإنفاق الاستثماري مخصصاً على الورق أكثر مما هو منفذ على الأرض.
الخطر الخامس أن لا تكون مصادر تمويل العجز واضحة بما يكفي، ما يضع ضغوطاً لاحقة على الاستقرار المالي والنقدي.
لذلك، فإن نجاح هذا المسار لا يقاس بوجود صندوق النقد فقط، بل بقدرة وزارة المالية على تحويل الدعم الفني إلى أدوات تنفيذية داخل الموازنة.
الخلاصة:
في مادة سابقة حول موازنة 2027 عالجت سؤالاً مهماً: كيف تعيد وزارة المالية ترتيب أدوات إعداد وتنفيذ الموازنة عبر الرقمنة ومؤشرات الأداء وكفاءة الإنفاق؟
أما التطور الجديد فيطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن أن تنتقل سوريا من موازنة سنة واحدة إلى إطار مالي متوسط المدى يربط الإنفاق بالإيرادات، والعجز بالتمويل، والموازنة بالاستقرار الاقتصادي؟
إذا نجحت وزارة المالية في هذا الانتقال، فقد تكون موازنة 2027 خطوة مهمة في بناء مالية عامة أكثر قابلية للتوقع، وأكثر ارتباطاً بالنتائج، وأقل عرضة للارتجال السنوي.
لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في المخرجات: وضوح الفرضيات، شفافية الأرقام، إدارة العجز، تمويل غير تضخمي، إنفاق استثماري قابل للتنفيذ، وربط حقيقي بين الموازنة وأولويات التعافي الاقتصادي.
بهذا المعنى، فإن دخول صندوق النقد على خط الإطار المالي متوسط المدى لا يجعل موازنة 2027 مجرد موازنة جديدة، بل يحولها إلى اختبار لقدرة المالية السورية على بناء مسار مالي أكثر انتظاماً لما بعد 2027.