بدء تنفيذ محطتي دير الزور وشمال حلب: هل يدخل مشروع الكهرباء السوري مرحلة التنفيذ الفعلي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
يمثل إعلان بدء تنفيذ المرحلة الأولية في موقعي محطتي التوليد الكهربائي في دير الزور وشمال حلب تطوراً مهماً في ملف الطاقة السوري، ليس لأنه يضيف خبراً جديداً إلى سلسلة الاتفاقيات السابقة فحسب، بل لأنه ينقل مشروعاً كبيراً من مستوى التوقيع والتعهدات إلى مستوى تجهيز مواقع العمل وبدء التحضير الفني والإداري في المواقع.
بحسب ما نُشر في 2 تموز 2026، بدأت الأعمال الأولية في موقعي دير الزور وشمال حلب، بعد انطلاق أعمال سابقة في موقعي محردة وزيزون بريف حماة، مع تركيب مكاتب فنية وإدارية وتجهيز المواقع لاستقبال الكوادر الهندسية والفنية التابعة لشركة UCC Holding، ضمن مشروع يستهدف إنشاء محطات توليد كهربائي بقدرة 4000 ميغاواط، إضافة إلى مشروعات طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط موزعة على مناطق سورية مختلفة.
ما الذي حدث فعلياً؟
الحدث الأساسي هو بدء تجهيز موقعي العمل في محطتي دير الزور وشمال حلب، ضمن المرحلة الأولية من تنفيذ المشروع. ووفق ما أعلنته وزارة الطاقة، تشمل هذه المرحلة تجهيز مواقع العمل وتركيب المكاتب الفنية والإدارية، تمهيداً لانتقال المشروع إلى مراحل التنفيذ اللاحقة.
هذا لا يعني أن المحطات دخلت الخدمة أو أن الأثر الكهربائي سيظهر فوراً على ساعات التغذية، لكنه يعني أن المشروع بدأ يخرج من الإطار التعاقدي إلى الإطار الميداني. وهذه نقطة مهمة في مشاريع البنية التحتية الكبرى، لأن الفاصل بين توقيع الاتفاقيات وبدء تجهيز المواقع هو غالباً الفاصل بين المشروع المعلن والمشروع القابل للمتابعة التنفيذية.
خلفية المشروع: 8 محطات بقدرة 5000 ميغاواط
تعود خلفية المشروع إلى الاتفاقيات النهائية التي وقعتها وزارة الطاقة السورية لإنشاء 8 محطات كهرباء بقدرة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط، مع تحالف دولي تقوده شركة أورباكون القابضة UCC، وبمشاركة شركات كاليون وجنكيز وباور إنترناشونال. وتشمل الاتفاقيات أربع محطات غازية تعمل بتقنية الدورة المركبة في شمال حلب بقدرة 1200 ميغاواط، ودير الزور بقدرة 1000 ميغاواط، وزيزون بقدرة 1000 ميغاواط، ومحردة بقدرة 800 ميغاواط، إلى جانب أربع محطات طاقة شمسية بقدرة إجمالية 1000 ميغاواط.
هذا التوزيع يمنح المشروع بعدين متكاملين: الأول تقليدي يعتمد على محطات غازية كبيرة قادرة على توفير قدرة توليد مستقرة، والثاني متجدد يعتمد على الطاقة الشمسية لتوسيع مزيج الطاقة وتقليل الضغط المستقبلي على الوقود الأحفوري.
لماذا يهم هذا الحدث قطاع الأعمال؟
أزمة الكهرباء في سوريا ليست أزمة خدمة عامة فقط، بل هي واحدة من أهم محددات كلفة الإنتاج وجاذبية الاستثمار. المصنع الذي يعمل على مولدات خاصة يتحمل كلفة وقود وصيانة وانقطاعات أعلى، والمنشأة التجارية التي لا تملك تغذية مستقرة تفقد جزءاً من قدرتها التشغيلية، والمستثمر الذي يدرس مشروعاً صناعياً أو غذائياً أو لوجستياً يحتاج قبل كل شيء إلى تقدير واقعي للطاقة المتاحة.
لذلك، فإن أي توسع كبير في قدرة التوليد لا يُقرأ فقط من زاوية ساعات التغذية المنزلية، بل من زاوية أوسع تشمل:
- خفض كلفة التشغيل على القطاعات الإنتاجية.
- تحسين جاذبية المدن والمناطق الصناعية.
- تقليل الاعتماد على المولدات والوقود المكلف.
- رفع قدرة المنشآت على التخطيط للإنتاج.
- دعم مشاريع إعادة الإعمار والخدمات الأساسية.
- فتح فرص جديدة أمام المقاولين والموردين وشركات الخدمات الفنية.
من هذه الزاوية، يصبح بدء التنفيذ في دير الزور وشمال حلب مؤشراً عملياً على دخول ملف الطاقة مرحلة أكثر ارتباطاً بقرارات الاستثمار والإنتاج.
دير الزور وشمال حلب: اختياران يحملان دلالة اقتصادية
لا يمكن فصل اختيار دير الزور وشمال حلب عن البعد الجغرافي والاقتصادي للمشروع. دير الزور تمثل بوابة مهمة في شرق سوريا، وترتبط بملفات الطاقة والموارد والبنية التحتية وإعادة دمج النشاط الاقتصادي في الشرق السوري. أما شمال حلب فيرتبط بواحدة من أهم البيئات الصناعية والتجارية السورية، وبحاجة واضحة إلى كهرباء مستقرة لدعم عودة الصناعة، سلاسل التوريد، الورش، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
إذا تقدمت هذه المحطات وفق مسار واضح، فقد تكون آثارها أكبر من مجرد إضافة قدرة توليد جديدة، لأنها قد تعيد ترتيب الخريطة التشغيلية لبعض المناطق، وتدعم عودة النشاط الصناعي في محافظات تحتاج إلى طاقة منتظمة كي تستعيد قدرتها الإنتاجية.
من الاتفاق إلى التنفيذ: لماذا تعد هذه النقلة مهمة؟
في مشاريع البنية التحتية الكبرى، لا تكفي المذكرات أو العقود النهائية وحدها لإقناع السوق. ما يراقبه المستثمرون والموردون هو سلسلة التنفيذ: تجهيز المواقع، دخول الفرق الفنية، تأمين المعدات، إغلاق التمويل، تقدم الأعمال المدنية، ربط المحطات بالشبكة، وتحديد مواعيد الدخول المرحلي إلى الخدمة.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن مشروع الطاقة مع التحالف الذي تقوده UCC قُدّر بنحو 7 مليارات دولار، ويتضمن أربع محطات غازية بدورة مركبة بقدرة 4000 ميغاواط، إضافة إلى محطة أو مشاريع شمسية بقدرة 1000 ميغاواط، مع توقعات بأن توفر المشاريع عند اكتمالها أكثر من نصف احتياجات سوريا من الكهرباء.
من هنا، فإن بدء تجهيز المواقع لا يعني اكتمال المشروع، لكنه يرفع درجة الجدية التنفيذية، ويفتح المجال أمام متابعة مؤشرات ملموسة خلال الأشهر المقبلة.
الأثر المتوقع على الصناعة والاستثمار
إذا تم تنفيذ المشروع وفق الجدول المعلن سابقاً، فإن أثره الأكبر سيكون على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة: الصناعات الغذائية، الصناعات الهندسية، البلاستيك، النسيج، مواد البناء، التبريد والتخزين، والمناطق الصناعية. هذه القطاعات لا تحتاج فقط إلى كهرباء أكثر، بل إلى استقرار في التغذية يسمح بتشغيل خطوط الإنتاج وفق جداول قابلة للتوقع.
ومن المرجح أن يكون الأثر على الاستثمار تدريجياً لا فورياً. فالمستثمر لا يغير قراره بمجرد إعلان بدء التنفيذ، لكنه يبدأ بإعادة تقييم المخاطر عندما يرى تقدماً ميدانياً مستمراً. وكلما تحولت الأعمال من تجهيز المواقع إلى إنشاءات ومعدات وربط شبكي، زادت قابلية المشروع لأن ينعكس على قرارات الشركات والمستثمرين.
الأثر المحتمل يمكن تلخيصه في ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى: أثر مباشر على قطاع الطاقة، من خلال زيادة قدرة التوليد وتحسين موثوقية الشبكة عند دخول المحطات الخدمة.
الدائرة الثانية: أثر إنتاجي على الصناعة والخدمات، من خلال تقليل انقطاعات التشغيل وخفض كلفة البدائل الخاصة للطاقة.
الدائرة الثالثة: أثر استثماري، من خلال تحسين صورة البنية التحتية السورية أمام المستثمرين المحليين والخارجيين.
ما التحديات التي قد تحدد نجاح المشروع؟
رغم أهمية بدء التنفيذ، يبقى نجاح المشروع مرتبطاً بعدة عوامل عملية. فمحطات الغاز تحتاج إلى إمدادات وقود مستقرة، كما تحتاج المحطات الكبيرة إلى شبكات نقل وتوزيع قادرة على استيعاب الطاقة المنتجة ونقلها إلى مناطق الاستهلاك. وتشير قراءات متخصصة في قطاع الكهرباء السوري إلى أن نجاح مشاريع التوليد الجديدة يعتمد على موثوقية إمدادات الغاز، وإعادة تأهيل البنية التحتية للنقل، ووجود وضوح قانوني وتمويلي كافٍ لجذب المستثمرين الدوليين.
كما أن مشاريع بهذا الحجم لا تُقاس فقط بالقدرة الاسمية المعلنة، بل بالقدرة الفعلية المتاحة عند التشغيل، وبمستوى الجاهزية الفنية للشبكة، وبقدرة الجهات المعنية على إدارة عقود التشغيل والصيانة والوقود والربط.
لذلك، فإن الأسئلة التي يجب متابعتها خلال المرحلة المقبلة هي:
- متى تبدأ الأعمال المدنية الثقيلة في المواقع؟
- ما الجدول الزمني التفصيلي لدخول كل محطة إلى الخدمة؟
- كيف سيتم تأمين الوقود اللازم للمحطات الغازية؟
- ما خطة تعزيز شبكات النقل والتوزيع المرتبطة بهذه المحطات؟
- ما حجم مساهمة الشركات المحلية في المقاولات والتوريد والخدمات؟
- هل ستظهر فرص تعاقدية محلية مرتبطة بالأعمال المساندة؟
ماذا يعني ذلك للشركات السورية؟
بالنسبة للشركات السورية، لا ينبغي التعامل مع الحدث بوصفه خبراً بعيداً يخص وزارة الطاقة فقط. قطاع الكهرباء يحدد جزءاً كبيراً من كلفة التشغيل، ولذلك فإن أي تقدم فعلي في مشاريع التوليد يجب أن يدخل في حسابات الشركات الصناعية والخدمية عند التخطيط للتوسع أو إعادة التشغيل أو اختيار الموقع.
الشركات العاملة في المقاولات، الكهرباء، الأعمال المدنية، التوريدات المعدنية، النقل، الخدمات اللوجستية، الأمن الصناعي، وخدمات الإقامة والتجهيزات الميدانية قد تكون من أكثر الفئات القادرة على الاستفادة غير المباشرة من هذا النوع من المشاريع، خصوصاً إذا ظهرت لاحقاً فرص توريد أو تعاقدات محلية ضمن سلسلة التنفيذ.
أما الشركات الصناعية، فالأثر الأهم بالنسبة لها سيكون في مرحلة لاحقة، عند بدء ظهور تحسن فعلي في التغذية الكهربائية واستقرار الشبكة. عندها فقط يمكن الحديث عن أثر مباشر على الإنتاج والكلفة والتسعير.
قراءة تفاؤلية مشروطة بالتنفيذ
يمكن النظر إلى بدء تنفيذ أعمال محطتي دير الزور وشمال حلب بوصفه إشارة إيجابية في مسار إعادة بناء قطاع الكهرباء السوري. فالمشروع كبير من حيث القدرة، واسع من حيث التوزع الجغرافي، ومرتبط بقطاعات إنتاجية وخدمية لا يمكن أن تنهض من دون طاقة مستقرة.
لكن القراءة المهنية تفرض التمييز بين ثلاث مراحل: الإعلان، بدء التنفيذ، ودخول الخدمة. ما حدث الآن هو انتقال مهم إلى المرحلة الثانية، لكنه لا يغني عن متابعة مؤشرات الإنجاز، التمويل، التوريد، الوقود، والربط الشبكي.
إذا نجح المشروع في التقدم وفق برنامج واضح، فقد يتحول إلى واحد من أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي في سوريا، لأنه يعالج عنق زجاجة يمس الصناعة، الاستثمار، الخدمات، وسلاسل الإمداد. أما إذا تعثر في التمويل أو الوقود أو الشبكات، فقد يبقى أثره محصوراً في الرمزية لا في التشغيل.
الخلاصة أن بدء الأعمال في دير الزور وشمال حلب ليس مجرد خبر طاقة، بل اختبار عملي لقدرة سوريا على تحويل اتفاقيات البنية التحتية الكبرى إلى مشاريع منتجة، وقادرة على تحسين شروط العمل والإنتاج والاستثمار في السنوات المقبلة.