954 ألف طن من الزيتون في 2026: هل تتحول وفرة الموسم إلى فرصة اقتصادية وتصديرية لسوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
تدخل سوريا موسم الزيتون 2026 أمام واحدة من أكبر القفزات الزراعية المسجلة خلال السنوات الأخيرة. فالتقديرات المعلنة من وزارة الزراعة تشير إلى إنتاج يقارب 954 ألف طن من ثمار الزيتون، مقابل نحو 412 ألف طن في موسم 2025، أي زيادة تقارب 542 ألف طن، أو نحو 132% خلال عام واحد.
لكن القيمة الاقتصادية لهذه الأرقام لا تكمن في حجم المحصول وحده. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القطاف: هل يستطيع السوق امتصاص هذه الكمية؟ وهل تستطيع المعاصر والتخزين والتعبئة والتصدير تحويل الوفرة إلى دخل أعلى للمزارع وقيمة مضافة للاقتصاد، أم تتحول زيادة العرض إلى ضغط على الأسعار وهوامش المنتجين؟
وفق تقديرات وزارة الزراعة، يخصص نحو 20% من المحصول، أي قرابة 191 ألف طن، لزيتون المائدة، فيما يتجه نحو 80%، أو 763 ألف طن، إلى العصر، مع توقع إنتاج يقارب 191 ألف طن من زيت الزيتون. وتبلغ المساحة المزروعة بالزيتون أكثر من 677 ألف هكتار، تضم نحو 101 مليون شجرة.
من 412 إلى 954 ألف طن: قفزة كبيرة ولكن يجب قراءتها بحذر
المقارنة مع موسم 2025 تبدو استثنائية. الموسم الماضي لم ينتج سوى نحو 412 ألف طن من الزيتون ونحو 66 ألف طن من الزيت، بعد تراجع الإنتاج بأكثر من 45% تحت تأثير الظروف المناخية. وإذا تحققت تقديرات 2026، فإن إنتاج الثمار سيكون أكثر من 2.3 مرة إنتاج العام الماضي، بينما يقترب إنتاج الزيت من ثلاثة أضعاف مستوى 2025.
هذا التحسن مهم، لكنه لا يعني أن القدرة الإنتاجية للقطاع تضاعفت هيكلياً خلال عام واحد. جزء معتبر من النسبة الكبيرة يعود إلى انخفاض قاعدة المقارنة في 2025، وهو موسم كان ضعيفاً بصورة استثنائية.
لذلك فإن المؤشر الأهم ليس فقط مقارنة 2026 بعام سيئ سبقه، وإنما قدرة القطاع على تثبيت مستويات إنتاج مرتفعة في مواسم لاحقة، وتحسين الإنتاجية والجودة وتقليل حساسيته للمناخ.
وتزداد أهمية هذه النقطة لأن بيانات وزارة الزراعة المنشورة سابقاً تشير إلى أن نحو 85% من زراعة الزيتون في سوريا بعلية وتعتمد بصورة كبيرة على الأمطار، وهو ما يجعل الإنتاج شديد التأثر بالتقلبات المناخية بين موسم وآخر.
خريطة الإنتاج: خمسة مراكز تشكل نحو ثلاثة أرباع الموسم
تتصدر حلب تقديرات الإنتاج بنحو 226.3 ألف طن، تليها إدلب بنحو 156.8 ألف طن، ثم طرطوس بنحو 127.8 ألف طن، واللاذقية بنحو 121.1 ألف طن، وحماة بنحو 100.8 ألف طن.
هذه المحافظات الخمس وحدها تمثل قرابة 733 ألف طن، أي نحو 77% من الإنتاج الوطني المتوقع.
وهذا التركز مهم من منظور الأعمال، لأنه يعني أن فرص الاستثمار والخدمات المرتبطة بالمحصول ليست موزعة بالتساوي جغرافياً. حلب وإدلب والساحل وحماة تمثل العقد الأساسية لأي استثمار في التجميع، والمعاصر، والخزانات، ومخابر الجودة، والتعبئة، والنقل والتصدير.
وتقدم طرطوس مثالاً واضحاً على حجم التقلب بين المواسم؛ إذ قدرت مديرية الزراعة إنتاج المحافظة هذا العام بنحو 127 ألف طن مقابل نحو 10 آلاف طن فقط في الموسم السابق، مع إرجاع التحسن إلى الظروف الجوية المناسبة والهطولات المطرية وبرامج مكافحة الآفات.
ماذا يعني موسم بهذا الحجم للمزارع؟
نظرياً، يعني المحصول الكبير كمية أكبر قابلة للبيع ودخلاً إجمالياً أعلى للريف الزراعي. وقطاع الزيتون ليس نشاطاً هامشياً؛ فقد أشارت بيانات مكتب الزيتون المنشورة في 2025 إلى ارتباط نحو 300 ألف أسرة سورية بالقطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن العلاقة بين وفرة الإنتاج وربحية المزارع ليست تلقائية.
إذا تضاعفت الكميات المعروضة بينما بقي الطلب المحلي وقدرات التخزين والتصدير ثابتة، يمكن أن ينخفض السعر الذي يحصل عليه المنتج. كما ترتفع في الموسم الكبير الحاجة إلى اليد العاملة للقطاف والنقل، وتزداد الضغوط على المعاصر، وقد يؤدي التأخير بين القطاف والعصر أو التخزين غير المناسب إلى خسارة جزء من الجودة وبالتالي جزء من القيمة.
بمعنى آخر، دخل المزارع لا تحدده كمية الإنتاج فقط، وإنما المعادلة بين الكمية والسعر والتكلفة والجودة وسرعة الوصول إلى السوق.
وهنا تظهر مفارقة زراعية مهمة: قد يكون الموسم ممتازاً على مستوى الإنتاج الوطني، لكنه أقل جودة اقتصادياً لبعض المزارعين إذا أدت الوفرة إلى انهيار أسعار الثمار أو ارتفاع تكاليف القطاف والخدمات.
ولهذا فإن نجاح موسم 2026 يجب أن يقاس في النهاية بما حصل عليه المنتج من صافي عائد، لا بعدد الأطنان وحده.
القمح والزيتون: موسم واحد ورسالتان اقتصاديتان مختلفتان
يأتي تحسن الزيتون بعد موسم قمح قوي أيضاً، ما يجعل 2026 عاماً لافتاً للقطاع الزراعي السوري.
كانت وزارة الزراعة قد قدرت إنتاج القمح هذا العام بأكثر من 3 ملايين طن، مقابل نحو 934 ألف طن في 2025، بينما قدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” المحصول بنحو 2.7 مليون طن، أي أكثر من 50% فوق متوسط السنوات الخمس، وأعلى مستوى منذ 2020، مدعوماً بتحسن الأمطار واستعادة مساحات إنتاجية واسعة.
ورغم اختلاف طبيعة المحصولين، فإن اجتماعهما في موسم جيد يحمل دلالة اقتصادية أكبر.
القمح يعمل أساساً من جانب الأمن الغذائي وتقليل الحاجة إلى الاستيراد والضغط على القطع الأجنبي. أما الزيتون فيجمع بين الأمن الغذائي والدخل الريفي وإمكانية توليد سلعة تصديرية ذات قيمة.
بصيغة أكثر مباشرة: القمح الجيد يستطيع تقليص ما يخرج من العملات الأجنبية لشراء الغذاء، بينما يستطيع موسم الزيتون الجيد، إذا تمت إدارته وتسويقه بصورة صحيحة، زيادة ما يدخل من العملات الأجنبية عبر التصدير.
وهذا هو الاختلاف الذي يجعل الزيتون مهماً من زاوية التجارة والاستثمار، لا الزراعة فقط.
لكن موسمي القمح والزيتون يقدمان أيضاً تحذيراً مشتركاً: جزء مهم من التحسن ارتبط بالأمطار والظروف المناخية الأفضل. لذلك لا يكفي موسم جيد للقول إن القطاع الزراعي دخل مرحلة استقرار دائم. الاستدامة تحتاج إلى مياه وري أكثر كفاءة، ومدخلات إنتاج متاحة، وتمويل، وميكنة، وتخزين وتسويق، وليس فقط موسماً مطرياً جيداً.
191 ألف طن من الزيت: أين سيذهب الإنتاج؟
هنا تبدأ المسألة التجارية الحقيقية.
قبل موسمين، وفي بيانات تخص إنتاج 2024، قدر مكتب الزيتون إنتاج زيت الزيتون السوري بنحو 122 ألف طن، مقابل استهلاك محلي يقارب 100 ألف طن، ما ترك فائضاً قدر حينها بنحو 22 ألف طن قابلة للتصدير.
إذا تحقق إنتاج 2026 المتوقع البالغ نحو 191 ألف طن من الزيت، وبقي الطلب المحلي قريباً من مستوياته السابقة، فإن الفارق النظري بين الإنتاج والاستهلاك قد يصل إلى نحو 90 ألف طن.
هذا الرقم ليس توقعاً رسمياً للصادرات؛ فالكمية الفعلية القابلة للتصدير ستتغير حسب الاستهلاك والمخزون والجودة والفواقد وحركة الأسعار. لكنه يوضح حجم المسألة: السوق المحلية وحدها قد لا تكون كافية لاستيعاب الزيادة دون ضغوط سعرية.
وهنا يتحول التصدير من فرصة إضافية إلى أحد مفاتيح توازن الموسم.
هل توجد فعلاً فرصة تجارية في القطاع؟
نعم، وبصورة تتجاوز شراء الزيت وبيعه.
الفرصة الأسرع تظهر في تنظيم التجميع والتعاقد المباشر مع المزارعين والمعاصر، ثم تخزين الزيت في ظروف مناسبة وتسويقه بالجملة للمصنعين والمصدرين. لكن هذه الحلقة تحقق قيمة محدودة نسبياً إذا انتهى المنتج السوري إلى الأسواق الخارجية كزيت سائب فقط.
القيمة الأعلى توجد في طبقات أخرى من السلسلة: زيت بكر ممتاز موثق المصدر والجودة، فلترة وتعبئة احترافية، علامات تجارية قادرة على دخول التجزئة، زيتون مائدة مصنف ومعبأ، خدمات مخبرية وشهادات جودة، حلول تتبع للمحصول، عبوات وتغليف، إضافة إلى الاستفادة التجارية من مخلفات العصر ضمن تطبيقات صناعية وطاقية وزراعية مناسبة.
وتملك سوريا بالفعل قاعدة يمكن البناء عليها. فقد أشار مكتب الزيتون في بيانات منشورة خلال 2025 إلى وجود 35 شركة للفلترة والتعبئة، وإلى أن السعودية وقطر والإمارات كانت من الأسواق الأساسية المستمرة لزيت الزيتون السوري.
كما تعمل سوريا على استكمال إجراءات العودة إلى المجلس الدولي للزيتون، وهي خطوة يمكن أن تدعم الوصول إلى برامج المعايير والجودة والتدريب والتعاون الفني وتعزيز الاندماج في السوق الدولية. وفي اجتماع المجلس خلال حزيران 2026 شاركت سوريا بصفة مراقب، فيما أكدت وزارة الزراعة استمرار إجراءات استعادة العضوية.
وهذا مهم لأن المنافسة في زيت الزيتون لا تحسم بالإنتاج وحده، وإنما بالتصنيف الكيميائي والحسي، نسبة الحموضة، سلامة التخزين، التتبع، العبوة، السمعة، والقدرة على المحافظة على جودة ثابتة بين شحنة وأخرى.
السوق العالمية موجودة.. لكن المنافسة قوية
تقديرات المجلس الدولي للزيتون لموسم 2025/2026 وضعت الإنتاج العالمي قرب 3.44 ملايين طن، والاستهلاك عند نحو 3.25 ملايين طن، مع تجارة دولية من الواردات والصادرات تتجاوز 1.2 مليون طن.
أي أن هناك سوقاً دولية كبيرة بالفعل، لكنها سوق تضم منتجين كباراً يمتلكون سلاسل توريد وعلامات تجارية وشبكات توزيع راسخة.
لذلك لا تكمن ميزة سوريا في محاولة منافسة إسبانيا أو تركيا أو تونس على الحجم فقط، بل في بناء عرض مختلف: أصناف محلية، منشأ واضح، جودة ثابتة، قصة جغرافية، تعبئة جيدة، واستهداف أسواق يمكن للمنتج السوري أن يمتلك فيها حضوراً طبيعياً، وفي مقدمتها دول الخليج والأسواق التي تضم جاليات سورية وعربية، قبل التوسع نحو أسواق أكثر تشدداً في المواصفات.
زيتون المائدة: فرصة لا ينبغي أن تختفي خلف الزيت
التقديرات الحالية تخصص نحو 191 ألف طن من محصول 2026 لزيتون المائدة، وهي كمية كبيرة بحد ذاتها.
وهذا يفتح مساراً تجارياً موازياً لزيت الزيتون يشمل الفرز والمعالجة والتخليل والتعبئة والتسويق للمطاعم والفنادق ومتاجر التجزئة والتصدير.
وفي هذا الجزء من القطاع، تكون القيمة المضافة مرتبطة بصورة كبيرة بالتصنيف حسب الحجم والصنف، ثبات الطعم والجودة، العبوة، فترة الصلاحية، والقدرة على تقديم منتج موحد يمكن للمستورد أو سلسلة التجزئة الاعتماد عليه باستمرار.
أي أن المحصول لا يجب أن يُقرأ كـ954 ألف طن من المادة الخام، بل كمدخل لمجموعة صناعات وأسواق مختلفة.
أين تكمن أفضل الفرص؟
يمكن تقسيم الفرصة التجارية الحالية إلى خمس حلقات مترابطة: تجارة وتجميع المحصول من مناطق الإنتاج، خدمات العصر والتخزين والخزانات الحديثة، الفلترة والتعبئة والعلامات التجارية، تصدير الزيت وزيتون المائدة، ثم الصناعات والخدمات المكملة من العبوات والمختبرات واللوجستيات إلى الاستفادة من مخلفات العصر.
لكن الحلقة الأكثر أهمية اقتصادياً ليست المضاربة على سعر الثمار خلال الموسم، وإنما امتلاك جزء من مرحلة ما بعد الحصاد.
كلما تحرك النشاط التجاري من شراء الزيتون الخام إلى زيت موثق الجودة ثم إلى منتج معبأ ذي علامة وقناة توزيع، زادت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد السوري.
الخطر الأكبر: أن تكون لدينا وفرة بلا سوق
الموسم الكبير يمكن أن يكون فرصة، لكنه يمكن أيضاً أن يكشف نقاط ضعف السلسلة بسرعة أكبر من الموسم الصغير.
إذا امتلأت المعاصر وتأخر العصر، تتراجع الجودة. وإذا لم تتوفر خزانات مناسبة، يتضرر الزيت. وإذا لم تتحرك قنوات التصدير، يزداد العرض المحلي وتتعرض الأسعار للضغط. وإذا اضطر المزارع للبيع سريعاً لتغطية تكاليف القطاف، ينتقل الجزء الأكبر من هامش الربح إلى المراحل اللاحقة من السلسلة.
لهذا فإن الرقم الذي يستحق المتابعة خلال الأشهر المقبلة ليس 954 ألف طن وحده، بل أسعار شراء الثمار من المزارعين، أجور القطاف والعصر، كميات الزيت المصنفة بكر ممتاز، الطاقة التخزينية المتاحة، حجم العقود التصديرية، وحصة الزيت الذي يغادر البلاد معبأً بعلامة سورية مقارنة بما يصدر سائلاً أو بالجملة.
هذه المؤشرات ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للموسم.
2026 قد يكون فرصة لإعادة بناء قطاع وليس فقط الاستفادة من موسم
موسما القمح والزيتون يقدمان في 2026 إشارة إيجابية للاقتصاد الزراعي السوري بعد سنوات صعبة، لكن الدرس الأهم هو أن الإنتاج وحده لا يبني اقتصاداً زراعياً قوياً.
القمح يحتاج إلى تحويل الموسم الجيد إلى مخزون وأمن غذائي واستدامة في الإنتاج. والزيتون يحتاج إلى تحويل الوفرة إلى جودة وتصنيع وتعبئة وعقود وأسواق خارجية.
وفي حالة الزيتون تحديداً، تبدو الفرصة أكبر من موسم واحد. سوريا تمتلك قاعدة زراعية واسعة، أكثر من 100 مليون شجرة، مناطق إنتاج معروفة تاريخياً، خبرة محلية في العصر والتصنيع، وأسواقاً خارجية تعرف المنتج السوري.
ما ينقص الحلقة الاقتصادية ليس المحصول وحده، بل القدرة على ربط المزارع بالمعصرة والمخبر والمعبئ والمصدر والسوق النهائي ضمن سلسلة أكثر تنظيماً.
وإذا نجح موسم 2026 في دفع هذا التحول، فلن تكون أهم نتيجة فيه ارتفاع الإنتاج من 412 إلى 954 ألف طن، وإنما انتقال جزء أكبر من قيمة الزيتون السوري من الحقل الخام إلى منتج سوري قابل للتصدير والمنافسة.
وهنا بالتحديد تتحول وفرة زراعية موسمية إلى فرصة اقتصادية مستدامة.